حصاد الأسبوع السياسي في موريتانيا
السبت 17 تموز (يوليو) 2010
 |
|
بقلم: المختار السالم |
هيمن حدثان مهمان على الساحة الموريتانية، هما ملف الحوار السياسي بين النظام والمعارضة، واختتام المؤتمر العام الأول للحزب الحاكم في موريتانيا. في الحدث الأول، دعت الحكومة الموريتانية صراحة ولأول مرة من تحت قبة البرلمان المعارضة إلى الحوار في أي وقت وأي مكان، وتميز استجواب البرلمان لرئيس الوزراء مولاي ولد محمد الأغظف حول أسباب عدم تطبيق الحكومة لباقي بنود “اتفاق دكار”، (الاتفاق الذي وقعه الفرقاء السياسيون في العاصمة السنغالية في يونيو 2009 لإنهاء الأزمة الدستورية التي أعقبت انقلاب 6 أغسطس 2008 وسمح باللجوء لانتخابات 18 يوليو التي فاز فيها الرئيس ولد عبد العزيز)، بالصراحة التامة بين القوى السياسية. أما الحدث الثاني فقد شهد ختام مؤتمر “حزب الاتحاد من أجل الجمهورية”، الحاكم، بانتخاب قيادته في ما يشبه “الانقلاب السياسي”
فقد أعلن رئيس الوزراء الموريتاني النقاط التالية:
الحكومة نجحت في تنفيذ مشاريع حقيقية، وحصلت على تزكية المجتمع الدولي بحصولها على التمويلات من المانحين .
الحكومة ليس لديها ما تخفيه، لا في مجال حقوق الإنسان ولا غيرها من ملفات .
شرعية الانتخابات الماضية ليست مطروحة للنقاش، لأنها جرت في ظل حكومة وحدة وطنية وبمشاركة المعارضة، وشهدت بنزاهتها المجموعة الدولية التي راقبتها .
الأغلبية، وبغض النظر عن “اتفاق دكار”، الذي طبقت بنوده الأساسية، مستعدة للحوار في أي وقت وأي مكان وحول كل القضايا، والرئيس محمد ولد عبد العزيز التقى في هذا الإطار بعض زعماء المعارضة (بيجل ولد حميد، ويحيى ولد الوقف)، ومستعد للقاء بقية زعماء المعارضة عندما يريدون ذلك .
فيما توزعت مواقف المعارضة، بين التشدد حيث انتقد نواب حزب “التكتل” (أحمد ولد داداه) بشدة رد رئيس الوزراء واعتبروه غير مقنع، وذكروا بعدم استجابة الحكومة للتحقيق في نتائج الانتخابات الرئاسية، كما طلبت المعارضة سابقا، وتحدثوا عن انغماس الجيش في السياسة من خلال حملات انتساب الحزب الحاكم، اعتبر المصطفى ولد بدر الدين (اليسار الموريتاني) أن خطاب رئيس الوزراء حمل لغة "نسمعها لأول مرة"، أما حزب “تواصل” (التيار الإسلامي) الموريتاني (المعارضة المعتدلة) فقد طالب الحكومة بتجاوز الاستعداد للحوار، بوصفها الجهاز التنفيذي، إلى أخذ المبادرة بآلية لتطبيقه، وشدد على ضرورة تجاوز جو الاحتقان السياسي وحذر النظام قائلاً إنه بعد التطور السياسي الذي شهدته البلاد، لم يعد ممكناً إدارة الشأن العام بعقلية الاحتكار، وبالمقابل طالب قادة المعارضة (المتشددين) بتجاوز مسألة الاعتراف بشرعية المؤسسات الدستورية بما فيها مؤسسة الرئاسة .
وأكد الحزب على لسان رئيسه النائب البرلماني جميل منصور أن “اتفاق دكار” يحتوي نقاطاً مهمة كتعزيز الديمقراطية وإصلاح المؤسسات الدستورية، وحسم العلاقة بين الجيش والسياسية .
أما الفريق النيابي للحزب الحاكم، فقد طالب المعارضة بالالتفات نحو المستقبل، واعتبر أن الجوهري في “اتفاق دكار” يعني العودة إلى الشرعية وفق انتخابات حرة وشفافة “وهو ما حصل” .
