أين كانت وطنية "الحراك"؟ المستهلك: عودة قوية للذبح العشوائي في وقفة المولد مبارك وزمانه مـن المنصة إلى الميدان (الحلقة الأولى) مشاهدات من واقع ولاية إينشيري جميل منصور: اعتقال بيران انتهاك سافر لحرية التعبير الحزب الحاكم: منسقية المعارضة تقف وراء احتجاجات طلاب الجامعة "إيرا" تندد باعتقال وان بيران اعتقال منسق حركة "لا تلمس جنسيتي" الاضطرابات في مالي: ما سر اتهام موريتانيا بإذكاء الحرب؟ "المهني للتعليم العالي" يدعو لمتابعة مثيري الشغب في الجامعة

بيرام ولد الداه: خطابنا صفارة إنذار لجعل العلاقات الاجتماعية أخلاقية وإنسانية

الثلثاء 15 حزيران (يونيو) 2010

نص مقابلة رئيس مبادرة المقاومة من أجل الانعتاق، والمكلف بمهمة في منظمة نجدة العبيد، السيد بيرام ولد الداه ولد اعبيد، مع جريدة "لا نوفيل اكسبرسيون".

لا نوفيل اكسبرسيون: لقد انتخبت مبادرة المقاومة من أجل الانعتاق مكتبها التنفيذي، هل ستطلبون من السلطات الاعتراف بمنظمتكم؟

بيرام ولد الداه ولد اعبيد: كان لمبادرة المقاومة من أجل الانعتاق، منذ ميلادها، هيئات قيادية، وإن لم تكن بادية ومعلنة لدواع استراتيجية وأخرى تكتيكية وأمنية لازمة لكل عمل احتجاجي يصبو إلى تحقيق هدف جاد في هذا البلد.

لكن صحيح أن إعادة هيكلة المكتب التنفيذي، في هذا الوقت وبهذه الطريقة، يستجيب لعدة إكراهات يمكنكم تصورها؛ لأن المبادرة تعرضت لعرقلات وتنفيرات وتحريمات، وهي تشكل -أكثر من أي تجمع سياسي أو مدني آخر - قطب الرحى في تتبعها من طرف السلطات العمومية والمجموعات المهيمنة التي تحكم عليها قبضتها.

إن إعادة هيكلة المكتب التنفيذي تخول تحرير بعض المناضلين المهمين من الانشغالات المكتبية لولوج العمل الميداني ولتشكيل رقابة خلفية، مع الدفع إلى الطليعة برجال ونساء ذوي تجربة وقادرين على حمل رسالة المبادرة إلى الندوات والإعلام الوطني والدولي. غير أن الأكيد، مع الاعتراف أو عدم الاعتراف بالمبادرة، أن الديمقراطية الموريتانية المزعومة ستكون أمام امتحان صعب، لأن الاعتراف بمنظمتنا يعني بالتأكيد تمكين الكثير من الشبان والشابات (الحائزين على تعاطف والتزام غير مسبوقين) من تجسيد التيار الفكري والجماهيري الذي لم نزل ندعو إليه.

ذلك التيار الذي سيؤدي إلى انعتاق الامتيازات غير المشروعة لنخبة مجموعة على حساب الآخرين، كما سيؤدي إلى الهدم الأيديولوجي والديني لعقليات الاسترقاق والأحكام العرقية المسبقة، كذلك تدمير العادات والعلائق الاجتماعية الظلامية والظالمة، بالإضافة إلى كل العيوب التي تواصل ديمومة مجاعة الطبقات الأعرض من الشعب الموريتاني: الحراطين (العبيد والعبيد السابقين في موريتانيا)، والأعراق السوداء ( الفلان، السونينكي، الولف، البمباره) وبقية الطبقات المحرومة التي ترزح حتى أيامنا هذه تحت القوانين غير الانسانية للتمايز العرقي أو اللغوي أو المتعلق بالمولد. أما عدم الاعتراف بمنظمتنا، الذي سنرد عليه، فسيكون فرصة لأكثر المتفائلين من الشركاء الدوليين لموريتانيا ليعودوا إلى حقيقة الواقع المتمثلة في أن موريتانيا محكومة من طرف نظام أقلية غير ديمقراطية قائم على الخداع والتضليل ليعطي ما يشبه صورة دولة ديمقراطية، فيما هذه الديمقراطية الشكلية المتمردة أبدا على روح وفحوى دولة القانون، تحد بشكل واضح، في تطبيقاتها وسياجاتها ومحاذيرها، من أفكار وأعمال كل المنظمات السياسية والمدنية ذات الطابع التقدمي.

