غياب الشفافية فى تسيير ثروتنا النفطية
الرأي المستنير
الاحد 25 تموز (يوليو) 2010
 |
|
بقلم: محمد عالي ولد سيدي محمد، وزير سابق، باحث ومختص في شؤون النفط والطاقة |
اكتشف في الفترة الأخيرة عقدان لتقاسم الإنتاج النفطي منتهيا الصلاحية موقعان بين الحكومة الموريتانية وبعض شركات النفط. وهذان العقدان متعلقان بالمنطقة (أ) مقاطع 3 و4 و 5 والمنطقة (ب) المقطعان 4 و5 من المياه العميقة (في عرض البحر ومنتهيا المدة، الأول منذ31 يوليو 2009 والثاني منذ 20 يوليو 2009. هذا يعني، تطبيقا لأحكام القانون، أنه كان من الإجباري أن تُسلم شركات النفط المساحات التي في حوزتها وحقول النفط والغاز الأربعة الموجودة في نفس المساحات و المسماة (اتيوف) و (تفت) و (باندا) و (لعبيدن) إلى الحكومة الموريتانية. هذا لم يُقم به، فالشركات مازالت تحتفظ بالمساحات وبالحقول و ما زالت تُزاول نشاطاتها التنقيبية بدون أي وجه حق.
ويحق لنا أن نورد التساؤلات التالية:
1- بموجب العقود تدفع الشركات إلى الحكومة الموريتانية سنويا حقوقا و رسوما و إتاوات و ميزانيات مقابل حق التنقيب.
فبما أن العقود أصبحت لاغية: فهل الشركات مازالت تدفع هذه المبالغ؟ فإن هي مازالت تدفع تلك المبالغ إلى الدولة فهذا يسمى رشوة دولة. فهل الدولة مازالت تستقبل تلك المبالغ؟ فإن هي مازالت تستقبل تلك المبالغ فهذا يدعى رشوة موظفين.
ونلاحظ أن الشركات مازالت تزاول نشاطها و لم تسلم المساحات والحقول إلى الحكومة وهذه الأخيرة صامتة. فما معنى كل هذا؟
2- الحقول الأربعة المسماة (اتيوف) و (تفت) و (باندا) و (لعبيدن) اكتشافات معلن رسميا عنها ومعروف حجمها ومحددة مواقعها وكان من المبرمج (منذ 2006) أن ينطلق الإنتاج النفطي في اثنين منها (اتيوف وتفت) على الأقل، في منتصف 2010. وكان كذلك من الإجباري أن تدخل هذه الحقول الأربعة في ممتلكات الدولة الموريتانية وذلك منذ يوليو 2009 وتصبح كحديد تازاديت وسمك انواذيبو ... و كان على الحكومة منذ يوليو 2009 أن توقع عقودا جديدة مع نفس الشركات أو مع شركات أخرى ولكن هذه المرة بمنح توقيع (bonus de signature) معتبرة لكل حقل (وهي أربعة حقول) لأن خطر التنقيب غير موجود ولأن هذه الحقول توجد في مرحلة متقدمة على طريق انطلاق الإنتاج. فلماذا لم تفعل الحكومة شيئا؟ ونحن نعرف أن عقودا جديدة من هذا النوع يُصادق عليها من طرف البرلمان و هذا الأخير لم يُعلق نشاطه وكان يجتمع في دوراته العادية وفي أخرى غير عادية بل صادق في دورته في يناير 2010 على الملحق رقم 3 لتمديد عقد تقاسم الإنتاج النفطي مع شركة (دانا) في المقطع 7 وصادق في دورته في فبراير 2009 على ملحق ثان لتمديد عقد تقاسم الإنتاج النفطي مع شركة (بتروناس) في المقطع 6 وكلاهما في عرض البحر. ثم إن كثيرا من الشركات النفطية مستعدة لاستغلال هذه الحقول و لدفع منح توقيع معتبرة للحصول على تلك الحقول.
فلماذا تُعطل هذه الموارد (مئات ملايين الدولار) التي نحن في أمس الحاجة لها ومن المسؤول؟ ومقابل ماذا؟
أليست الحكومة هي التي قدرت أن الاحتياطات النفطية الحالية للبلد تساوي 200 مليون برميل وذلك في الوثيقة التي قدمتها يوم 22 يونيو الماضي إلى اجتماع ابريكسل في صفحتها رقم 40 من النسخة العربية؟
فإن انطلقنا من هذا التقويم وإن اعتبرنا أن سعر البرميل يساوي 60 دولارا و أن تكاليف استخراجه تساوي 30 دولارا فهذا يوصلنا إلى ربح صافي قدره 6 مليارات من الدولار. فإن افترضنا تقاسم هذا المبلغ مع شريك يشرف على العملية بنسبة تساوي نصف الربح فيبقى الربح للدولة قدره 3 مليارات من الدولار زيادة على منح التوقيع والاستفادة من الضرائب و كل ما سيجنيه النشاط بصفة عامة. أليست هذه موارد هائلة؟
ولكن الأدهى من كل هذا والأمر هو أن الوزير الأول بعث برسالة في يوليو 2009 (الرسالة مرفقة) إلى شركة بتروناس يؤكد لها أن الحكومة الموريتانية قررت تمديد العقدين. فبأي سند قانوني تبرر الحكومة هذا التصرف؟ علما أن المصادقة على هذه العقود تدخل في صلاحيات البرلمان وأن تصرف الحكومة هذا يفتح الأبواب أمام التأويلات الكثيرة.
