ردا عى محمد الأمين أحمد: لماذا غيبتنا؟ شنقيتل محرجة من إفطار "سجناء القاعدة" فى موريتانيا النعمة: الشرطة تفتح تحقيقا في ملابسات مقتل طفل صعقا بالكهرباء قتيل وجرحى في قرية "لمليحس" بسبب صاعقة تداول 70 ألف قطعة سلاح بين المدنيين في موريتانيا الأمطار تقطع طريق "كامور" من جديد الخبر الجزائرية: نواكشوط تقبض ثمن صفقة الصحراوي جــان ابيير فيليو: أرواح القاعدة التسعـــة محاسب وزارة الصحة ينفي صحة خبر إقالته منسقية نقابات الصحة : اجتماعنا مع الوزير جد إيجابي

مسلسل الانسحابات



خطوتان إلى الوراء



الحوار الصعب



زمن الحرب



ذكرى العاشر يوليو 78: ظاهرة الجنرالات /7



5 أغسطس 1979: ولد هيداله شعر بالندم والخديعة بعد اتفاق "السلام" مع البوليساريو



5 أغسطس 1967: وزراء في حكومة ولد داداه يتضامنون مع ولد احمد مسكه ضد رئيسهم



ذهب موريتانيا: ثروة للمضاربة في الأسواق الدولية



حصاد الخمسين: عبيد لا يبلغون أبدا حد السراة/ 3



عزيز في لقاء الجمهور: مبادرة مكاشفة أفرغها الإعلام الرسمي



اكتشف النفط في تاودني... فهل يكتشف الموريتانيون آلية لبناء جبهة داخلية قوية؟!



حزام.. وأحزمة!



العاشر يوليو: مائة عام من العسكر!

الاثنين 12 تموز (يوليو) 2010

خاص "أقلام": "دبر العسكر انتخابات، برلمانية، ورئاسية، زوروها بطريقة مبتكرة؛ اشتروا الفاعلين السياسيين، والاجتماعيين، لتمرير نوابهم، ورئيسهم المؤتمن، الذي استوردوه من جنوب الصحراء، فبدت موريتانيا واحة ديمقراطية يضرب بها المثل! لكن الخدعة ما لبثت أن افتضحت، حين دخلت "شجر الضر" في صراع مرير مع المماليك (..) ولا يزال الجنرال في متاهته يقدم رجلا بين معارضة تطالب بما تعده حصتها من المال العام، وبين أغلبية ملت انتظار مكافأة تأخرت"

بدأ (غابرييل غارسيا ماركيز) كتابة الفصول الموريتانية من روايته (الجنرال في متاهته)، فجر يوم العاشر من يوليو، عام 1978. ولأنه يتجه إلى قراء مسلمين، بدأ فصله الأول بآيات من الذكر الحكيم: (وقل جاء الحق وزهق الباطل...). لكن الكولونيل (موري فارَ)، الذي حمل أسماء موريتانية عديدة، ما لبث أن انشغل، وثلته، عن الذكر الحكيم، بالبحث عن معالم في متاهة المصفقين، فاهتدوا سريعا إلى نفق القبيلة، والغنيمة، ليبدأ الصراع داخل النفق...

تلك هي البداية، التي نسيها الكثير من الموريتانيين اليوم.. فقد جاء العسكر إلى السلطة ليخرجوا من الخنادق، وإلى الأبد. فقد اكتشفوا أن السياسيين ينعمون بالمال والجاه، بينما يموت العسكر في الصحراء دفاعا عن وطن لم يقدم لهم سوى بندقية قديمة، وبضع طلقات، وحفنة من البشكوط... اكتشفوا أن الوطن استخدمهم سنوات طويلة، دون مقابل، وقد آن لهم أن يستخدموه، كما فعل، ويفعل السياسيون...

انكب العسكر على فن السياسة، يتفننون فيه، فأدركوا سريعا أن الأمر لا يتجاوز ترويج شعارات تخدر العامة، وتحقق مكاسب للخاصة، فالتفوا حول شعار "إخراج الوطن من الحرب"، وهو ما يتطلب خروجهم من الثكنات إلى الوزارات. وقد برهنوا على ذلك بنسيانهم السريع لزملائهم، الذين سقطوا، في ساحة الشرف، دفاعا عن الوطن. أعلنوا أن عددهم بلغ ثمانية آلاف... وكأنهم ماتوا بالكوليرا، أو السل؛ فلم يقم لهم نصب تذكاري، ولم تعين لهم ساحة، أو شارع تخليدا لذكراهم! ولا تزال بعض النصب التذكارية، التي أقامها المستعمر للغزاة جاثمة على أرض الوطن.. ولمدريد ساحتها، كما لديغول، وبنبيدو، وكندي شوارع تخلد ذكراهم، في مدينة الرمال!

