أين كانت وطنية "الحراك"؟ المستهلك: عودة قوية للذبح العشوائي في وقفة المولد مبارك وزمانه مـن المنصة إلى الميدان (الحلقة الأولى) مشاهدات من واقع ولاية إينشيري جميل منصور: اعتقال بيران انتهاك سافر لحرية التعبير الحزب الحاكم: منسقية المعارضة تقف وراء احتجاجات طلاب الجامعة "إيرا" تندد باعتقال وان بيران اعتقال منسق حركة "لا تلمس جنسيتي" الاضطرابات في مالي: ما سر اتهام موريتانيا بإذكاء الحرب؟ "المهني للتعليم العالي" يدعو لمتابعة مثيري الشغب في الجامعة

محفوظ ولد بتاح: "اعل ولد محمد فال لديه رؤية واضحة للمشروع الديمقراطي الذي يريد تطبيقه"

الثلثاء 29 حزيران (يونيو) 2010

رئيس حزب اللقاء الديمقراطي الوطني

قال رئيس حزب اللقاء الديمقراطي الوطني، المؤسس حديثا، الأستاذ محفوظ ولد بتاح إن حزبه يتبني حصيلة الفترة الانتقالية الأولي التي قادها رئيس الدولة اعل ولد محمد فال مبررا ذلك بكونها "كانت فترة من العطاء والإنجازات شملت كل المجالات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية لم يسبق لها مثيل في تاريخنا الحديث، فليس هناك أي موريتاني صاف النية من الأغراض السياسية الذاتية إلا ويشهد بانجازات تلك المرحلة ويفتخر بالوجه المشرق الذي أعطته لبلادنا في كافة أرجاء العالم، فقد كانت فعلا عهدا متميزا التقت فيه إرادة قادة البلد وطموحات شعبه وبرهن فيه الشعب الموريتاني على استحقاقه للخيار الديمقراطي وقدرته على تجسيده بكل جدارة ونضج".

وشدد ولد بتاح، علي أنه لا جدوى من أي حوار بين النظام والمعارضة لا يحيط بنواقص الديمقراطية في البلد ويحترم اتفاق دكار ويتناول تحديد مكانة الجيش داخل مؤسسات الدولة وضرورة أن يبقى جيشا جمهوريا ينصاع لحكومة مدنية شرعية. وحول علاقة حزبهم بالرئيس الأسبق اعل ولد محمد فال الرئيس وصفه ولد بتاح بأنه من "أبرز الشخصيات المرجعية في هذا البلد، قاد المرحلة الانتقالية 2005-2007 بكل جدارة وبرهن على أنه رجل دولة، فالمرحلة التي قضاها في السلطة اتضح أن لديه رؤية سياسية واضحة للمشروع الديمقراطي الذي كان يتبناه ويريد تطبيقه على أرض الواقع في البلد".

تصريحات نقيب المحامين السابق ووزير العدل في حكومة ولد محمد فال ورئيس حزب اللقاء الديمقراطي الوطني جاءت ضمكن مقابلة شاملة مع جريدة "الرأي المستنير" ستنشرها في عددها الخامس بعد أيام، وقد حصلت "أقلام" من الزميلة "الرأي المستنير" علي ترخيصها بالنشر الالكتروني لهذه المقابلة.

الرأي المستنير : أخيرا أودعتم ملف الترخيص لحزب اللقاء الديمقراطي الوطني كيف تنوون أن يكون الفعل معبرا عن المسمى؟

الأستاذ محفوظ ولد بتاح: أشكركم بداية على هذه الفرصة التي لي لمخاطبة قرائحكم حول تأسيس وأهداف حزب اللقاء الديمقراطي الوطني.

أما بالنسبة لسؤالكم، فسنسعى جادين كما تقولون –إن شاء الله- أن يكون الفعل معبرا عن المسمى فنحن نطمح إلي أن نقنع الموريتانيين بضرورة اللقاء حول الخيار الديمقراطي لنبني على أساسه وطننا ولذلك كان اختيارنا لتسمية الحزب ب: اللقاء الديمقراطي الوطني تعبيرا عن هذا الهدف.

