أين كانت وطنية "الحراك"؟ المستهلك: عودة قوية للذبح العشوائي في وقفة المولد مبارك وزمانه مـن المنصة إلى الميدان (الحلقة الأولى) مشاهدات من واقع ولاية إينشيري جميل منصور: اعتقال بيران انتهاك سافر لحرية التعبير الحزب الحاكم: منسقية المعارضة تقف وراء احتجاجات طلاب الجامعة "إيرا" تندد باعتقال وان بيران اعتقال منسق حركة "لا تلمس جنسيتي" الاضطرابات في مالي: ما سر اتهام موريتانيا بإذكاء الحرب؟ "المهني للتعليم العالي" يدعو لمتابعة مثيري الشغب في الجامعة

حصاد الخمسين: تحليل لنصف قرن من عمر الدولة الموريتانية (1)

الحلقة الأولى

الجمعة 20 آب (أغسطس) 2010

إنجاز: الشيخ ولد لحبيب

1 / لوحة لواقع متعدد الرؤى: إن الحديث عن تاريخ أي مناسبة وطنية مهمة، وربطها بواقع رقم معين أو تاريخ محدد، هو أمر لا يحبذه الكثير من الدارسين الأكاديميين والمثقفين المحللين للتاريخ السياسي، غير أننا في اقترابنا التأملي من الذكرى الخمسين لاستقلال موريتانيا، والتي ستحل بإذن الله بعد أشهر قليلة، نحاول أن نستشف مكمن ذلك القلق أو التساؤل المتوجس من المستقبل: ماذا بعد خمسين سنة من الاستقلال؟بل ماذا تعني الذكرى الخمسين لميلاد الدولة للذهنية العامة الموريتانية؟

أردنا أن نتعرف على خلفية الرأي العام حول هذه المسألة ، وكيف يقيم المواطنون العامة من غير المحترفين للتنظير السياسي تاريخ الخمسين عاما؟، وكيف يؤثر بشكل مباشر في واقع حياتهم الآني ، وأسلوب تعاطيهم مع الأمور، كل ذلك في سبيل صياغة تتماهى مع مفاهيم الرأي العام، وتصلح لأن تكون موضوعا جيدا لحوارنا مع النخبة المثقفة، وممارسي العمل السياسي، الذين من المفترض أن يكونوا قادرين على تقديم إجابات مطمئنة، تلغي هاجس الخوف من بلوغ الخمسين وما بعدها.

لذا كان من الطبيعي في البداية أن نقترب كثيرا من مشهد المواطن المولود سنة 1960 : اسمه عبد الله ، يسكن في حي عشوائي يطل على طريق الأمل، يقف عبد الله كغيره من المواطنين كل صباح على ناصية شارع الأمل، ويدركون تماما أنه أطول شارع في بلادنا التي ستكمل عامها الخمسين يوم 28 من نوفمبر 2010 بحول الله ، يستقل الرجل سيارة أجرة متجها إلي قلب العاصمة العجوز، ينطلق النقاش في السيارة حول أمور عديدة، ترتبط كلها عند عبد الله بالذكرى الخمسين لميلاده، لأن ذلك يتماهى تماما مع ميلاد الوطن، يدور النقاش في البداية حول العملية العسكرية الأخيرة التي شنتها قواتنا المسلحة ضد تنظيم القاعدة، ثم ينتقل بسرعة ليضع خطوطا عريضة تحت أهداف ومرامي هذه العملية ، ثم يعرج على سؤال كبير: كيف تبني دولتنا علاقاتها مع فرنسا؟، وهل نعود بعد خمسين سنة إلي حظيرة الدولة التي تخدم مخططات المستعمر السابق؟ يري عبد الله بمرارة أننا لا نعرف بالضبط ماذا نريد؟، ولا كيف نفعله؟، يستمر الحوار محملا بالنفس الجديد ليكشف عن عمق الأزمة التي نعيشها كمجتمع " حسب المتحاورين" فنحن كما يري أحدهم ينبغي أن نحدد مبدئيا أي مجتمع نحن؟، ويري أن الأزمة ناتجة أساسا عن غياب منظومة تعليمية واضحة الأهداف والوسائل، ويقترح في هذا الإطار أن نحدد من خلال تعليمنا ، نوع المجتمع الذي نريده: هل هو مجتمع مصفقين؟ هل هو مجتمع لصوص؟ أم هو مجتمع يعرف بالضبط إكراهات العولمة ومستعد لمواجهتها؟