استمر صراع الكولونيلات، حتى استتب الأمر للمقدم (موريخونا)، فأطلق شعارين، لم يكن قادرا على تطبيق أولهما، ولا صادقا في الثاني. فقد حاول موريخونا محاربة الفساد (ظهر الشور لكل عسكري بداع)، فأوقف أحد الضباط الكبار، المشهورين بفسادهم المعلن. لكن الضابط الوزير، حين وقف في قاعة المحكمة، أوتي من البيان مثلما أوتي أمير المؤمنين، الذي يحمل اسمه... قال، بصوت جهوري: "أنا فاسد.. لكنكم كلكم فاسدون، فلماذا تحاكمونني!"، وجعلها حجة باقية في عقبه من المفسدين، تستخدمها العائلات، القبلية، والسياسية للدفاع عن أبنائها المفسدين، حين تمتد إليهم يد العدالة القصيرة، المترددة... كانت تلك الجملة كافية لإسقاط كل التهم الموجهة إليه! واتخذ قرار بعدم الخوض في أموال الناس!!!

أما الشعار الثاني فكان محاربة القبلية، وقد امتطاه موريخونا بحماسة مفرطة. فلم تكن للرجل قبيلة، في موريتانيا الصغرى، لكنه لم ينس عشيرته الأقربين، وراء الحدود، ففرض لهم نصيبا معلوما من مال اليتامى، الذي كان وصيا عليه، وحين آلمه بطنه، تذكر الذكر الحكيم، فرفع شعار تطبيق الحدود "في زمن الكوليرا"!!!

انتهى صراع المماليك باعتلاء (الظاهر شمسدين) سدة الحكم، فاستقبل، من قبل المتكلفين، والمتزلفين، استقبال الفاتحين، المخلِّصين. أفرغ الكولونيل شمسدين السجون، التي ملأها سلفه، وحاول ملأ الخزينة، التي وجدها فارغة. وحمل نفس الشعارات، التي روجها موريخونا: محاربة الفساد، و (لقبيلات)، التعبير له. وما لبث شمسدين أن رفع شعارا جديدا، بعد مؤتمر (لابول): الديمقراطية. وهو شعار أرغم على تبنيه بأسلوب الترغيب والترهيب، وفرض عليه قواعد لعبة جديدة...

كان الظاهر يحكم من خلال قبيلة الجيش، وعليه الآن أن ينشئ قبيلة جديدة، جسدها في الحزب الجمهوري. لكن اللعبة الجديدة تفرض عليه السماح بتكوين الأحزاب، وهو ما يعني إمكانية ظهور أحزاب تتفوق على حزبه، وقد بدا له ذلك واضحا في انتخابات 1991. لإبعاد هذا الشبح عمد شمسدين إلى إحياء النزعات القبلية، والجهوية، وتوجيهها لصالحه، لإضعاف القاعدة الشعبية لخصومه السياسيين. لتحقيق هذا الهدف تم استدعاء الغنيمة لتأليف قلوب الطلقاء والأعراب.

وهكذا، أقام الظاهر نظامه السياسي على الرشوة، وشراء الذمم. فقد اشترى ولاء المماليك بالإقطاعيات؛ فخصص لكل واحد من أعضاء اللجنة العسكرية قطاعا من الدولة يتصرف فيه كيف يشاء! ولا داعي لضرب أمثلة، فلعل القصور، التي ضاقت بها تفرغ زينة، حتى تناثرت في البراري، خير دليل على ذلك. أما الطبقة السياسية فقد أخضعت بالترغيب، والترهيب. وفي بلد يكد فيه الناس لكسب قوت يومهم، لم يكن للعمل السياسي سوى هدف واحد: الحصول على نصيب من الغنيمة!

وتعض الأفعى ذيلها من جديد.. فيفرغ الظاهر شمسدين الخزينة في جيوب عشيرته الأقربين، ويملأ السجون بمعارضيه، تماما كما فعل من قبل المقدم موريخونا. ولأن نفس الأسباب تعطي نفس النتائج، غالبا، ثار ساكنو القلعة على سيدهم ليقلدوا أمرهم، بعد أخذ ورد، للكولونيل موريفال... لكن الظروف الدولية اختلفت عن تلك التي قامت فيها حركات الإنقاذ، والتصحيح، فكان على الكولونيلات التعهد بتسليم السلطة إلى المدنيين. واتخذوا إجراءات، كتلك التي اتخذها الظاهر عند إطاحته بموريخونا؛ أفرغوا السجون، وحاولوا ملأ الخزينة الفارغة...