لا نوفيل اكسبرسيون: نظمت مبادرة المقاومة من أجل الانعتاق، يوم الخميس 3 يونيو 2010، أمسية فنية في ملعب السبخة. وقد تحدثت الصحف التي تناولت الموضوع عن عودة إلى الحكمة من طرف المنظمة، فماذا ترون؟

بيرام ولد الداه ولد اعبيد: في إطار مخطط عمل اللجنة الثقافية للمبادرة، أعطيت الأولوية لضرورة أن تعمل المبادرة لصالح الطبقات الاجتماعية والمكونات العرقية والاجتماعية المحرومة من الإذاعة والتلفزة الموريتانية، ولفنانيها المقصيين من طرف وزارة الثقافة من النشاطات والتشجيعات المادية لهذا القطاع. هذه السياسية الطائفية التي تـُعـَـرّي ثقافة وفن المجموعة العربية البربرية، بموازاة مع استبسال رسمي يهدف إلى جعل ثقافات وفناني المجموعات الأخرى حبيسة، وفي خفاء تام، جزء من المخطط العام الذي يحاول، منذ ميلاد موريتانيا، بسط سيطرة أقلية على الآخرين. هذا المنحى لم يمنع من شل المثقفين والفنانين القلائل المنحدرين من أصول عربية-بربرية والذين امتلكوا القدرة على تقديم آراء إصلاحية شيئا ما. لقد مدت مبادرتنا اليد لكل هؤلاء المهمشين. وهي تبادر معهم إلى عمل يهدف إلى تطوير الفنون والثقافات لصالح المواطنة، ومن أجل اكتشاف وإبراز بعض المواهب التي بدورها (من خلال المسرح، الموسيقى، الشعر والرسم) ستكون في خدمة قضية المواطنة: أي قضية مبادرة المقاومة من أجل الانعتاق.

وخلال هذه الأمسية التي لم أحضرها، ألقى رئيس اللجنة الإعلامية، محمد فال ولد سيدي ميله، خطابا تناولته بعض الصحف والمواقع، ولم أر فيه تغييرا لموقف أو توجهات المنظمة، تماما كما لا أرى أن الحكمة تنقص المبادرة أصلا لكي تكون بحاجة إلى العودة إليها. فالمبادرة هي هي دائما. إننا نسمي الأشياء بأسمائها عكسا للآخرين. فبالنسبة لنا يوجد في موريتانيا عرب وبربر حتى ولو أصبحوا يشكلون الآن مجموعة واحدة على حساب ثقافة وتاريخ المجموعة الأكثر عددا من بينهما: أي البربر. وبالنسبة لنا فالحراطين يمثلون على الأقل أكثر من نصف العدد الإجمالي لسكان موريتانيا. وهم ليسوا عربا. وروابطهم مع المجموعات العربية البربرية ليست إلا روابط رق وتبعية مماثلة تماما للرق.

