أين كانت وطنية "الحراك"؟ المستهلك: عودة قوية للذبح العشوائي في وقفة المولد مبارك وزمانه مـن المنصة إلى الميدان (الحلقة الأولى) مشاهدات من واقع ولاية إينشيري جميل منصور: اعتقال بيران انتهاك سافر لحرية التعبير الحزب الحاكم: منسقية المعارضة تقف وراء احتجاجات طلاب الجامعة "إيرا" تندد باعتقال وان بيران اعتقال منسق حركة "لا تلمس جنسيتي" الاضطرابات في مالي: ما سر اتهام موريتانيا بإذكاء الحرب؟ "المهني للتعليم العالي" يدعو لمتابعة مثيري الشغب في الجامعة

محاربة الإرهاب في الساحل وحدود تدخل القوى العظمى

الاربعاء 28 تموز (يوليو) 2010

اختلف المعلقون حول التدخل العسكري الفرنسي المباشر الأخير في عملية مطاردة عناصر مسلحة من تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي شنتها قوات موريتانية توغلت إلى تراب دولة مالي وقيل إن الهدف منها هو تحرير الناشط الإنساني الفرنسي ميشال جرمانو (78 سنة). من المعلقين من اعتبر هذا التدخل سببا مباشرا في قتل الرهينة الفرنسية في حين دافع آخرون عن حق فرنسا في التدخل لحماية مصالحها ورعاياها في أي مكان في العالم، وهو نفس الحق الذي خولته لنفسها كل من أمريكا وبريطانيا. مهما يكن فإن قتل جرمانو من شأنه أن يعيد إلى الساحة مسألة التعامل مع الجماعات المسلحة وحدود وشروط التعاون الإقليمي لمكافحة الظاهرة الإرهابية.

هل كانت عملية الجيش الموريتاني الأخيرة ضد عناصر (القاعدة المغاربية) من تدبير موريتاني بحت أم أن فرنسا هي التي قررت شن العملية ووافقت السلطات الموريتانية على منحها التغطية اللازمة؟ خاطفو ميشال جرمانو حددوا مهلة زمنية لاستجابة فرنسا لمطالبهم أو قتل الرهينة، لكن الذي حدث هو أن هذا الأخير قتل قبل انتهاء الأجل المحدد إضافة إلى أن الفرنسيين يؤكدون أنهم لم يباشروا أية مفاوضات مع الخاطفين من أجل معرفة تفاصيل مطالبهم مقابل الإفراج عن الرهينة، لأن قيادة التنظيم المسلح لم ترد الخوض في التفاصيل لأسباب تبقى لحد الآن مجهولة.

ولعل الإسراع بقتل الرهينة وإعلان ذلك على لسان زعيم التنظيم، أبو مصعب عبد الودود، مؤشر على أن موريتانيا كانت فعلا مجرد غطاء لعملية فرنسية خالصة تدبيرا وتنفيذا وتوقيتا، خاصة أن العملية تعدت حدود موريتانيا وتوغلت داخل الأراضي المالية حيث المعاقل الصحراوية لـ’القاعدة المغاربية’. من أقنع الفرنسيين بشن هذه العملية؟ ومن أوهمهم أن جرمانو يوجد في المنطقة المستهدفة؟ ولماذا تخلوا هذه المرة عن خيار التفاوض مع المسلحين لاسترجاع مواطنهم؟ ففي شهر فبراير الماضي نجحت فرنسا في تخليص مواطنها بيار كاماتا (62 سنة) من براثن القاعدة المغاربية، التي احتجزته لحوالي ثلاثة أشهر، بعد ضغوط على الحكومة المالية أفضت إلى تحقيق مطلب خاطفيه بإطلاق سراح أربعة سجناء من التنظيم المسلح، اثنان منهم جزائريان وآخر موريتاني. هل اختلاف تعامل فرنسا مع القضيتين يعود إلى أن بيار كاماتا كان فعلا عنصرا في المخابرات الفرنسية مكلفا بمهمة استخبارية في المنطقة تحت غطاء العمل الإنساني بينما جرمانو لم يكن كذلك؟ أم أن فرنسا لم تشأ هذه المرة استفزاز السلطات الجزائرية التي أعربت حينها عن غضبها واستنكارها لتسوية قضية الرهينة كامات مقابل إطلاق اثنين من المسلحين المطلوبين في الجزائر؟ تنفيذ العملية الأخيرة على تراب دولة مالي يمكن أن يؤشر أيضا إلى وجود موافقة مبدئية من حكومة الرئيس أمادو توماني توري لدخول القوات الفرنسية إلى أراضيها خاصة أن الماليين لم يصدروا رد فعل سلبيا على ذلك.