تمضي سيارة الأجرة لتمر في طريقها بأكثر من لافتة إعلانية لشركة اتصال شهيرة، كتب عليها بخط بارز أن تلك الشركة تستعد للاحتفال بعيدها العاشر، وأن موريتانيا تستعد للاحتفال بعيد استقلالها الخمسين، ينهمك الركاب مرة أخرى في نقاش الفائدة التي ستجنيها شركة الاتصال من ربط عيدها بعيد الاستقلال، وكيف أن ذلك يكشف إلي أي درجة توظف شركات الاتصال كل الرموز الوطنية ، بغية تسويق تجارتها، ثم ينحرف النقاش بتداع منطقي إلي واقع الاتصالات في هذا البلد ومدى مساهمتها في تطوير اقتصاده، ثم مدى تأثيرها على السلوك الاقتصادي العام؟ ، فقد كان هناك رأي يري أن شركات الاتصال استغلت النزعة الاستهلاكية لدي المواطن الموريتاني طيلة العشر سنوات الفارطة، وهناك من يري علي العكس أنها وفرت ربطا كاملا ومتكاملا لكافة أرجاء ونقاط هذا البلد المليوني المساحة ، والصحراوي الأرض، ثم يضيف صاحب هذا الرأي أن البلد بإمكانه أن يستغل تطور الاتصالات كأساس في كل سياسة اقتصادية، لكن السؤال الذي يثير الكل ويخرج أضغانهم هو : هل لبلدنا سياسة اقتصادية محددة المعالم؟؟؟، وهل هي نتاج لتراكم اقتصادي طيلة سنوات عمره التي تشرف بعد أشهر على الخمسين؟؟؟ ...ما يثير القوم هو تذكر واقعهم المعيشي، فهذا يطنب في وصف سرعة ارتفاع الأسعار، وذاك يري أن الدخل جامد وأن الدولة تزيد فقط الضرائب، أما المواطن عبد الله الذي يتهيأ لمغادرة سيارة الأجرة ، فيرى بشكل سريع أن الخمسين عاما التي يشتركها مع هذا الوطن لم تحمل له ولأسرته الواسعة أية آمال، وأنهم في حيهم العشوائي ينتظرون بفارغ الصبر أن يروا دولتهم تعالج واقعهم الاقتصادي المهترئ، وتدخل في متاهات ضروراتهم العاجلة. كان علينا بعد أن وصلت السيارة إلي قلب العاصمة أن نذهب إلى واقع النخبة العاملة والمهتمة بالميدان السياسي والاقتصادي والاجتماعي ، وكان علينا بعد أن شهدنا كل الآراء السابقة أن نفتح كل تلك الملفات وغيرها، وبشكل تحليلي معمق ،يستطلع آراء تلك النخبة، كان علينا أن نعرف نحن ومواطنونا: كيف سار هذا البلد طيلة خمسين عاما وكيف يمكن أن يسير بشكل أفضل طيلة ما بقي من عمره المقدر والمكتوب؟؟؟؟

قررنا إذن أن نفتح الملفات الكبرى في هذا البلد والتي تتعلق بتنميته واستقراره، وذلك في سلسلة حلقات متتابعة ومعمقة بإذن الله، وتبتعد عن القراءات الأيديولوجية للتاريخ، وتتجنب لعبة تحميل المسؤولية لنظام سياسي معين خدمة لنظام آخر، ثم قررنا أن نخصص هذه الحلقة الأولى، لاستعراض تحليلي لأبرز الملفات، دون أن يعني ذلك أننا نراها وحدها الجديرة بالنقاش، ولكننا سنحاول أن نكمل دائما الجوانب الناقصة ، ونضيء باستمرار المناطق المعتمة من تاريخ الخمسين عاما الماضية.و سيكون مرورنا التمهيدي الآن على ملفات ظلت حتى اليوم شائكة ومعقدة مثل: الحالة الاقتصادية للمواطنين وتبعيتها للسياسات الإستراتيجية الاقتصادية المتغيرة ، والتعليم ودوره في بناء المجتمع الأمثل ، والعوائق الاجتماعية والثقافية كظاهرة العبودية وملف استهداف الزنوج في فترة محددة من تاريخنا، ثم ملف العلاقات الخارجية الموريتانية بجميع أبعادها السياسية والاقتصادية والعسكرية، ومن ينتج عنها من تأثيرات على العملية التنموية برمتها، ولن ننسى بطبيعة الحال تلك الظاهرة التي شكلت ما يزيد على أكثر من النصف من عمر دولتنا لحد الآن، ألا وهي ظاهرة الانقلابات العسكرية والتي توشك بلادنا أن تحطم فيها الرقم القياسي العالمي.