بدا، منذ اللحظة الأولى، حين عرف أعضاء المجلس العسكري، أن الكولونيلات، حين انقلبوا على سيدهم، كانوا مدفوعين، أولا، بالخوف على مصالحهم الشخصية. فقد قرروا مغادرة سفينة تغرق، بعد أن خدموا ربانها طول سنوات ظلمه واستبداده. فقد كان انقلاب 2003 انفجارا لصراع مرير، داخل قبيلة العسكر، بين كبار الضباط (قادة المماليك)، المستفيدين من إقطاعيات النظام، وبين صغار الضباط، الذين يجدون عنتا في إطعام أطفالهم. فالذين نفذوا انقلاب 2005 هم الذين أفشلوا انقلاب 2003، مما زاد الهوة بين الفئتين، وعمقتها إجراءات التصفية، القبلية، والجهوية، التي لم تطل سوى صغار الضباط، بينما ظل كبار الضباط، من القبائل المستهدفة، في مأمن منها!

أنذرت تلك التصفيات بتكوين جيش، خارج الحدود، يقوده الرواد، والنقباء، يواجه جيشا، داخل البلاد، يسيطر عليه الكولونيلات، أصحاب الامتيازات. وبذلك ظل احتمال أن يعاود صغار الضباط الكرة واردا. وإذا نجحوا، هذه المرة، فإن طبقة المماليك ستفقد كل امتيازاتها. ثم جاءت عملية "لمغيطي" لتنذر العسكر بإمكانية العودة إلى الربع الخالي، حيث يخيم شبح الموت، ويسود شظف العيش، لنعود إلى الحالة التي "انسحبت" منها "قواتنا المسلحة، وقوات أمننا الباسلة"، انسحابا تكتيكيا، عام 1978 "لإنقاذ الوطن"!!!

دبر العسكر انتخابات، برلمانية، ورئاسية، زوروها بطريقة مبتكرة؛ اشتروا الفاعلين السياسيين، والاجتماعيين، لتمرير نوابهم، ورئيسهم المؤتمن، الذي استوردوه من جنوب الصحراء، فبدت موريتانيا واحة ديمقراطية يضرب بها المثل! لكن الخدعة ما لبثت أن افتضحت، حين دخلت "شجر الضر" في صراع مرير مع المماليك.

"كانت مستولية على أيبك، في جميع أحواله، ليس له معها كلام"، حسب رواية ابن تغري بردي. لكن النسخة الموريتانية، بدل أن تفلح في قتل أيبك، الذي تمرد عليها، أُخرجت، والرئيس المؤتمن، من القصر الرمادي، حين استبق المماليك "مذبحة القلعة"، ليعود "البيان رقم واحد"، ويدخل "الجنرال في متاهته"...

بدأت المتاهة يوم السادس من أغسطس، ولا يزال الجنرال يدور فيها، دون أن يهتدي إلى مخرج آمن، رغم محاولاته العديدة. دخل القصر على ظهر دبابة، تدفعها كتيبة من النواب، وفاز في الانتخابات بطريقة عجائبية، لكن كل ذلك لم يوصله إلى بر الأمان.. تسمى، أو سمي؟ رئيس الفقراء، ووشح الأغنياء! حارب القاعدة، وحاورها، تحالف مع الإخوان في الانتخابات، ولم يشركهم في الوزارات! حارب الفساد، وأحاط نفسه ببعض أشهر رموزه! سجن تجار التحويلات، ثم استقبلهم في قصره... ولا يزال الجنرال في متاهته يقدم رجلا بين معارضة تطالب بما تعده حصتها من المال العام، وبين أغلبية ملت انتظار مكافأة تأخرت.

حين حرر بوليفار آخر بلد من أميركا اللاتينية من الاستعمار الاسباني، وجد نفسه غريبا، إذ لم يحمل جنسية أي من البلدان التي حررها! قال، للذين بقوا حوله، وهم قلة، "المشكلة أنه لم يعد لنا وطن نضحي من أجله!"

وحين يلتهم الأطلسي "مدينة الرمال" سيقف آخر عريف، في سلسلة "الأسماء المتغيرة"، على "القبر المجهول"، معلنا، في "البيان رقم واحد"، محاربته الفساد، والقبلية، وواعدا بانتخابات حرة، ونزيهة، يفوز بها.. لتبدأ فصول رواية جديدة: مائة عام من العسكر...

دكتور محمد إسحاق الكنتي

Alkunty_dr@yahoo.fr


عودة للصفحة الرئيسية