صحيفة ’النهار الجديد’ الجزائرية المختصة في حكايات الجماعات المسلحة والإرهابيين الجزائريين كشفت في عددها الصادر أمس أن أمير الجماعة السلفية للدعوة والقتال التي هي أيضا القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، كلف كلا من محمد بن علي والطيب نايلي بتنفيذ حكم الإعدام الصادر في حق الفرنسي ميشال جرمانو، وكان الاثنان من بين الأربعة الذين أفرجت عنهم السلطات المالية في صفقة بيار كامات قبل خمسة أشهر، وفسرت الصحيفة، التي لم تشر إلى المصادر التي حصلت منها على هذه التفاصيل الدقيقة، قرار أمير التنظيم المسلح تعيين هذين للإجهاز على الرهينة بأنه (محاولة لوضع السلطات الفرنسية في حرج شديد إزاء سياستها السابقة مع التنظيم الإرهابي). هل هذا يعني أن قائد الجماعة السلفية هو الآخر غاضب على عملية (تبادل الأسرى) أم أنه أراد فقط أن يغيظ الفرنسيين بما فعل؟ هذا إذا سلمنا جدلا أن هذه المعلومة صحيحة.

صحيفة ’النهار الجديد’ رأت إعدام جرمانو بمثابة جزاء لسياسات فرنسا إزاء الظاهرة الإرهابية في الجزائر وقالت إن ما حدث كان (عاقبة من يلعب بالطاعون)، ففي رأيها أنه (عندما تلجأ دولة أوروبية مثل فرنسا إلى الصمت عن عمليات تمويل الإرهاب بشكل مفضوح، وعندما تمارس حكومة باريس ضغوطا لتحرير إرهابيين، وعندما تغرق فرنسا في اللعب بطاعون الإرهاب، فإنها حتما ستقع ضحية له في يوم من الأيام، لأن الإرهاب لا يعرف معنى للصداقة أو الحياد9. وذكرت الصحيفة أيضا بقضية اغتيال الرهبان الفرنسيين السبعة الذين اختطفوا من ديرهم في منطقة تيبحيرين الجزائرية في آذار (مارس) 1996 ثم عثر عليهم بعد شهرين مقتولين بطريقة وحشية، وكان اغتيال الرهبان سابقا لمحاولة فرنسية لاختراق التنظيم بعد أن تمكنت السفارة الفرنسية في الجزائر من إقامة اتصال بين أمنيين فرنسيين وممثل عن الجماعة الإسلامية المسلحة.

التنسيق الأمني والمخابراتي بين الجزائر ودول المنطقة المصابة بداء الإرهاب وبين القوى العظمى على غرار فرنسا وبريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة لم يتوقف يوما، لكن الخلاف القائم بين هؤلاء وهؤلاء وخاصة بين الجزائر وفرنسا هو أن هؤلاء يريدون من الغرب أن يدعمهم في حربهم ضد الإرهاب وفق شروطهم، أي أن تعلن القوى العظمى تنديدها بالإرهاب ودعمها للدول المكتوية بناره، دعما يقتصر على توفير السلاح ومجاراتهم في كل الخطط المطبقة هناك لمحاربة الظاهرة. فالتنظيمات الإرهابية فرخت في الجزائر وموريتانيا وغيرهما لذلك فإن محاربتها لا بد أن تكون حصرا من اختصاص هذه الدول، فهي أعلم بإرهابييها وبتفاصيل تنظيماتهم وبالطرق الأنجع والأوقات المناسبة لشن الحروب عليها والتفاوض معها. وقد تكون هذه أهم نقاط الخلاف بين الدول (المفرخة والمصدرة للإرهاب) ودول الشمال، فهذه الأخيرة تريد أن تتمتع بحقوق أخرى غير الدعم اللوجيستي ونقل المعلومات التي عادة ما يراد لها أن تكون ذات اتجاه واحد، ولعل هذا هو الذي أخر أيضا إعلان إقامة قاعدة عسكرية مشتركة بين دول الشمال والجنوب تكون مهمتها تعقب ومحاربة الجماعات المسلحة وحفظ الأمن والمصالح في منطقة الساحل خصوصا وإفريقيا عموما.

خضير بوقايلة

القدس اللندنية


عودة للصفحة الرئيسية