أما بخصوص الترخيص للحزب فليست الأحزاب أصلا بحاجة إلى ترخيص. ذلك أن الأحزاب السياسية في بلدنا محكومة بنظام التصريح الذي لا يتطلب غير إيداع ملف مكتمل مصحوب بالتصريح المذكور وهو رسالة موجهة للوزير المكلف بالداخلية، تفيد بإنشاء الحزب. عندها يتمتع الحزب مباشرة بالشخصية الاعتبارية حسب نص المادة 15 من القانون رقم: 024-91 المتعلق بالأحزاب السياسية في موريتانيا. فما قمنا به نحن هو التصريح ولسنا بحاجة إلى الترخيص.

لقد حرصت على توضيح هذه النقطة لأن الإدارة حاولت أن تمنعنا في بداية نشاطنا بحجة عدم الترخيص لنا فواجهناها بالرفض، متمسكين بمقتضيات القانون الصريحة والواضحة، مقتنعين بأن الحريات أو الحقوق يجب أن يتمسك بها أصحابها حتى لا تسحبها السلطات غير المقتنعة أصلا بضرورة ممارستها.

الرأي المستنير: أين يتموقع حزبكم؟ وهل تتبنون حصيلة المرحلة الانتقالية الأولى؟

الأستاذ محفوظ ولد بتاح : نحن كما سبق أن عبرنا عن ذلك في عدة مناسبات، موقع حزبنا في المعارضة. وقد انتمينا إليها قبل ميلاد الحزب رسميا، واحتضنتنا منسقيتها مشكورة على الثقة التي منحتنا، في أول وهلة. فانتماؤنا إلى المعارضة جاء بعد أن اقتنعنا بضرورة الخروج عن الصمت نظرا للمخاطر المحدقة بالبلد، نتيجة تفاقم الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية التي لم يعد السكوت عليها مقبولا.

أما بخصوص الشطر الثاني من سؤالكم المتعلق بتبنينا لحصيلة المرحلة الانتقالية فجوابنا طبعا بنعم، كيف لا وقد كانت فترة من العطاء والإنجازات شملت كل المجالات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية لم يسبق لها مثيل في تاريخنا الحديث، فليس هناك أي موريتاني صاف النية من الأغراض السياسية الذاتية إلا ويشهد بانجازات تلك المرحلة ويفتخر بالوجه المشرق الذي أعطته لبلادنا في كافة أرجاء العالم، فقد كانت فعلا عهدا متميزا التقت فيه إرادة قادة البلد وطموحات شعبه وبرهن فيه الشعب الموريتاني على استحقاقه للخيار الديمقراطي وقدرته على تجسيده بكل جدارة ونضج.

فأسقطت كل النظريات التي بررت الاستبداد والتي تمسكت بها النخب للحفاظ على امتيازاتها وتكريس هيمنتها على الشأن العام، مبعدة بذلك الشعب الموريتاني عن صياغة حاضر بلده ومستقبله ومستأثرة بمقدراته.

فكيف لا نتبنى حصيلة مرحلة خبرناها من الداخل واطلعنا على أسلوب تسييرها الجماعي الناجع والثقة الممنوحة للمشاركين في فريقها، بعيدا عن أساليب التسلط وحكم الفرد، التي مورست على الشعب الموريتاني طويلا وأكثر من مرة.

إنني أدرك مع ذلك أن سؤالكم هذا ما كان ليطرح لولا الحملات الشنيعة التي انطلقت من أول يوم بعد نهاية المرحلة الانتقالية، وذلك من طرف أعداء الديمقراطية والمستخفين بالشعب الموريتاني الذين أدركوا أنهم إذا لم يأخذوا بمعول التهديم لحصيلة تلك المرحلة منذ الوهلة الأولى، فإنه سيصعب عليهم مواجهتها مستقبلا.

