أين كانت وطنية "الحراك"؟ المستهلك: عودة قوية للذبح العشوائي في وقفة المولد مبارك وزمانه مـن المنصة إلى الميدان (الحلقة الأولى) مشاهدات من واقع ولاية إينشيري جميل منصور: اعتقال بيران انتهاك سافر لحرية التعبير الحزب الحاكم: منسقية المعارضة تقف وراء احتجاجات طلاب الجامعة "إيرا" تندد باعتقال وان بيران اعتقال منسق حركة "لا تلمس جنسيتي" الاضطرابات في مالي: ما سر اتهام موريتانيا بإذكاء الحرب؟ "المهني للتعليم العالي" يدعو لمتابعة مثيري الشغب في الجامعة

فى ذكري العاشر يوليو 1978: الرائد جدّو ولد السالك: ذلك الفارس الذي ترجل!/4

خاص "أقلام"

الاحد 1 آب (أغسطس) 2010

خاص "أقلام": "لم تكن عملية النكوص، سهلة بالحد الذي كان متصورا. فقد رفضت شرائح من الشباب، كنا في مقدمتها، الاشتراك في "عرس" التنديد بالنظام المطاح به، وإنعاش برنامج إعلامي عنوانه "جرائم وأخطاء الحكم البائد"، بل ذهب بعضهم إلى الدعوة ضد حلقات تنظيمية، لعلها كانت الشكل الجنيني لـ "لجان التطوع" و"هياكل تهذيب الجماهير" سيئتي الصيت التي أرادها الوافدون على السلطة قواعد مدنية لحكمهم"

كان الرائد جدو ولد السالك، أحد الشباب القوميين الذين أنبتتهم ثانوية نواكشوط القومية. وكان يحوم حول "العصبة"(يَحْيَ ـ مَمّدْ ـ بَنْ)، خاصة "ممد" و"بن" اللذين كانا أميل إلى البعث؛ وإن ظلت الألفة سائدة بين الرواد القوميين، دون تمييز، رغم اختلاف مرجعياتهم.

لم تكن صلتي بجدو قوية في البداية. لكن إقامتي بالحوض الشرقي، حيث مضارب القبيلة، مكنتني من معرفة أسرته، وخاصة والده السالك شيخ قبيلة "أولاد بَلّه" الحسانية، وأخاه فالي الذي كان ـ كغيره من أبناء القبائل المحاربة الذين شبوا عن طوق التمدرس ـ جنديا في الجيش.

يومها (1970) كان مشروع الاستقلال ـ على أهميته ـ قد انهار، وتحول إلى نظام استعماري جديد، دخل في أوج أزمته، مشفوعا بجفاف حصد الأخضر واليابس، ودكّ ما لم تسحقه علاقات التبادل الاستعمارية من وسائل الإنتاج التقليدية، فافتقر الريف، وتحطمت العلاقات الاجتماعية فيه، واضمحلت أسس القبيلة.

وظلت ندوب تلك الكارثة غائرة في نفوس الرجال، ترسب حينا، وتطفو أحايين أخرى! خاصة لدى فالي الجندي، الذي انتهر قائده، وأوقفه عند حده الطبيعي، لما رفع عصا الضابط في وجهه، لينال، كغيره من الجنود، نصيبه من الظلم، قائلا: "قف عند حدك! لن أسمح لك بأن تنال مني إلا ما يناله مثلك من مثلي قبل ارتدائنا هذا الزيّ"!

هذا السيد، العزيز في قومه، المهين في كتيبته، الغريب في بيئة العلاقات الاجتماعية المادية الجديدة، غربة المتنبي في شعب بوان، وجد الخلاص النفسي في خطاب الشباب المتمرد، فترك الجيش، وارتبط بي، وبلادجي تراوري (رغم حاجز اللغة)، وكان لادجي ـكما كنت ـ منفيا إداريا في تلك الولاية القصوى.