أليس وزير النفط الحالي هو من كتب إلى الوزير الأول في ابريل 2010 (الرسالة المرفقة) يذكره بفحوى رسالته المذكورة أعلاه ويؤكد له الفراغ القانوني الناجم عن هذه الحالة ويقترح عليه إيجاد حل عاجل للمسألة؟ ألا يفهم من رسالة وزير النفط إرادته الواضحة لتبرئة ساحته من هذه القضية التي يعلم أكثر من غيره خطورتها؟.
ولمعالجة هذا الملف الحساس قدمت الحكومة مشروع قانون يتضمن مدونة جديدة للمحروقات أثار الكثير من الجدل قبل أن تتم المصادقة عليه من طرف البرلمان. السبب الأساسي وربما الوحيد لتقديم مشروع هذا القانون من طرف الحكومة هو إرادتها لنقل المصادقة على عقود تقاسم الإنتاج النفطي من البرلمان لتصبح من صلاحيات مجلس الوزراء أي بواسطة مرسوم بدل قانون. ويحتوي هذا القانون الجديد علي عدة مقتضيات من شأنها أن تفقد البرلمان رقابته علي تسيير هذا المجال الحيوي والإستراتيجي من الاقتصاد الوطني، حيث أصبحت المصادقة على عقود تقاسم الإنتاج النفطي من صلاحية الحكومة وحدها، كما منح وزير النفط صلاحية تمديد هذه العقود بعد أن كانت المصادقة عليها وتمديدها من صلاحيات البرلمان.
ألا يعتبر هذا الإجراء تراجعا لمبدإ الشفافية الذي انتهجته موريتانيا سنة 2006 في هذا القطاع؟
ولا نستطيع إلا أن نربط المصادقة على هذا القانون الجديد للمحروقات بقرار الحكومة التي أخذت لنفسها بتمديد العقود قبل أن تجد سندا شرعيا وتجسد ذلك في مضمون رسالة الوزير الأول المذكورة.
إن هذا القانون ومضمون رسالة الوزير الأول يمثلان مصادرة لصلاحيات السلطة التشريعية وعدم الانسجام مع المبادرة الدولية للشفافية في الصناعات الإستخراجية، التي انتمت إليها موريتانيا سنة 2005. ويمثلان كذلك تغطية علي الإجراء غير القانوني الذي قامت به الحكومة في قطاع استراتيجي وحساس وحيوي كقطاع النفط وتكريسا للفساد ولنهب خيرات البلد ولفتح الأبواب أمام جميع الممارسات المشبوهة.
وعليه يتعين إجراء تحقيق مستقل وفوري في قرار الحكومة القاضي بتمديد فترات عقدي تقاسم الإنتاج النفطي في المنطقتين (أ) و(ب) مع شركة" بتروناس" وذلك لتحديد المسؤوليات وتقويم الأضرار الناجمة عن ذلك القرار المتعلق بهذه القضية التي تعتبر من الخطورة بمكان. وكل هذا يدعو إلى القلق و يطرح مدى تطبيق الشفافية من طرف الحكومة في الصناعات الإستخراجية.
فنتذكر كلنا أنه خلال فترة الانتقال الديمقراطي، اتخذت الحكومة قرارات هامة في قطاع النفط. ولم تمكن هذه القرارات من تنقية وتنشيط القطاع فحسب، بل سمحت أيضا بتحقيق إنجازات هامة والتوصل إلى تحسين أداء فعلي.
ففي أكتوبر 2005، انضمت بلادنا إلى مبادرة الشفافية للصناعات الإستخراجية. وعليه، أنشئت لجنة وطنية مكلفة بتنفيذ ومتابعة مبادرة الشفافية في مجال الصناعات الاستخراجية تسهر على النشر المنتظم لجميع العائدات الحاصلة من الصناعات الاستخراجية وكذا كافة المبالغ المدفوعة إلى الدولة من قبل شركات النفط والغاز والمناجم. ويجب عليها الإشراف على الاكتتاب، حسب إجراءات الدعوة إلى الترشح، تراعي المعايير الدولية، لاختيار المدقق المالي المستقل المكلف بالمقارنة بين الدفعات التي تعلنها الشركات والعائدات المسجلة في حسابات الدولة.
وهكذا أعدت تقارير عامي 2005 و2006 من قبل مكتب مستقل ومعروف دوليا هو (Ernest and Young) وشركاؤه (باريس) على أساس الصيغ المرجعية والتوجيهات المحددة من قبل اللجنة المكلفة بتنفيذ ومتابعة مبادرة الشفافية للصناعات الإستخراجية وإثر مناقصة دولية.
لماذا توقفت تقارير الشفافية عند عامي 2005 و2006 ولماذا لم تعد تنشر تقارير الشفافية لموريتانيا لسنوات 2007 و 2008 و2009؟ أليس هذا تراجعا آخر لمبدإ الشفافية في قطاع النفط؟
وأنشئ صندوق وطني لعائدات المحروقات بموجب أمر قانوني سنة 2006. وهو مخصص لاستقبال العائدات الحاصلة من استغلال الموارد النفطية الوطنية. ويتعلق الأمر بحساب مفتوح باسم الدولة الموريتانية في دفاتر مؤسسة مصرفية أجنبية مناسبة (بانك د افرانس). تستخدم عائدات الدولة من النفط بطريقتين : يخصص جزء من الدخل لتمويل ميزانية الدولة ويودع الباقي في حساب ادخار ويوظف حسب أفضل الشروط المالية للسوق الدولية.
فأين نحن اليوم من كل هذه الشفافية؟
عودة للصفحة الرئيسية