إننا نعتبر أن المجتمع والدولة الموريتانية مبنيان على أيديولوجية ونظام حكم عنصري واسترقاقي. كما نعتبر أن السلطات العمومية، التي هي في الحقيقة سلطات أثنية، ضمنت وتضمن، منذ ميلاد هذه الدولة، التسيب ومنع القانون من ملاحقة كل الجرائم والمخالفات العنصرية والاسترقاقية التي يقترفها أو يمكن أن يقترفها أي عربي- بربري ضد زنجي أو حرطاني. وإننا نعتبر أيضا أن النسخة المحلية والرسمية من التشريع المالكي شاذة لأنها تـُـقـَـوْنـِـنُ الرق والدونية الاجتماعية. والعلماء، الذين يجسدون الاسلام وطنيا، مرتشون بمسمع ومرأى الجميع، ولم يشجبوا أبدا – عبر ذاكرة موريتانيا- (لا بأسمائهم الشخصية ولا باسم الدين الذي يتشدقون بتمثيله) أي ظلم يمارس أو مورس على المجموعات الأكثر خنوعا.

هذا هو موقفنا الدائم الذي نعتبره حكيما جدا لأنه مبني عل تحليل موضوعي وغير مجامل لبعض الحقائق التي يجب بلا ريب مهاجمتها في الصميم بغية إيجاد حل قبل فوات الأوان. فالحكمة ليست الدوران على الذات وإغماض العينين. والذين يعتقدون أنهم أنجزوا شيئا أو أنهم سينجزونه لأن النظام قام بدمجهم أو باركهم فإنهم واهمون. فالكفاح الحقيقي لا يتمثل في البحث عن شهادة حسن سلوك من طرف المجموعات المهيمنة سواء كانت في الأغلبية أو في ما تدعونه المعارضة.

لا نوفيل اكسبرسيون: على ذكر العلماء، فنحن نتذكر شجب المرحوم الإمام بداه ولد بوصيري لما جرى من تقتيل سنة 89، بينما في الوقت الراهن يجعل قادتنا الدينيون من المشكلة الفلسطينية مشكلتهم الخاصة.. ماذا تقولون في هذا المنحى؟

بيرام ولد الداه ولد اعبيد: أنتم من يؤكد أن الإمام بداه شجب مذابح السود في نواكشوط. ما حصل في علمي أن المذابح تتابعت بعد 89 وامتدت إلى الثكنات وفي مدن وقرى الضفة. ولم نر أبدا هذا الإمام أو غيره من الأئمة يقف ضد هذه الظاهرة. لكن هذا الإمام الفقيد تربى كاسترقاقي، وفي مجتمع يمارس الرق، ولم يشجب أي شيء من قبيل هذا الجرم الخسيس. وعكسا لذلك تدخل، قبل سنة من وفاته، لدى قضاة محكمة نواكشوط لمساعدة أحد أقربائه لينتزع غصبا منزل حرطانية طاعنة في السن. وإن ضحايا بداه هؤلاء موجودون، وهم يطالبون حتى الآن بحقهم المغتصب بمعية هذا الإمام. يمكنني أن أساعدكم في اللقاء بهم. لكن أريد أيضا أن أشير هنا إلى أن العناصر المفترض فيها أنها تقدمية من ضمن المجموعة العربية-البربرية، خاصة اليساريين والاسلاميين، لديهم مواقف لا بأس بها ضد عنصرية الدولة. إنهم يركضون وراء صورة ذات بعد دولي، لكن إذا تعلق الأمر بالعبودية فهم أصحاب أيديولوجية الإنكار وأهم مفكري الحرب السياسية والإعلامية المناهضة للإنعتاق.