ومثل فالي، كان جدو. صحيح أنه مثقف، وخريج مدارس وكليات. لكن ثقافته العصرية، وأفكاره القومية التقدمية، ومثل العدل والحرية التي يتوق إليها، ظلت تقارع، في قاع نفسه المضطرمة، فارسا معطى تغذيه الثقافة الأصلية المروية، وتحدوه، أنغام وحكايات صديقه ومطربه الكبير سيد أحمد بن أحمد زيدان، الذي يستحضر ملامح الزمن الحساني البطولي، عبر مقامات "مكه" و"لكنيدية" و"انتماس"، فيتقمص الرائد المثقف الجامح، أو يتقمصه، ما في الشخصية الأسطورية من فروسية، وإباء، وشجاعة، وكرم، وعصيان. رغم تباين العصرين! وهنا تكمن المأساة!

* * *

أذكر أن جدو لما أنضم إلى الجيش، وأرسل في بعثة عسكرية إلى فرنسا سنة 1965، مرّ بنا في "دار الندوة" يودعنا، فأوصيناه أن يجدّ في الدراسة، ويعود بسرعة، ويشارك في تغيير الوضع! وكان الانقلاب، يومئذ، وسيلة التغيير المثلى، في ظل التجارب القومية في المشرق التي كانت مثلنا الأعلى. ولم نلتق بعدها إلا أثناء إضراب 71 حين وجدني في أحد البنوك، وهو يسحب راتبه. كانت حركتنا يومئذ تحت حصار بلغ حد الجوع، تمثل في قطع رواتب جميع المضربين. ولم نكن نملك شيئا. عرض علي مبلغا من راتبه الزهيد تبرعا لحركة تجاوزت طموحاته؛ ومع ذلك، هاهو يتعاطف معها ويدعمها. رفضت أن آخذ منه شيئا. لم يكن مرتاحا لرفضي. لكن ما بيدينا حيلة. هكذا كانت تقتضي أصول ذلك الزمن الفاضل.

وعندما جرح جدو في حرب الصحراء، كنت من بين الذين زاروه في المستشفى، وتعاطفوا معه. رغم معارضة قومي المعلنة لتلك الحرب.

* * *

وفي انقلاب العاشر يوليو، كان الرائد جدو ولد السالك، فكرا وعملا، عنصرا أساسيا في تلك العملية، وإن كان أقل قادتها استفادة شخصية منها. ولعل ذلك راجع إلى صدق الرجل، من جهة، و"تخليه" الباكر عن مراكز قيادة الجيش لشركائه في الحركة، لينيخ أعزل في وزارة الداخلية، التي ربما اختارها، لأسباب سياسية، ظنا منه أن من يسكنها يمسك البلد بأسره، ويخلق قاعدة سياسية للنظام الجديد، من جهة أخرى.

جدو، الذي التقيت به، مرارا، بعيد الانقلاب، في ذلك المنزل الذي ورد ذكره آنفا، وجدته كما عهدته. لم يغيره السلطان. وكان يعتد بنفسه أكثر مما يعتد بمنصبه الجديد.. وهمّّ الوطن شغله الشاغل! فقررت الاتصال به دون غيره والحديث معه في مقر عمله.

كانت وزارة الداخلية تشبه خلية النحل، بسبب وفود العشائر التي تقاطرت على نواكشوط، تقدم آيات الولاء للسلطة الجديدة، ممثلة في وزير الداخلية، بقدر ما كانت تقدمها لـ"النظام البائد" ممثلا في حامل نفس اللقب.

