نحن وظاهرة الغلو!
الجمعة 30 تموز (يوليو) 2010
 |
|
بقلم: أحمد مولاي محمد |
تألمت كثيرا لمشاهد مجموعة الشباب المضرجين بدمائهم في عملية الخميس الأخيرة وتمنيت لو كانوا شهداء في فلسطين أو في أفغانستان أو في أي مكان آخر من بلاد الإسلام يخضع للاحتلال والعدوان الأجنبي حتى نفخر بهم ونعتز باستشهادهم ونحتسبهم عند الله مع الصديقين والشهداء والصالحين.
إن خسارة الأمة لشبابها، بفعل الغلو والتكفير والتطرف، تحز في نفس كل مسلم غيور على دينه وأمته، خاصة وأن التحديات التي نواجهها كأمة مسلمة هي أعمق وأخطر مما يراه معظم الغلاة الذين يحاربون أهليهم ويخرجون على ولاة أمورهم لأسباب لا صلة لها بجوهر العقيدة ولا بالجهاد إطلاقا، بل هي أقرب ما تكون إلى القشور، وللأسف الشديد فإن الدرجة التي بلغوها من الغلو والتكفير أجازت لهم قتل المسلمين والتمثيل بهم وهو ما حرمه الدين الإسلامي وتعاليمه السمحة إجمالا، حيث أُمر جميع من قادوا الجيوش والغزوات والكتائب المؤمنة - في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وفي عهد الخلفاء الراشدين رضوان الله تعالى عليهم – بالإحسان إلى الأسرى وعدم التعرض للنساء والشيوخ والأطفال والمرضى والعجزة وعدم قطع الأشجار التي هي جماد لا ينطق لكنها ترمز للحياة ولاستمراريتها، كما حرم عليهم التمثيل بالقتلى، وغيرها من التعاليم التي تعكس السماحة المطلقة لديننا الحنيف، فهل ينطبق أي من هذا على عمليات ما يعرف بــ "تنظيم قاعدة المغرب الإسلامي" الذي استباح أرواح المسلمين في شهر رمضان المعظم ومثل بجثثهم في تورين حيث قطع رؤوس خيرة من شبابنا الذين كانوا في مهمة جليلة لحماية ثغر من ثغور هذا البلد المسلم المسالم، ثم أين تعاليم الإسلام في عملية لمغيطي الإجرامية بكل المقاييس وهل يجوز وصف من نفذوها بـــ "المسلمين"؟ وكذلك عملية الغلاوية وحتى عملية ألاك، وغيرها من العمليات التي آذت المسلمين والمعاهدين والذميين في بلد مسلم لم يتعرض قط لهؤلاء القتلة ولم يؤذهم رغم إثخانهم فيه، فهل يؤخذ على قادة البلد وجنوده أن يعترضوا "غزوة" جديدة كان من الممكن أن تكون مثل مذبحة أو تورين أو لمغيطي أو الغلاوية لا قدر الله؟!
لقد قرأت تصريحا لأحد قادة ومنظري هذا التنظيم الغريب قال فيه إن موريتانيا أخطأت حين فتحت المجال لقتل المسلمين، وأردف قائلا "إن قتل المسلم للمسلم حرام أو الاستعانة بالغير لقتل المسلم"، انتهى الاستشهاد. وهنا أعتقد أن هذا (المفتي) لا يعتبر شهداء الغلاوية وتورين ولمغيطي مسلمين؟!، أو أنه يعتبر جماعته جماعة غير مسلمة! لأنها تعرضت لمسلمين يدافعون عن بلدهم وأهليهم وذبحتهم حتى في رمضان كما تذبح الخراف، فأية فتاوى هذه وأي دين هذا الذي يبشروننا به ويدافعون عنه؟
ولعلنا لسنا بحاجة إلى التذكير بالأسباب الحقيقة لاكتساح ظاهرة الغلو شبابنا المسلم وتمكنها منه، وهي بالأساس الجهل بالدين وبجوهر العقيدة ثم الفقر والبطالة حيث يتعرض الشباب والمراهقون لعمليات غسيل أدمغة كاملة من طرف ثلة من الذين يعتقدون أنهم على حق وأن غيرهم على باطل، ولا أميل هنا إلى القول بأنهم حلفاء للصهيونية العالمية، رغم أنهم لم يتعرضوا قط للكيان الصهيوني ولم ينفذوا أية (غزوة) من غزواتهم ضد الاحتلال الصهيوني الذي يجثم على أرض أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين منذ ما قبل 60 سنة، لكنني أعتقد أنهم يؤمنون ببعض ما سمعوه وتعلموه ويكفرون بما يجهلونه من هذا الدين، وهم بالتأكيد لم يتعلموا كل شيء عن دينهم فأصبحوا أسرى لما يعرفون مما جرهم للغلو الذي هو نقيض سماحة الإسلام تماما.
إن الجهل بالدين هو المفتاح الذي ينفذ منه (فقهاء) ومنظرو الغلو إلى عقول شبابنا ومراهقينا فيشحنونهم بالحقد والكراهية لأمتهم ولسماحة دينهم فيتحولون إلى قتلة وسفاكين ، يستبيحون دماء وأعراض وأموال كل من لم يلتحق بمعسكراتهم ولم يتشبع بأفكارهم وعقيدتهم الدموية، لذلك فإن طريق الحوار والكلمة الطيبة وتعميق هذا الحوار ليشمل كافة الجوانب الحساسة في جوهر الدين هو أهم طريق يمكن أن يؤدي مع الوقت إلى القضاء على ظاهرة الغلو والعودة بهؤلاء الغلاة إلى سماحة الإسلام.
وأعتقد أن تجربة الحوار مع بعض شبابنا في السجن كانت بناءة وما علينا سوى مواصلتها لنضمن نجاعتها وفاعليتها في دفع الفكر التكفيري والتطرف عن شبابنا، لأنهم في نهاية المطاف ضحايا لا يملكون من أمرهم شيئا وعلينا أن نبذل ما بوسعنا، كل من موقعه ومكانته، لنحارب هذا الغول الأعمى بالحكمة والموعظة الحسنة كما أمرنا المولى عز وجل في أكثر من موضع.
a.moulaye.md@gmail.com
عودة للصفحة الرئيسية