يمكن أن نقدم كمثال على ذلك: الرئيس السابق سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، إسلمو ولد عبد القادر، المحامي محمدن ولد إشدو، وكل السلفيين الذي يتظاهرون بأنهم إصلاحيون باستثناء أحمد ولد وديعه وجميل ولد منصور. وأشير هنا إلى أن النضال من أجل حقوق الإنسان كل لا يتجزأ؛ فلا يمكن أن نجابه العنصرية هنا ونكون مع العبودية هناك، ثم نسعى للاعتراف بنا كمدافعين عن حقوق الإنسان. لهذا فإن المفارقة تكمن في كون المحاميـّيْن محمدن ولد إشدو ويربه ولد أحمد صالح يتم ذكرهما دائما في الصحافة هنا على أنهما مدافعين عن حقوق الإنسان، فيما يرزح ضحايا العبودية والممارسات الشبيهة، في سبخة الجل وبلدية لكصيبه2، تحت وطأة هذين الرجلين منذ سنوات. هذان الرجلان لم يتوقفا أبدا عن التلاعب بالقضاة وانتهاز فرصة ضعف آغزازير والحراطين المزارعين بلكصيبه2 ليرغماهم، بقوة القانون، على إتاوات ذات طابع استرقاقي لصالح إقطاعية أهل همد (من كنته) ومتسلط آخر، في الجنوب، هو يعقوب ولد موسى ولد الشيخ سيديا.

أما ما تحدثتم عنه من اندفاع العلماء الموريتانيين لصالح فلسطين، فإنني أقول لهؤلاء إن عليهم أن يندفعوا أولا لصالحهم هم أنفسهم. إن عليهم بوصفهم متدينين أن تكون لهم كرامة أكثر وقلق على وضعية الناس الأكثر احتقارا. ويجب أن لا ينافسوا المحمومين بالتسكع في أروقة الأمراء. إن على هؤلاء، كي يمثلوا المسلم المخلص، أن يقفوا أولا ضد العبودية والعنصرية: وهما الظاهرتان اللتان يمتلك العلماء فيهما أكبر الأسهم؛ خاصة بالنسبة للعبودية. فلماذا لا يدافعون عن الحراطين بخصوص العبودية والممارسات الشبيهة؟ وماذا فعلوا أو يفعلون لأجل ضحايا الزنوج الموريتانيين؟ وماذا فعلوا ضد التطهير العرقي لشعب دارفور؟ أم هل أن إسلامهم هم جاء للدفاع عن العرب؟ وهل يمكن أن نستنتج من مواقفهم غير المساندة لقضية الحراطين، وكذلك مواقف القوميين العرب، أن الحراطين ليسوا عربا؟ إذن الحراطين والزنوج يوجدون في نفس المقصورة مع الأكراد وأهل دارفور؟.. مهما يكن فأنا أعرف أن علماءكم سيقولون عكس ما يقولون اليوم عن فلسطين إذا قرر رئيس الدولة إعادة العلاقات مع إسرائيل؛ سوف يقلبون ظهر المجن تماما كما كانوا يفعلون في السابق تحت حكم ولد الطايع. وفي النهاية فإنني أطرح هذا السؤال: ما هو الفرق، في الإسلام، بين الاسترقاق، والعنصرية، والصهيونية؟