وعندما ضرب لي وزير الداخلية الجديد موعدا في نهاية الدوام، لم يستقبلني في مكتبه، الذي استقبلني فيه سلفه مرتين، قبل اندلاع الحرب، بل أخذني في سيارته إلى فندق صباح على الشاطئ، حيث طلب لنا غداء، ناقشنا أثناءه الوضع، بكل صراحة ووضوح. قدمت له رؤيتي للمخاطر المحدقة بالبلد، مركزا على حداثة عهدنا بالدولة الذي هو سبب هشاشتنا، وضرورة البحث الحازم عن حل شامل لمعضل الصحراء، محذرا من تبني حل جزئي انهزامي، يفقدنا كرامتنا، ويسلبنا جميع أوراقنا، دون الخروج من ساحة الصراع الإقليمي الذي تكتوي بناره كافة شعوب المنطقة. وقد وافقني في الرأي وتعهد لي برفض أي سيناريو للانسحاب الانفرادي من وادي الذهب ما لم يكن ذلك في إطار خطة سلام شاملة. وبقينا على اتصال وتشاور، حتى بعد خروجه من الحكومة. ذلك الخروج الذي لا أستبعد أن يكون من أسبابه الخلاف على الحل الأمثل الذي يجب تبنيه لتسوية مشكلة الصحراء والخروج من الحرب؛ والموقف من الرئيس المختار بن داداه المنفي في قلعة ولاتة!

لم تكن عملية النكوص، سهلة بالحد الذي كان متصورا. فقد رفضت شرائح من الشباب، كنا في مقدمتها، الاشتراك في "عرس" التنديد بالنظام المطاح به، وإنعاش برنامج إعلامي عنوانه "جرائم وأخطاء الحكم البائد"، بل ذهب بعضهم إلى الدعوة ضد حلقات تنظيمية، لعلها كانت الشكل الجنيني لـ "لجان التطوع" و"هياكل تهذيب الجماهير" سيئتي الصيت التي أرادها الوافدون على السلطة قواعد مدنية لحكمهم.

وفي أول ردة فعل للسلطة الجديدة، على التجاهل والرفض الصامت، والناطق حينا، تم اعتقال كل من محمد الحسن ولد لبات ومحمد المختار ولد السعد ذات مساء.

ذهبت إلى جدو الذي كان يومها حديث العهد بالزواج أي "في الأسبوع" حسب التعبير الدارج! استأذنت عليه، فاستقبلني على الفور. كان في خلوة مع أهله، ومع ذلك نهض إلي مرحبا جامعا دراعته بيد، ومسلما علي بأخرى، ووجهه الضاحك مضرج بنيلة لثامه التقليدي. أخبرته الخبر دون أن أجلس، فاستاء جدا وقال لي، وهو يعطي الأوامر هاتفيا بإطلاق سراح المعتقلين فورا: "لقد ولى عهد الاعتقال بسبب الرأي، وولى عهد التعذيب"! ثم أردف: "طالما أنا وزير للداخلية".

وبعد ذلك بأشهر، خرج الرائد جدو من الحكومة مع زميليه سيد أحمد ولد ابنيجاره "بن" ومحمد يحظيه ولد بريد الليل، وبطل حرب الصحراء. وشغل كرسي الداخلية غيره، فعادت وازدهرت ممارسات الاختطاف والسجن والنفي والتعذيب حتى الموت، بسبب الرأي!

وإذا قدر للعاشر يوليو أن يجد قسطا من التحليل والبحث، فإن ثلاثة تيارات ستستوقف الدارس لا محالة، وهي: تيار وطني حالم مغدور (جدو وبنيجاره ـ على بعد البون بينهما ـ ومحمد يحظيه ولد ابريد الليل)، وتيار صحراوي الهوى، جعل الانتماء إلى القبيلة والجهة فوق الانتماء للوطن والدولة!، وتيار الوصوليين والمنتفعين، الفاسدين والمرشحين للفساد، وهم: العناصر العشائرية الأخرى في الجيش، والجناح المدني (حزب العدالة السري، وعناصر "شابة" من هوامش الحركات السياسية الأخرى). وما لبث التياران الأخيران أن تحالفا ضد التيار الأول وأقصياه، بغية إطلاق كل منهما يد الآخر "فيما هاجر إليه"!

وبخروج جدو وصحبه من مركز القرار في حكومة الانقلاب (الداخلية والمالية والإعلام) خلا العاشر يوليو، في عمومه، من كل مضمون وطني جمعي (فكرة الدولة والوطن)، وأصبح عمليا ـ بغض النظر عن نوايا القائمين عليه ـ مجرد ثأر وتصفية حساب تاريخي مع ظاهرة الدولة والنظام الجديدة على مجتمع البيظان، ورجوعا سحيقا إلى عهد القبلية والفوضى والسيبة والغصب الذي جسدته ظاهرة "الكزرة" في كل شيء، التي سادت طيلة الثماني وعشرين سنة المنصرمة.