وتحدث الفريق النيابي عن التنازلات المهمة التي قدمها الجنرال محمد ولد عبد العزيز من أجل تجاوز الأزمة الدستورية الماضية حيث استقال من منصبه كرئيس للمجلس الأعلى للدولة، وقدم استقالته من الجيش، وسلم المعارضة نصف الحكومة وثلثي اللجنة المستقلة للانتخابات، ومنحها الإشراف على وزارة الداخلية المعنية بتنظيم الانتخابات، ووزارة الدفاع، لمنع الجيش من التدخل في العمل السياسي، ووزارة المالية للحيلولة دون استخدام المال العام في الحملات الانتخابية، وذكّر باعتراف المراقبين الدوليين بشفافية عمليات الاقتراع، “ومع ذلك لم تعترف المعارضة بنتائج الانتخابات” .
ودعا الفريق النيابي المعارضة إلى التخلي عن ازدواجية الخطاب، حيث إنها تطالب بالحوار تحت قبة البرلمان مع نظام لا تعترف بشرعيته، وتدعو لإزاحة النظام في مهرجاناتها الجماهيرية .
جاء هذا الجدل الساخن والمباشر بين النظام والمعارضة بعد سنة من الاستقطاب السياسي الحاد الذي أعقب الانتخابات الرئاسية (18 يوليو 2009) بين قطبي الأغلبية الحاكمة والمعارضة، والسؤال المطروح الآن هو هل أصبحت الظروف ناضجة للبدء في حوار سياسي بين مختلف الفرقاء في سبيل التغلب على الاحتقان السياسي الحالي .
لم يترك نظام ولد عبد العزيز الفرصة، هذه المرة، لشك الرأي العام في نيته في الحوار الجاد مع المعارضة بعد أن اعتبرت هذه الأخيرة الدعوة السابقة “مجرد مناورة” قبيل اجتماع المانحين الماضي، وطالبت بأدلة على صدق النظام في دعوته للحوار .
ورغم أنها ظلت منذ سنة تطالب النظام بالحوار، وكان يتجاهل تلك الدعوة، فإن المعارضة تبدو في هذه المرحلة متفاجئة إلى حد ما بعد تأكيد الرئيس عزيز من جديد الدعوة للحوار، ولذلك أصبح حسم زعماء المعارضة لموقفهم النهائي من الحوار مع النظام هو الفيصل في إيجاد “الحوار المنشود” من عدمه .
ويرى المحلل السياسي، رياض أحمد الهادي، أن الأطراف الأساسية في المعارضة (التكتل، التحالف، قوى التقدم) لم تطمئن بعد إلى صدق ولد عبد العزيز في مسألة الحوار معها، وفي الوقت نفسه لا تستطيع رفض العرض بالحوار، ولذلك ستسعى عبر وسائلها الخاصة وقراءتها للظرفية الحالية إلى التأكد بنفسها من مدى جدية ولد عبد العزيز وإلى أي مدى هو مستعد للذهاب في هذا الحوار .
على أن الأسبوع الحالي حاسم في موقف رسمي من قادة المعارضة الأساسيين، وما ستقرره بالذات أحزاب “التكتل” و”التحالف” و”التقدم” .
“الخليج” سألت شخصيات مرجعية في موريتانيا عن الأسباب الحقيقية وراء تحرك الرئيس ولد عبد العزيز في هذا الوقت باتجاه الحوار مع المعارضة، خاصة بعد حصوله على تمويلات دولية فاقت الطلب الموريتاني، وعلى تزكية سياسية لا مراء فيها من قطبي العرب والغرب، بحيث بات اليوم يوصف بأقوى نظام يحكم البلاد، وقد أجمعت هذه الشخصيات على أن تلويح المعارضة بمقاطعة الانتخابات النيابية والبلدية القادمة هو السبب الرئيس وراء هذا التحرك و”روح الحوار الجديدة”، ولأن ولد عبد العزيز في النهاية لا يريد الظهور بمظهر الأحادية المطلقة . ما يمس في الصميم التجربة الديمقراطية في البلد ويخلف انعكاسات سلبية كبيرة داخلياً وخارجياً .
الحزب الحاكم . . انقلاب سياسي
اختتم حزب “حزب الاتحاد من أجل الجمهورية” الحاكم في موريتانيا، يوم السبت الماضي، مؤتمره التأسيسي الأول، منهياً بذلك أشهراً من الترقب الشديد في أوساط الرأي العام والقوى السياسية الموريتانية لأسلوب إدارة الحزب الجديد .
وبعد يومين من مشاق الكواليس وبحضور مكثف بلغ أكثر من 1200 مشارك، جدد الحزب ثقته في رئيسه محمد محمود ولد محمد الأمين، فيما انتخب عمر ولد معط الله أميناً عاماً للحزب (منصب مستحدث)، بعد أن كان يشغل نائب رئيس الحزب .