لا نوفيل أكسبرسيون: ألست من المعارضة أنت؟

بيرام ولد الداه ولد اعبيد: لكي أكون واضحا فمبادرة المقاومة من أجل الانعتاق منظمة غير سياسية حتى الآن. إذن ليست مرتبطة بأي حزب أو قطب أو كتلة أحزاب، وكل عضو فيها حر في التصويت للحزب الذي يختاره. لكن الوظائف القيادية في الأحزاب السياسية لا تتلاءم مع أية وظيفة قيادية أو تمثيلية في المبادرة. أما بالنسبة لي أنا فإنني أدعم سياسيا حزب التحالف الشعبي التقدمي الذي أعتبره التجمع السياسي الأكثر تقدمية وانسجاما وقربا من الموريتانيين بصفة عامة ومن الفئات المحرومة بصفة خاصة. لكن، من جهة أخرى، أعرف أن المعارضة والأغلبية ليستا، في آخر المطاف، إلا وجهان لنظام واحد؛ فباستثناء مسعود كل الفرقاء يتشابهون: أعلي ولد محمد فال، سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، أحمد ولد داداه، محمد ولد عبد العزيز... كل هؤلاء عملوا وما يزالون يعملون وسوف يعملون لتعزيز سيطرة الأقلية العربية-البربرية على باقي مجموعات الحراطين والزنوج الموريتانيين. هذا فيما أرى أن سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله يتميز عنهم ببعد أخلاقي أكيد. لكن، ورغم ما يحاول المتفائلون منا منحه، فإنه لم ينجز أي شيء للمجموعات المظلومة. وقانون العبودية الذي يفخر به كان بالإمكان أن يوضع تحت حكم أي رئيس ضمن المرشحين لرئاسيات 2007. وسيدي، بوصفه أحد الزوايا وعصارتهم النقية، مرر القانون بصفة كان معها لصالح الاسترقاقيين وحدهم، لأنه لم يقبل أبدا أن يطبق هذا القانون، بل تارة يشكل هو شخصيا العرقلة دون ذلك إذا تعلق الأمر بحالة عبودية. وبالنسبة له فإن هذا القانون لم يوضع للتطبيق وإنما للمزايدة مع المجتمع الدولي والمانحين، وقد نجح في ذلك.

لانوفيل اكسبرسيون: وماذا عن أحمد ولد داداه الرئيس الدوري لمنسقية المعارضة الديمقراطية في موريتانيا ورئيس أكبر حزب معارضة؟...

بيرام ولد الداه ولد اعبيد: المعارضة، المعارضة.. بالنسبة لنا المعارضة لا تتلخص في ذهاب عزيز، سيدي أو معاويه.. فمحنتنا وآلامنا بدأت قبل هؤلاء الرجال وتواصلت بعد سقوط الذين ذهبوا، وستتواصل بعد عزيز إذا واصلنا اتباع معارضة مثل التي يقودها أحمد ولد داداه.

أحمد ولد داداه والمعارضة نددوا في ظل حكم عزيز بوضعية سكان أحياء الصفيح المحولين، وبعدم شفافية اللجنة الوطنية للصفقات، وبدكتاتورية الجنرال.. كل هذه حقائق يجب ذكرها، لكن هناك حقائق لا تريد المعارضة عموما وأحمد ولد داداه بشكل خاص قولها. ففي ظل نظام عزيز هناك عنصرية الدولة من خلال الاكتتاب في الوظيفة العمومية وفي مختلف أسلاك الجيش، ومن خلال التعيينات، هناك أيضا التمييز ضد الحراطين في المحاكم وأمام الشرطة القضائية، هناك مصادرات عقارية ذات صبغة عنصرية واسترقاقية تمارسها الإدارة والعدالة ضد السود والحراطين، هناك محنة أرامل وأيتام عمليات القتل الخارج عن نطاق القانون والتي لا ينبس أحد في شأنها بكلمة، هناك ممارسات العبودية التي تشكل مادة إعلامية ذائعة ويراوغ بشأنها ويشوهها ولد عبد العزيز ونظامه من خلال ضمان عدم مساءلة الجلادين، هناك مدرسة لطلاب العسكر استأثرت بها إحدى طبقات المجموعة العربية البربرية كما لو كنا في العهد السحيق للابرتايد.

والمعارضة وأحمد ولد داداه لا يقبلون أبدا التنديد بهذه الجوانب من الظلم التي تعتبر بالنسبة لنا أخطر ألف مرة من الانقلاب على سيدي ومن تزوير الانتخابات ومن رفض تطبيق اتفاقية داكار. بالنسبة لي فالسود والحراطين غير معنيين بهذه المعارضة ما دامت تنتهج هذا الخط: يغطي عزيز على الفساد والفوضى فتنددون بذلك، ويغطي على ممارسي الرق، وتقوم حكومته بأعمال عنصرية، فلا تحركون ساكنا، ومع ذلك تريدون من ضحايا ما ترفضون شجبه أن يتبعوكم ليمكنوكم من إشباع طموحاتكم وحظوتكم الشخصية، أو أن يمكنوكم من إعادة القبلية والجهوية لمركز ثقل الحكم القابع بشكل خاص في الشجرة العربية-البربرية المهيمنة: هذا سخيف.

