الدولة والقبيلة .....وحقيقة إثبات الوجود !!

الأربعاء 22-05-2013| 10:17

عبد الله الناجي

من المعلوم أن الدولة والقبيلة شيئان متضادان، فالأولي أعم نفعا وأكثر أهمية، وهي عبارة عن شجرة وافرة الظلال يستطيع أن يستظل بظلها كل من أراد ذلك، وهي التي يمكنها حماية أبنائها أينما حلو وارتحلوا، وهي التي إذا جاء نفعها عم علي كل أبنائها بدون استثناء، وبشكل عام فإن الدولة هي ذلك الإطار القانوني الشرعي الذي يحمي مواطنيه ويقدم لهم كل ما هم بحاجة إليه من خدمات .

أما الثانية فهي إطار ضيق غير شرعي من الناحية القانونية والتنظيمية ، ولا تتعدي خدماته المنتمين له بشكل خاص ، وهي لا تعمل إلا لصالحها ......
لكن اللافت في الامر والخطير في نفس الوقت وهو ما يشكل تهديدا لكيان الدولة ولسلطتها وسيادتها وقوانينها ومؤسساتها هو بروز القبيلة في الآونة الاخيرة وبشكل واضح من خلال عقد اجتماعات هنا وهناك ، وقد طالبت بعض القبائل في اجتماعات لها بقيادة ما يسمي بأسرة الامارة أو اشياخه بإعطائها وظائف سياسية في الدولة تناسب حجمها وكذلك مناصب انتخابية .

والأخطر في الأمر أن هذه الاجتماعات يتم التحضير لها علي مرآي ومسمع من الدولة بل إن بعض كبار الموظفين يحضرون تلك الاجتماعات ، وهو ما يبرهن علي ان هذه الاجتماعات تمت بمباركة منها وذلك بتغاضيها عنها .

وهو ما يؤكد بأن موريتانيا مازالت دولة قبائل وعشائر ، وأن هذه الأخيرة مازالت متحكمة ومستحكمة في كل مفاصل الدولة ، وهذا ما يفسر حالة الاعوجاج وعدم الاستقرار السياسي التي تعاني منها منذ إنشائها وحتي اليوم ، ومن امثلة هذا الاعوجاج هو أنه منذ تأسيس الدولة وإلي غاية اليوم أن كل الحكومات التي يتم تعينها كانت تتم علي أساس قبلي محض ، وكان يتم حل الحكومات في بعض الاحيان لإعادة التوازن القبلي داخلها ، وهي طريقة اعتمدتها كل الانظمة التي تعاقبت علي حكم البلاد ....

كما انه يفسر انعدام مفهوم الوطنية أو الولاء للوطن عند البعض بدلا من الولاء للقبيلة ، فكم من مسؤول تم تعينه علي رأس قطاع معين فعمد إلي إلي حشد ابناء عمومته فيه وتعينهم في كل المناصب وكأن المنصب خاص به وبقبيلته حتي يعين لها ما يريد من ابنائها ، ونفس الشئ يمكن قوله عن المناصب الانتخابية التي تقسمها القبيلة بين بطونها أو بينها وبين حلفائها من القبائل الأخري ... وكأننا اصبحنا قاب قوسين أو أدني من أن يقال لنا أو نسمع بلدية القبيلة كذا أو نائب القبيلة كذا .أو شيخ القبيلة كذا ...الخ .

إن قوة الدولة تكمن في قوة هيبتها وفرض سلطانها علي الجميع الذي هو عنصر اساسي من عناصر تكوين الدولة طبقا لمفهوم القانوني للدولة .فلا يمكن بحال من الاحوال ان تكون عندنا سلطتين في سلطة واحدة ، فإما أن تكون الدولة حاضرة وموجودة بسلطاتها وقوانينها ومؤسساتها ، وإما أن نكون أمام مرحلة جديدة من السيبة والفوضى والاستعراض العضلي للقبيلة المتمثل في معرفة حجمها ووزنها وتأثيرها علي كل ما يجري من حولها . إنها مرحلة خطيرة بكل المقاييس بدأت تتوجه إليها الدولة الموريتانية في القرن الواحد والعشرين ، في زمن تتنافس فيه الدول علي سبل التقدم والاستقرار والتنمية ، ونحن نتنافس ونتنا بز بالقبيلة وامجادها ومآثرها وبطولاتها ، فأي زمان هذ؟!.

إنه لا سبيل إلي بناء دولة عصرية ديمقراطية يترسخ مفهوم الوطنية في كل مواطنيها ولا ولاء يعلو فوق الولاء للوطن لأنه هو أم الجميع ، إلا بترسيخ مفهوم التعددية الحزبية الصحيحة والسليمة باعتبار الاحزاب السياسية هي تنظيمات سياسية واجتماعية ذات طابع عام وبرامج وأهداف ومحددة وهي نتاج الديمقراطية والمجسدة الفعلي لها ، وهي بكل تأكيد تختلف عن القبيلة في كل مناحي وتوجهاتها ، وهو ما يفرض علينا ضرورة الانتماء لها وتجذير الممارسة الديمقراطية عن طريقها وبها فقط يمكن أن نثبت وجود الدولة بدلا من القبيلة . والله من وراء القصد .


عودة للصفحة الرئيسية