الرأي المستنير : كيف تقيمون أوضاع البلاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية؟

الأستاذ محفوظ ولد بتاح : هي كما ترونها ويراها الجميع أوضاع مزرية بكل المقاييس، فعلى المستوى السياسي هناك أزمة خانقة تكاد تعصف بمستقبل البلد، جاءت وليدة انقلاب 6 أغشت 2008 ولم تفلح انتخابات 18 يوليو 2009 في تجاوزها. هذه الأزمة تتجسد في أن الحكام الجدد بعد أن أطاحوا بالمؤسسات الديمقراطية التي بنيت في الفترة الانتقالية، أعادوا إنتاج الاستبداد بما يميزه من حكم فردي وخنق للحريات وملاحقة للخصوم السياسيين وتهميشهم وممارسة الزبونية السياسية وإقصاء كل من لم يرض بذلك والاستهتار بكافة مؤسسات الدولة وقوانينها وتكريس ما وصفه مونتسكيو بأنه ميزة للأنظمة الاستبدادية وهو «بعث الخوف في قلوب الناس، حتى يضمن الحاكم سكينة القبور»، كما أعاد النظام القائم تجربة «حزب الدولة» الذي تجاوز منتسبوه الملايين –حسب البعض- وما يزيد على 53 في المائة من اللائحة الانتخابية حسب نائب رئيس حزب الدولة خلال حديث له في التلفزة الوطنية، وهو البرهان الساطع على إنفاذ مبدأ الخوف في نفوس الشعب الموريتاني لتسهيل عسكرتهم وانقيادهم لإملاآت السلطة.

أما على المستوى الاقتصادي فلو تفحصنا أوضاع البلد اليوم للاحظنا وجود كثير من الاختلالات؛ فالدولة مفلسة اليوم تمام الإفلاس، ويتضح ذلك في عجزها عن الوفاء بالتزاماتها، وفي انهيار كافة قطاعاتها الاقتصادية والتجارية والصناعية والخدمية، كما يتجلى في فشل كافة السياسات الارتجالية المتبعة في مجال الصحة والتعليم والتشغيل.

وكنتيجة لذلك استفحلت البطالة وكثرت الاحتجاجات، وما ثورة الحمالين الأخيرة منا ببعيد، والأدهى من ذلك والأمر هو هجرة العقول وهروب الشباب للخارج بحثا عن لقمة عيش كريمة.

كما أنه من نتائج الوضع الاقتصادي المتأزم: تهيب الفاعلين الاقتصاديين وتوجههم نحو المشاريع آنية النفع بدل المشاريع الاستثمارية المنفذة على المدى الطويل.

فهذه الأزمة الاقتصادية أنتجت كذلك أوضاعا لا تطاق، بفعل ارتفاع الأسعار وخصوصا المواد الأساسية التي تضاعفت أسعارها، وهو ما شكل عبئا على كافة فئات الشعب عمالا وموظفين وأصحاب مهن حرة، فبالأحرى أولئك الذين لم يكن لهم دخل ثابت وهم غالبية الشعب الموريتاني.

وكخلاصة، فإن أوضاع البلاد اليوم تعتبر كارثية وتعكس إخفاق السياسات المنتهجة -إن وجدت- بفعل غياب الرؤية الواضحة لطرق الخروج من هذه الأزمة. فالنظام هو من أنتج هذه الأزمات وهو عاجز عن إيجاد حلول لها.

الرأي المستنير : ما هو برنامجكم للخروج من الأزمة الحالية؟

الأستاذ محفوظ ولد بتاح : عن أي أزمة تتكلمون.. الأزمة الحالية التي أوضحنا ملامحها وظلالها القاتمة فيما سبق، فهذه أزمة النظام الحالي، لذا يجب أن يوجه إليه هذا السؤال مع أن استمرار عجزه عن حل هذه الأزمات قد يبقيه أخرس عاجزا عن الإجابة.