على كل حال مع أحمد ولد داداه سيكون حظ السود والحراطين سيئا لأن آمالهم ستـُـحبط مثلما لم تحبط من قبل. فمؤخرا حول سؤال وجهه صحفي لولد داداه عن موقف منسقية المعارضة من محاولات الإزعاج التي يستهدف بها نظام عزيز رئيس مبادرة المقاومة من أجل الانعتاق (بيرام ولد الداه ولد اعبيد) أجاب بأنه يجهل تماما هذا الشخص. بعد المؤتمر الصحفي أوعز إليه بعض مستشاريه بأن هذا الجواب لم يكن الأمثل. فقال هذا الرجل الذي يريد أن يقودنا بأن جوابه كان موجها لمسعود ولد بلخير الذي كان جالسا بجانبه خلال المؤتمر الصحفي، والذي سيكون، حسب ولد داداه، راض عن هذا الجواب السلبي والكاذب أكثر من أي جواب آخر. إن طريقة التفكير هذه وطريقة التصرف تعبر عن نذالة ودناءة غير مناسبين لمن يزعم البحث عن السلطة العليا.

إنه لمن واجب المكونات المظلومة في هذه الدولة أن تضحي لتقلب نظام الحكم الديني السلفي (التيوقراطي) والحكم العسكري للأقلية (الأوليغارشية) المُـشـَـخـْـصَـنــَــيْــن في ولد الددو وولد عبد العزيز، كما يجب أن تصر على سد الطريق أمام الخطر الوطني الذي يمثله أحمد ولد داداه.

لانوفيل اكسبرسيون: أنتم قاسون تجاه أحمد ولد داداه، لا تنسوا أنه خلال الانتخابات الرئاسية لسنة 2007، والتي اعتبرت ديمقراطية، تمكن من الوصول إلى الدور الثاني مع سيدي ولد الشيخ عبد الله...

بيرام ولد الداه ولد اعبيد: ماذا يفيدني التذكير بموقعه في انتخابات 2007؟.. فما أتذكره أساسا هو أنه لم يتخذ أبدا موقفا مفيدا لصالح موريتانيا أو من أجل الدفاع عن العدالة أو عن المواطنين الأضعف. وكل مواقفه معروفة عبر مشواره السياسي باعتبارها مواقف انتهازية. فكل المواقف والأعمال التي يقوم بها تتلاشى دائما أمام طموحاته غير المتناسقة لقيادة البلد وتعطشه النهم للحكم والهيبة، لكن الله لا يريد بنا إلا خيرا: لذلك أفشله باستمرار. وأعتقد أن أكبر أخطاء الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية هو تنسيقها مع أحمد ولد داداه،، وبموازاة مع ذلك كان عمل عزيز الأكثر تنويرا وصرامة في مجابهته للقوى المناهضة للانقلاب، هو إقصاؤه لأحمد ولد داداه.

لا نوفيل اكسرسيون: يقول الكثيرون انكم لم تتخذوا موقفا ضد الإعتداء الإسرائيلي على قافلة الحرية لفك الحصار عن غزه؟