ومن أغرب ما في الأمر أن إقصاء جدو من الحكومة جرى في ظل حملة تشهير مغرضة، هدفها النيل منه، كان من آيات إفكها الزعم "أنه أقسم أن يبطش بأهل القبلة، الذين هم عدوه الأول، وأن يجعلهم تحت أقدامه"! تماما كما روّج من قبل عن الكادحين للنيل من سمعتهم، وعزلهم: "المرأة التي بالت على المصحف". وكما يروّج الآن عن أحمد ولد داداه من "استخفاف بأهل الشرق"! وعن مسعود ولد بولخير الذي يقدم إلى مجتمع البيظان في صورة غول شرس يهدد بابتلاعهم عن آخرهم! نفس الحملات المضللة، ونفس الآليات الرهيبة، ونفس الأجهزة الفاسدة التي لا ترعوي ولا تريم وتستعصي على الإصلاح!

* * *

ترى هل أتحمل نصيبا من مسئولية موت جدو المبكر، واختفائه المفاجئ حين كان وطنه في أمس الحاجة إليه؟ وما ذا كان سيكون وجه موريتانيا لو بقي القطب الثالث في العاشر يوليو: الرائد جدو ولد السالك على قيد الحياة؟ سؤالان دأبت طرحهما على نفسي، من وقت لآخر، كلما تذكرت ذلك الفارس الذي ترجل قبل الأوان، وفكرت في تلك الحقبة من تاريخنا! ذلك أني زرت المرحوم جدو، ذات مساء قبيل وفاته، وهو يسكن مع زوجته في بيوت متواضعة من حي "ج". وبعد حديث مستفيض عن الوضع، أقسم لي، بصراحته المعروفة، أن القابضين على السلطة لن يحتفلوا بالذكرى الثانية للعاشر يوليو الذي سرقوه. إلى هذا الحد لا يكتسي الأمر خطورة قصوى. ولكن القدر تدخل عندما التقيت وأنا خارج من عنده رجلا كان ينتمي لحزب الشعب المحلول ويظهر أنه باق على الإخلاص له. سألني الرجل من أين خرجت؟ فقلت له بعفوية: إني خارج من عند الرائد جدو الذي يبدو أنه لم يكن يعرفه. وهذا أمر غريب. فأعرب لي عن رغبته الجامحة في التعرف عليه. فرجعت معه، وكان جدو ما يزال واقفا بالباب، فقدمت كلا منهما للآخر، وانصرفت. وبعد يومين لقيت ذلك الرجل، فشد على يدي، وشكرني بحرارة، على الخدمة التي أسديت له! وأخبرني، وكأنه عثر على كنز، بأن جدو ذكر له ما ذكر لي.

وبعد مدة من ذلك اللقاء، توفي جدو رحمه الله يوم 1/12/79 في حادث سير وقع قرب شكار، وهو متوجه إلى النعمة لزيارة والده المريض!

ورغم أن نتائج التحريات التي قام بها أخوه النقيب المختار ولد الساك قد أقنعته بأن موت أخيه طبيعي، وقضاء وقدر، فإن هناك من يشك بأن الرائد جدو كان ضحية عملية اغتيال دبرت بإحكام كغيرها من الحوادث المشبوهة. ودليله على ذلك، خطورة السر الذي باح به جدو، والذي يستند، حسب ما هو معروف اليوم، نقلا عن بعض المقربين منه، إلى وقائع مادية تمثلت في عمل منظم ومتقدم جدا كان على وشك الحدوث؛ ثم كون السيارة التي أقلته كانت تابعة لإدارة أمن الدولة التي أعارته إياها، يوم سفره، لإنجاز تلك الرحلة، وكان يقودها شرطي لم يصب بأذى!


عودة للصفحة الرئيسية