كما انتخب المؤتمر أعضاء “المجلس الوطني للحزب”، وبلغ عددهم 147 عضواً، إضافة 16 عضواً استحقاقياً هم: رئيس الوزراء، رؤساء الكتل البرلمانية، اتحاديو الحزب .
وفي خطاب اختتام المؤتمر، دعا مؤتمرو الحزب الحكومة إلى “الإسراع في برمجة وتنفيذ المشاريع والبرامج الإنمائية واستيعاب التمويلات التي تحصلت عليها البلاد خلال اجتماع بروكسل” .
وجدد الحزب دعمه المطلق لبرنامج الرئيس محمد ولد عبد العزيز، مهنئاً إياه على نتائج اجتماع المانحين مع الحكومة الموريتانية .
وأجمع مؤتمرو الحزب على الإشادة بقطع موريتانيا علاقاتها مع “الكيان” الصهيوني، مطالبين المجتمع الدولي ب”تحمل مسؤولياته تجاه فلسطين ورفع الاحتلال الظالم عن كل شبر من أرض فلسطين المغتصبة” .
وأكد رئيس الحزب محمد محمود ولد محمد الأمين في كلمة بالمناسبة أنه “لن يضيع وقتاً ولن يدخر جهداً في سبيل تحقيق الأهداف التي رسمها الحزب وفق الضوابط المرجعية التي حددها المؤتمرون” .
وأكد أن الشعب الموريتاني “ضجر من واقع التخلف ومل الحديث عن الإمكانات الهائلة للبلد، دون أن تنعكس على حياته، بسبب عجز التدبير، وسوء التسيير، اللذين طبعا العقود الفارطة” . بحسب تعبيره . وأضاف أن الحزب سيعمل بخطى واسعة ومتسارعة وثابتة على دعم ودفع مسيرة ما وصفه بالتغيير البناء، “وتسريع وتيرته بطموح يطاول حلم المواطنين حتى يجعل ضرورات الحياة الكريمة متاحة لهم بعيداً عن المعاذير والتبريرات الكسولة المألوفة” .
وقال ولد محمد الأمين إن حزب الاتحاد من أجل الجمهورية سيمثل “ظهيراً أميناً للحكومة” و”منصة اقتراح” عالية المستوى لكل السياسات والاستراتيجيات التي تحقق التغيير .
وأوضح رئيس الحزب الحاكم إضافة إلى ما تقدم “سيتمسك بدوره في التنبيه والتسديد والنقد البناء عند الاقتضاء، اضطلاعاً بدور الموالاة الأمينة التي تصدع بالحق ولو على نفسها” .
وأكد أن الحزب سيعمل على “تعزيز علاقات الشراكة الحيوية” مع أحزاب الأغلبية، مع “استعداده لبناء علاقة طبيعية مع المعارضة مبنية على الاحترام المتبادل وتسيير الخلاف الطبيعي بين الأغلبية والمعارضة وفق قاعدة الفهم المشترك وسعي كل طرف إلى تسويق مشروعه السياسي وفقاً للضوابط الدستورية والأعراف الديمقراطية الناضجة” . على حد وصفه .
وإذا كان الخطاب السياسي للحزب لا يشكل أي مصدر للخلاف، فعلى العكس من ذلك البنية التنظيمية الجديدة التي أسفرت عنها نتائج أعمال المؤتمر التأسيسي الأول، والتي وصفها قيادي في الحزب فضل عدم ذكر اسمه في تصريح ل”الخليج” بأنها “انقلاب سياسي” على كل التعهدات السابقة باحترام رغبة القواعد الشعبية .
فقد اتضح أن القيادة الجديدة (القديمة) للحزب تم تعيينها، على شكل انتخاب، دون إتاحة الفرصة للتنافس الحقيقي على قيادة الحزب، كما لم تراع التوازنات القبلية والجهوية الحساسة في اختيار هياكل الحزب، وتم “التخلص” من قيادات قدمت الكثير لمسيرة الحزب، في الوقت الذي تم الزج فيه بالعشرات إلى مواقع قيادية من دون مبرر يسوّغ ذلك . ويجمع المراقبون على أن الشكل الجديد للحزب الحاكم في موريتانيا، بعدما شهده المؤتمر العام التأسيسي الأول الذي جرت كل أعماله “وفق الأوامر”، يعطي الانطباع بأنه مجرد نسخة مكررة عن تجارب الأحزاب الحاكمة سابقاً، وهو ما ولّد خيبة أمل كبيرة في العديد من الأوساط الموريتانية التي لديها رصيد طويل من المعاناة مع “الأحزاب الحاكمة تحت الطلب”.
نقلا عن "الخليج" الإماراتية
عودة للصفحة الرئيسية