وما دام هذا السؤال قد وجه إلينا فإن معرفة الأسباب معينة على التأويل كما يقال، وهنا يجب التذكير بأن الأزمات التي تعيشها موريتانيا اليوم هي كما ذكرنا آنفا نتيجة لانقلاب 6 أغشت 2008 فهذا الانقلاب جاء بعد مرحلة انتقالية جلبت إلى بلادنا كثيرا من الاحترام واهتمام الجميع، وهو ما أدى إلى إقبال العالم عليها. فقد توجه إليها سياسيون واقتصاديون حيث سعى السياسيون إلى التنويه بالتجربة والاستفادة منها في حين رأى الاقتصاديون في الظروف الجديدة مناخا يعول عليه في مجال جدوائية الاستثمارات.

إلا أن الانقلاب أرجع موريتانيا إلى المربع الأول حيث فقدت مصداقيتها ورونقها. فتراجع المستثمرون. مثل السعوديون والقطريون من مشروع «العوج» لتكرير الحديد، وهو المشروع الذي كان يعول عليه لتشغيل آلاف الموريتانيين، كما يذكر احتمال انسحاب البنك الفرنسي BNP وهو ثاني بنك في العالم....إلخ ينضاف إلى ذلك حملات هذا النظام على رجال الأعمال الوطنيين، حيث لاحق بعضهم وأرغمهم على الاعتراف بما لم يقترفوه.

فالحل الحقيقي يكمن في إعادة بناء النظام الديمقراطي واسترجاع ثقة الممولين والمستثمرين وشركائنا في التنمية وبعث الثقة في نفوس الفاعلين الاقتصاديين الوطنيين لأن الحصول على الاستثمارات والانشغال بالإنتاج يستحيلان بدون إجماع وطني في غياب شرعية حاكمة تحظى بثقة الجميع.

الرأي المستنير: هل جئتم لتزودوا كم أحزاب المعارضة أم جئتم لتفعيل نوعها؟

الأستاذ محفوظ ولد بتاح: ليس هدفنا أن نزيد كم أحزاب المعارضة. بل حرصنا على إيجاد شكل من أشكال العمل السياسي المشترك مع أحزاب سياسية قائمة قبلنا، فاستجاب بعضها لمبدأ إنشاء حزب سياسي جديد مشترك وتم التفاوض مع «عادل» و«البديل» و«تجمع الشعب الموريتاني» ومجموعة من الأطر تدعى «مجموعة لمرابط ولد بناهي» فلم يكتب لهذا المشروع الموحد أن يرى النور، نظرا لأسباب يطول الحديث عن ذكرها.

فنحن انضممنا لأحزاب المعارضة لأن هذا هو توجهنا. ونظرا لرسوخ تواجدها في هذا الموقع فهي لا تحتاج الدروس من أحد، أما نحن فطموحنا هو مشاركتها في تحمل الواجب الوطني، ونرجوا أن نشكل لبنة تقوي الصف الرافض للهوان والاستكانة والتسليم بالواقع المرير المريض الذي يعيشه البلد، ونحن واثقون في النهاية أن قوى الأمل ستتغلب على قوى اليأس.

الرأي المستنير: هناك ثنائية استقطابية خانقة بين قطبي الموالاة والمعارضة ما هي وصفتكم السحرية لخلق واقع سياسي جديد متعدد الأقطاب؟

الأستاذ محفوظ ولد بتاح : من منطق الأشياء أن يكون هناك قطب موالي للسلطة وقطب معارض لها. أما بالنسبة للإستقطاب الخانق الحالي -كما وصفتموه- فلكم أن تتساءلوا عمن المسئول عنه؟ إنه النظام الذي يرفض علنا أمام الملأ احترام الاتفاق الذي وقع في دكار وهو الاتفاق الذي منحه الشرعية، فهو يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعضه. يهاجم المعارضة وينفي وجودها، وهذا أمر لا يستغرب عليه، نظرا لطبيعته ولعدم تحمله لأي صوت «نشاز».

فالأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية هي من الخطورة بحيث لا تسمح للقوى السياسية بالتفرج. فالمؤيدون للسلطة ليس لديهم خيار للخروج من عباءة السلطة. أما المعارضون فالأزمة تملي عليهم أن لا خيار سوى رفض هذا الواقع. أما تعدد الأقطاب فلا أرى أنه خيار وارد، اللهم إلا إذا كان ذلك من أجل زيادة الأحزاب، أما بالنسبة للأزمات المطروحة فليست لدى أحد عصا سحرية لحلها، وإذا كانت لدي فلن أسخرها إلا لتقوية صف المعارضة وتوحيدها واستقطاب المؤيدين الجدد لها وليس البحث عن صيغة تؤدي إلى تعدد في الأقطاب تحت أي ذريعة أخرى مهما كانت.

الرأي المستنير: ما علاقتكم بالرئيس السابق أعل ولد محمد فال؟

الأستاذ محفوظ ولد بتاح: الرئيس أعل ولد محمد فال من أبرز الشخصيات المرجعية في هذا البلد، قاد المرحلة الانتقالية 2005-2007 بكل جدارة وبرهن على أنه رجل دولة، فالمرحلة التي قضاها في السلطة اتضح أن لديه رؤية سياسية واضحة للمشروع الديمقراطي الذي كان يتبناه ويريد تطبيقه على أرض الواقع في البلد. واستطاع في إطار من الإجماع الوطني وبحكمة فائقة وعزيمة قوية بناء مؤسسات ديمقراطية حقيقية والقيام بإصلاحات جوهرية كبيرة على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقضائية والقانونية لم يسبق لأي حكومة أن قامت بها. توج ذلك بقراره التاريخي الشجاع بالتخلي عن السلطة بمحض إرادته وتسليمها لرئيس منتخب. فمعايشتنا له طيلة المرحلة الانتقالية تجعلنا متأثرين حاضرا ومستقبلا بخصاله كرجل دولة وبطومحه الكبير لرقي البلد.

الرأي المستنير: هل تتطلعون إلى حوار مع الأغلبية وما هي من وجهة نظركم متطلبات نجاح الحوار الوطني بين الفرقاء السياسيين؟

الأستاذ محفوظ ولد بتاح: نحن ندرك إيجابيات الحوار. فمنسقية المعارضة التي نحن جزء منها عبرت منذ نهاية الانتخابات الرئاسية الماضية عن استعدادها للحوار مع السلطة، وطالبت بإلحاح، فلم تجد من الطرف الآخر إلا الرفض والتجاهل والتهكم بأن المعارضة لا يهمها سوى اقتسام السلطة. فقد اضطرت إثر ذلك إلى التخلي عن هذا المطلب نظرا لغياب الشريك.

أما بالنسبة للحوار فلا بد من الاستعداد والصدق واقتناع الشريكين بضرورته ولا بد من تحديد آلياته وموضوعه، فنحن نرى أن أي حوار لا يحيط بنواقص الديمقراطية في البلد ويحترم اتفاق دكار ويتناول تحديد مكانة الجيش داخل مؤسسات الدولة وضرورة أن يبقى جيشا جمهوريا ينصاع لحكومة مدنية شرعية لا يعالج هذه النقاط فلا جدوى منه.

الرأي المستنير: ما هو منحاكم الإيديولوجي وما هي أبرز معالم برنامجكم السياسي؟ وماذا يميزكم عن الأحزاب الأخرى؟

محفوظ ولد بتاح : إن الإيديولوجيات التي كانت تؤطر العالم إن لم نقل أفلست فقد تراجعت تراجعا كبيرا، خاصة منها تلك التي كانت تؤسس للأنظمة الشمولية، فعندما نستقرئ التاريخ السياسي الحديث لعالمنا فلا بد أن نعترف بقدرة النظام الديمقراطي على الصمود والبقاء والتجدد وذلك بسبب توفره على آليات تشعر كل فرد بأنه يجسد إرادته، في حين تكرس الأنظمة الشمولية سيطرة دكتاتوريات لطبقات معينة. فهذا النظام الديمقراطي الذي عندما ننظر إلى خارطة العالم سندرك أنه انتصر على جميع الأنظمة الشمولية. فأروبا الشرقية وإلى نهاية الثمانينيات كانت تحكمها أنظمة شمولية تحولت لاحقا إلى أنظمة ديمقراطية وكذلك أمريكا الجنوبية كانت تحكمها دكتاتوريات عسكرية أضحت ديمقراطية، كما أن آسيا باستثناء الصين ودول المشرق العربي قد تحولت إلى أنظمة ديمقراطية وبها أكبر ديمقراطية في العالم «الهند». وفي إفريقيا نلاحظ تناوب سلميا على السلطة في عدة بلدان إفريقية كالسينغال و مالي مثلا، فهذا المد الديمقراطي يبدوا أن لا مناص منه فالسباحة ضد التيار التي تقوم بها الأنظمة الاستبدادية العربية لن تحول دون أن تحكم الشعوب وفقا للأسلوب الديمقراطي.