بيرام ولد الداه ولد اعبيدي: من؟ من يقول هذا؟ إذا كانت تقوله حكومة فتح أو حكومة حماس فإنهما لم تساندا أبدا مجتمع الحراطين والسود في مآسيهم المتواصلة عبر استمرار العبودية وعنصرية الدولة في موريتانيا. إننا ضحايا وشهداء ومظلومون ممنوعون من الحرية والعدالة مثل الفلسطينيين. وفي موريتانيا فقد اختار الفلسطينيون علنا صف جلادينا، ومن هذا المنطلق ليس لهم أي حق في مطالبتنا بأي شيء. نحن، في وجداننا وضمائرنا، ضد الاعتداء الإسرائيلي على قافلة الحرية، ونحن نعارض الأعمال التي يقوم بها الجيش الاسرائيلي في فلسطين، لكننا في نفس الوقت نعارض الجرائم التي ترتكبها –دونما حسرة- الحكومات العربية والاسلامية في السودان وموريتانيا وإيران وليبيا والسعودية ومصر. إننا نعلن عاليا، وليكن ما يكون، أننا خارج هذا التضامن الطائفي الذي تنتظم فيه –للأسف- كل القوى السياسية والمدنية في موريتانيا. تلك القوى التي تجعل الأحزاب ونفس الأوساط ونفس الأشخاص الذين يشجبون إسرائيل ويتظاهرون ضد جرائمها، هم أنفسهم –وهذا مكمن المفارقة- الذين يتظاهرون لمساندة عمر حسن البشير ضد شعب دارفور المضطهد، وهم أنفسهم من ساندوا ويساندون الدكتاتوريين الدمويين من أمثال صدام حسين في العراق، ومعمر القذافي في ليبيا، ومحمد أحمدي نجاد في إيران، ومعاويه ولد سيد أحمد الطايع في موريتانيا. وهم أنفسهم المنظرون والمحرضون والمنفذون المتحمسون لمحاولة الإبادة الجماعية ضد زنوج موريتانيا.

هم أيضا من ما يزالون ينكرون بشدة جرائم محاولة هذه الإبادة الجماعية. وهم أنفسهم من يواصلون ممارسة العبودية والتمييز ضد الحراطين، وهم من يرعون الإفلات من العقاب وشهادة الزور لممارسي الرق في موريتانيا. ومن بين هؤلاء من يشتبه بهم في عمليات تعذيب واغتصاب واسترقاق. وكل هؤلاء بعيدون من أن يكونوا قد تابوا، وتريدون منا أن نتظاهر ونشجب جنبا إلى جنب معهم. هذا مستحيل.

يحيرني جدا أن موريتانيين، يزعمون أنهم تقدميون، قادة سود، من الناجين من المذابح والتطهير في هذا البلد، وقادة حراطين ما زال مجتمعهم يعيش جحيم العبودية، ومدافعين عن حقوق الإنسان، يتجرأون على الدعوة للتظاهر ضد الجرائم الاسرائيلية ومن أجل الفلسطينيين، دون أن يدعوا أولا إلى التظاهر ضد جرائم الدولة الموريتانية المقترفة في حق السود والحراطين. يجب أن يدعوا للتظاهر ضد نكران الوجود في الدولة الموريتانية ولدى الطبقة السياسية الموريتانية ورجال الدين الموريتانيين، ضد الممارسات الاسترقاقية التي يعلن عنها في كل يوم دون رادع في نواكشوط وغيرها. يجب أن نكـنس أمام أبوابنا أولا. هذه التظاهرات والتنديدات الانتقائية ليست جادة ولا تعنينا. هذه الأحزاب السياسية والشخصيات الموريتانية لا هـُـم مع العدالة ولا هم مع حقوق الإنسان. إنهم، بكل تشكيلاتهم، مع نازية عربية، ولسنا مرغمين على الاختيار بين هذه النازية والفاشية الاسرائيلية.

