الحوار غير المجدي
الثلثاء 18 أيار (مايو) 2010
خلال أسبوعين انشغلت كل الجمهورية بمبادرة اتخذتها الحكومة بالحوار مع السجناء السلفيين. جمع العلماء والوزراء والسجناء في مشهد توقع الموريتانيون –والعالم معهم- أنه سيكون له ما بعده خصوصا أن العلماء المشرفين على الحوار تحدثوا حينها عن وقتها بنسب فاقت كل التوقعات.
حينها انقسم السجناء إلى أغلبية كبيرة عبرت عن كامل استعدادها للتخلي عن الفكر المتطرف وأقلية لم تبد نفس الاستعداد غير أنها أظهرت الكثير من التفهم والتعاطي الايجابي مع الأفكار المطروحة. وهو ما جعل الرأي العام يتوقع نتائج جد مشجعة لهذا الحوار الذي علق عليه الجميع آمالا كبيرة في الخروج بموريتانيا من مأزق هي في غنى عنه.
انتظر السجناء طويلا -ومعهم الرأي العام- غير أنه كان عليهم أن يخوضوا تجربة الإضراب عن الطعام المخيفة ليتم التعهد لهم بأبسط حق يكفله القانون وهو تقديمهم للمحاكمة. وحتى على هذا المستوى لم تستطع السلطة تحقيق ما تعهدت به لأنها لن تقدم خلال هذه الدورة للمحاكمة سوى 14 متهما من سجناء السجن المدني، وهو عدد أقل من ثلث المتهمين الذين انتهى التحقيق في ملفاتهم.
وأكثر من ذلك فاجأت النيابة الرأي العام مع بدء المحاكمات بطلباتها "غير الحوارية" بالسجن والأشغال الشاقة والغرامات ومصادرة الممتلكات، ومثل تجاوب القضاة مع هذه المطالب إلى حد بعيد صدمة قوية خصوصا وأن من تمت إدانتهم حتى الآن هم من الجناح المعتدل الذي وجه أكثر من رسالة للتعبير عن حسن نواياه والتأكيد عليها.
هل تريد السلطة عبر صمتها الطويل وإجراءاتها الصارمة أن تعلن بطريقتها فشل الحوار والتمسك بمقاربتها الأمنية؟ وهل تراجع الحكومة عن مقاربتها الحوارية هو قرار أملته الانتصارات الأخيرة على "الصحراوي" وعلى مجموعة "لمزيرب"؟ أم هو يندرج ضمن الخيار الدولي بالحرب على الإرهاب؟
مهما يكن فنحن أمام توجه جديد، وأخشى ما نخشاه أن يكون باتجاه العودة إلى المربع الأول أي إلى المواجهة المفتوحة مع القاعدة والاعتماد على القمع وحده لتحقيق النصر. فبالإضافة إلى كونه توجها مكلفا للغاية فليس هناك ما يضمن أن يأتي بنتائج مشجعة.
"أقلام"
عودة للصفحة الرئيسية