فتطلع الشعوب العربية إلى الديمقراطية لن تثنيه دعاية البعض بأن الديمقراطية منتوج غربي لا يصلح لنا فعندما يأتي هذا القول من الغربيين فهو عنصرية ويشكل نظرة دونية للشعوب الأخرى خاصة الشعوب العربية. أما إذا كان مصدره داخلي فهو دفاع عن الأنظمة القائمة وعين النخب الحاكمة فالديمقراطية ليست منتوجا غربيا محض وإنما هي نتيجة عطاآت للبشرية جمعاء.

أما نحن العرب والمسلمون فلدينا ما يؤسس للديمقراطية في حضارتنا الإسلامية، فالديمقراطية مبنية على مبدأين شرعية الأنظمة السياسية المستمدة من خلال الإنتخابات، والمبدأ الآخر هو احترام حقوق الإنسان، فالأول يجسد مبدأ الشورى باتفاق الفقهاء العصريين والثاني يجسد مبدأ تكريم الإنسان «ولقد كرمنا بني آدم، الآية....».

فالديمقراطية إذن ليست غريبة علينا، ومادمنا نحن الموريتانيين قد جربنا الاستبداد بأشكاله وخلصنا إلى أنه لا يسعد الإنسان ولا يحقق التنمية، فإننا في حزب اللقاء الديمقراطي الوطني قد بنينا مشروعنا على النموذج الديمقراطي، حيث نعتبر أنه مطلبا سياسيا وأمنيا وإنسانيا وكذلك مطلبا اقتصاديا من أجل التنمية.

وفي الأخير فإنني أريد أن أوضح أن تشبثنا بالديمقراطية لا يعني أننا ديمقراطويون، فنحن لا نعتبرها عقيدة ولا نرى فيها حلا سحريا ولا نعتبرها ثمرة برسم القطف، تشكل دواء لكل علة في مجتمعنا، فهي بالنسبة لنا وسيلة لتدبير الشأن العام، تمكن الشعب الموريتاني من المشاركة في تحديد صياغة حاضر ومستقبل بلده، فهي كما قال «تشرشل» : الأقل سوءا من الأنظمة السياسية.

أما بخصوص ما يميزنا عن الأحزاب الأخرى، فإنني أقول بأنه نظرا لإفلاس الإيديولوجيات فإنه يصعب الآن التميز بين أحزاب اليمين وأحزاب اليسار بفعل طغيان مستوى من الوسطية اليمينية والوسطية اليسارية، هذا إذا استثنينا الأحزاب اليمينية المتطرفة المبنية على العنصرية وإلغاء الآخر.

فنحن في موريتانيا نلاحظ أن الخيط الفاصل بين القوى الرافضة للحديث السياسي وبناء الديمقراطية ومشاركة المواطن واحترام حقوق الإنسان والقوى المتطلعة إلى بناء دولة المؤسسات ودولة القانون والدولة الحاضنة للتعدد الثقافي للبلد، والتي ترى في الإنسان أداة وغاية وهدفا للعمل التنموي.

فنحن في منطلقاتنا ننتمي إلى هذا الفريق الأخير ونطمح إلى أن يكون حزبنا حزبا مؤسسيا وليس حزبا لفرد، لذا نفكر في إحداث أنماط جديدة لقيادة الأحزاب، تجسد القرار الجماعي وتكرس مبدأ التناوب.