لا نوفيل أكسبرسيون: ألا ترون أن خطابكم عنيف، ويمكن أن يقود إلى أعمال عنف؟

بيرام ولد الداه ولد اعبيدي: هذا غير صحيح؛ فخطابي غير عنيف، لكنه خطاب فاصل، لا تلبيس فيه، وهو ينبع من صميم الأفكار التي وضعها النظام للحفاظ على المكتسبات والامتيازات غير المشروعة لأقلية على ظهر أغلبية ظلت ضحية لانتمائها الإثني أو مولدها. ليس لخطابنا من عنف سوى أنه يذكـّـر الذين يبنون هيبتهم وحكمهم وثروتهم من خراب ومجاعات أمثالهم. خطابنا لا يبدو عنيفا إلا لهؤلاء الذين يذكـّـرهم أنهم يجب أن يحسبوا حتما على القدر الذي سيعتق كل موازين القوة كالتي تعتمد عليها التوازنات الاجتماعية والعرقية في موريتانيا.

إنها صفارة إنذار يجب أن تساعد كل الأطراف للتبصر في الضرورة القصوى لجعل العلاقات الاجتماعية أخلاقية وإنسانية، كذا الأهمية الملحة لأسبقية القانون على غريزة العصبية الجاهلية.. بدلا من أن يبحث الكل في مبادرة المقاومة من اجل الانعتاق ورئيسها عن داع للعنف، فماذا تقولون عن ناس قتلوا وعذبوا واغتصبوا؟ ماذا تقولون عن هؤلاء الجلادين المعروفين من قبل الوكلاء الشرعيين للضحايا والناجين، والذين ما يزالون يتمتعون بأرفع الامتيازات الاجتماعية والوظائف العليا في الدولة والتشريف الممنوح في حق المنتخبين. مثلهم مثل مرتكبي أعمال العنف سنوات 90-91، وأعمال العنف التي جرت يوم 8 يونيو 2003، ومثل الذين يقوم النظام حاليا بتبييضهم بعد مذابح لمغيطي والغلاويه وتورين بينما يستمرون في فعلتهم ويوقعون (وهو ما لم يمنع المفتي الجديد للدولة من تبرئتهم مفندا علنا عمل القضاة). أولئك القضاة الذي استـُـصغروا على شاكلة الطبقة السياسية والذين يتهمون دوما مبادرتنا بالعنف. وإن أي أحد لم يستطع التصدي لولد الددو والرد عليه. إذن بدلا من الانشغال بعنف مفترض يمكننا أن نتبناه مستقبلا، كونوا منطقيين أولا مع الذين اقترفوا العنف. لكن ستقولون لي إنكم ستكافئونهم كما تمت مكافأة الذين قاموا بمذابح ضد العساكر والمدنيين الزنوج سنوات 90-91 وأولئك الذين دبروا أحداث 8 يونيو 2003.

لا نوفيل اكسبرسيون: إن رجالا عظماء ناضلوا قبلكم وقبل عهدكم هذا، وانتصروا في كفاحات مشابهة لكفاحاتكم، قد اعتمدوا النضال السلمي عبر الكلمة والعمل غير العنيفين، أليس من الأجدى لكم أن تتخذوهم مثالا؟

بيرام ولد الداه ولد اعبيد: أعتقد أنني أجبت على جزء من هذا السؤال، لكنني أنتهز الفرصة لأوضح مسألة للكثيرين من منتقدينا الذين من خلال حججهم الخاطئة يحاولون جعل نيلسون مانديلا مثالا للكفاح غير العنيف. هنا وبدون أن أنكر قـيّـم السّـلم التي أتبناها، أوضح أن نيلسون مانديلا وحركته (المؤتمر الوطني الإفريقي) قاموا بالكفاح المسلح ضد نظام لابرتايد. وخلال كل الفترة التي قضاها هذا القائد الإفريقي في السجن كانت سلطات ابريتوريا تقترح عليه صفقة تتمثل في رفض الكفاح المسلح الذي يقوم به "رمح الأمة" (الجناح المسلح من المؤتمر الوطني الإفريقي) مقابل سعة ما. لكن مانديلا رفض بتاتا هذه الصفقة إلى أن استسلم نظام لابارتيد.


عودة للصفحة الرئيسية