ومن ناحية أخرى فإنه بالرغم من هيمنة الوسطية على العالم فنحن نرى أنه بإمكاننا تقديم خطاب متميز وأفكار جديدة، تثري الساحة الوطنية وتفعل الحوار السياسي.

فمشروعنا المجتمعي الذي نقترح على الشعب الموريتاني نريده مشروعا قادرا على تلبية الطموحات الشرعية لشعبنا في أن يتحرر من قبضة أولئك الذين يخدعونه لإرادتهم باسم الجيش الوطني، لكي يسترد كرامته ويضمن لنفسه الاستقرار والأمن والازدهار.

هذا المشروع بنيناه على أساس المطلب الديمقراطي لأننا نعتبر أنه بعد انقضاء نصف قرن على استقلال البلاد فإن توطيد الوحدة الوطنية والمشاركة السياسية للمواطنين وممارسة الحريات الفردية والجماعية ونجاح السياسات الاقتصادية والاجتماعية رهانات لم تكسب بعد نصف قرن على الاستقلال الوطني نظرا لغياب نموذج للتسيير الديمقراطي للدولة، وعلى هذا الأساس فإننا نقترح عقدا اجتماعيا جديدا يشارك بموجبه كل مواطن في الحياة العامة وهو مقتنع بأنه يمتلك جزءا من السيادة الوطنية يجب عليه استعماله للمصلحة العامة.

عقد اجتماعي يضمن ويحتضن التنوع الثقافي للبلد، كما يضمن للمواطنين نفس الحقوق ويلزمهم بنفس الواجبات.

عقد تبنى فيه الدولة على مبدأ فصل السلطات وتكون فيه السلطة القضائية مستقلة حقا وغير متهاونة بدورها كضامنة للحريات.

دولة على المستوى الاقتصادي تشجع وتستكشف وتحمي وتنتج إذا اقتضت الضرورة، دولة توزع الثروة الوطنية وتضمن تجاوز المصالح الخاصة وتكسب رهان التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالبلد.

فنحن واعون بأن الوصول إلى هذه الأهداف يقتضي جلب المستثمرين ونعي كذلك أن الاستثمار يحتاج إلى نظام ديمقراطي حاض، يجسد الإجماع الوطني ويؤسس لشرعية النظام السياسي.

هذا هو الذي يؤسس قناعتنا بأن الديمقراطية مطلب لتحقيق التنمية.

إن الإفلاس الاقتصادي للأنظمة الشمولية وعجز الأنظمة المستبدة عن تحقيق التنمية في البلدان التي تحكمها تقوي قناعتنا بهذا الخيار.

فنحن إضافة إلى ذلك مقتنعون بأن رهان التنمية لا يمكن كسبه إلا إذا تشبثنا باحترام كامل لقيم المعرفة والشأن العام والعمل.

إن مشروعنا السياسي الذي بينت معالمه آنفا ليس أمرا هينا فهو يحتاج للصبر وللمثابرة وللتضحية، لأننا اخترنا أن نكون من حملة الأمل الجديد للشعب الموريتاني، ونحن نعول في ذلك على قناعتنا الراسخة بسمو إرادة شعبنا الطامح الناهض لواقع أفضل.

إننا سنسخر جهودنا لعونه على تبوء مكانته واسترداد كرامته ودحر المستخفين به وبإرادته، وستظل قوي الأمل دائما أقوى من معسكر اليأس، فنحن لا نمارس جلد الذات ولا نستخف بشعبنا بل نعول عليه وعلى ذكائه وعلى قدرته على التمييز بين الغث والسمين.

الرأي المستنير: كيف تقيمون عمل المؤسسات الدستورية وهل ترون ضرورة لتعديلات دستورية؟

الأستاذ محفوظ ولد بتاح: هذه المؤسسات لها وجود إسمي وشكلي. فالدستور الموريتاني ينظم السلطات تنظيما جيدا وينظم مبدأ فصل السلطات واستقلال القضاء وإخضاع العمل التشريعي لمبدأ الدستورية، إلا أنه على مستوى الممارسة الحقيقية نلاحظ أنه قد كبله الاستبداد وممارسة السلطة الفردية وأفقدته جدوائيته.

فالهيئة التشريعية لم تلعب دورها خلال الأزمات الفائتة، كما لم يترك المجلس الدستوري بأن يلعب دوره ودجن القضاء، فالنظام التسلطي الذي يريد من السلطات الدستورية أن تكون مجرد وصفة تجميلية يتحمل جزءا من المسؤولية، كما يتحمل الرجال المتواجدون بها الجزء الآخر من المسؤولية.

فإذا كان الرجال القائمون عليها لا يدركون خطورة الدور المسند إليهم ومستعدون للتخلي عن هذا الدور، فإن هذه المؤسسات لن توجد.

أما بخصوص التعديلات الدستورية، فليست هناك ضرورة لها بل هناك ضرورة ملحة لأن تلعب المؤسسات الدستورية دورها الحقيقي.

وهنا لابد من الإشارة إلى أن رئيس الجمعية الوطنية الحالي وجزءا من البرلمان قد عبروا عن الشعور بالمسؤولية وعن رفضهم للانقلاب على المؤسسات الدستورية.

أما المجلس الدستوري فقد جسد في بعض قراراته إرادة بممارسة دوره، لكنه جوبه بالتهديد.

أما القضاء فقد حاول أحيانا –خاصة على مستوى المحكمة العليا- أن يتشبث بمبدأ استقلال القضاء لكنه تمت معاقبة رئيس المحكمة العليا بتحوبله من منصبه، فالقضاء لازال يعبر عن حالات خجولة، تحتاج إلى أن تجسد في أكثر من موقف.

الرأي المستنير : على أي أساس تنوون بناء هيكلة حزبكم، وما هي هياكله المحتملة؟ ومتى سيعقد مؤتمره التأسيسي؟

الأستاذ محفوظ ولد بتاح: حزبنا مبني على نفس المنوال الذي تبنى عليه الأحزاب السياسية الوطنية. فهناك هياكل على المستوى الوطني، مثل المؤتمر الوطني، كأعلى هيئة في الحزب، ينبثق عنه مجلس وطني، الذي ينبثق عنه هو الآخر مكتب سياسي.

فالمؤتمر الوطني هو الذي يعين الرئيس ونوابه، أما المكتب السياسي فتنبثق عنه لجنة دائمة، كما أن هناك لجان متفرقة، تشمل كافة المجالات وهناك تنظيم للنساء وآخر للشباب، وسينعقد المؤتمر الأول لحزبنا في أقرب الآجال إن شاء الله.

الرأي المستنير : ماهي من وجهة نظركم الآفاق المفتوحة أمام الموريتانيين والموريتانيات للخروج من الواقع المتخلف إلى واقع النماء والتقدم والازدهار؟

الأستاذ محفوظ ولد بتاح : الجواب على هذا السؤال قد تم من خلال الأجوبة السابقة، فعندما تتوجه إرادة الشعب الموريتاني نحو الخروج من واقعه المتأزم فسيكسب رهانات النماء والتقدم والازدهار. فالبلد لديه مقومات تضمن له كسب الرهانات إذا وفق في أن يتملص من المعوقات التي ذكرت آنفا.

بلدنا فيه مناجم كثيرة ومؤشرات للغاز والبترول ولديه ثروة متجددة هي الثروة السمكية ولديه نهر يمتد نحو 700 كلم ولديه ثروة حيوانية لا يستهان بها، ولديه –قبل هذا كله- تراث حضاري زاخر وأرض متنوعة التضاريس ويمكنها أن تكون جاذبة للسياحة.

كل هذه المقومات إذا تم تأطيرها وتفعيلها وتم النظر إليها من خلال خطط تستشرف المستقبل، فإنها يمكن أن تضمن للشعب الموريتاني نموا اقتصاديا وتقدما وازدهارا.


عودة للصفحة الرئيسية