2/ سنوات في حسابات الوطن:

ستكتمل السنوات الخمسون بعد أشهر قليلة بإذن الله، وستعيد للأذهان ذكرى صحراء شاسعة وخيمة يتيمة وسط الرمال ، ورجال أبوا إلا أن يمسكوا بتلابيب الحلم ويجبروه على النزول إلى أرضهم،.... وتحقق المأمول ،...قامت على أرضنا الجمهورية الإسلامية الموريتانية، بمساحة تتجاوز المليون كلم مربع، وسكان يفتقدون في معظمهم لثقافة الدولة المركزية ،وأساليب التعامل مع الوطن،وفقه الولاء له قبل أي بنية مجتمعية أخرى، ويرى بعض المحللين أن السبب الأساسي في هذه العلاقة المشوهة بين السكان والدولة الحديثة، يكمن في عدة أسباب ، من بينها تلك الذهنية التي خلفها التعامل مع سلطة المستعمر االفرنسي، حيث أن السكان كانوا ينظرون إلى الدولة باعتبارها " مخزنا" فقط، كما كانوا يحتفظون في لا وعيهم بقدر كبير من البغض لهذا الكيان ذو القوة الباطشة، ثم لم يستطع السكان أن يتجاوزوا تلك العقلية في تعاملهم الأول مع السلطة الوطنية الوليدة، لأنهم حسب بعض هؤلاء المحللين، لم يشاركوا بشكل فعال في انتزاع الاستقلال السياسي، ولم يكن هناك في المخيال الشعبي العام ، صورة جاهزة وملحة لدولة وطنية تتجاوز واقع الاستعمار، ويضيف هؤلاء أن تلك الدولة الوطنية الوليدة، إنما أنشئت فقط كتسوية سياسية بين المستعمر و مجموعة من النخبة الموريتانية المثقفة ، والتي استطاعت الاستفادة من الظروف التاريخية والجيوسياسية التي يمر بها المستعمر الفرنسي، فقامت باقتراح الاستقلال عن فرنسا كمطلب مهم ، وحل معقول للطرفين.

وبغض النظر عن صحة هذا التحليل التاريخي، فإننا يمكن أن نلاحظ بوضوح أن الدولة الموريتانية بدأت منذ ولادتها، في اتخاذ إجراءات قد ينظر لها أنها لا تعكس واقع السكان ، وخصوصا في المجال الاقتصادي، ولقد استمر الفكر الاقتصادي الوطني طيلة هذه السنوات حائرا ومتذبذبا: هل هو فكر اشتراكي؟ هل هو فكر ليبرالي واقتصاد سوق بحت؟ أم هو فكر دولة تدخلية تسعى لممارسة الليبرالية الاجتماعية؟؟؟

أولا: خيارات المراحل الاقتصادية:

يعني مصطلح السياسة الإستراتيجية الاقتصادية : مجموعة الإجراءات الممتدة على فترات طويلة، والهادفة إلى حصر حاجات الناس وتلبيتها أولا بأول،ويعتبر بعض المحللين أن هذا المفهوم لم يكن غائبا في مجمل القرارات السيادية التي كانت الدولة الموريتانية تتخذها طيلة السنوات المنصرمة من عمرها، لكنهم يرجحون أن وجود هذا المفهوم لم يكن مفعلا بسبب طغيان العنصر السياسي في تقييم الأمور والأحوال، في حين يري بعض المحللين الآخرين أن التخبط والارتجال والآنية، كل ذلك كان سمة بارزة لكل القرارات الاقتصادية، ويستدلون على ذلك بأن تاريخ القرارات الاقتصادية الكبرى يؤكد ذلك، فلقد قامت الدولة الموريتانية بمجموعة إجراءات تعكس سياسة اشتراكية متبناة من طرفها، فلقد كان تأميم ميفرما ، واتجاه الدولة إلي التدخل كوكيل اقتصادي، وذلك من خلال استثمارها في قطاعات الزراعة وكذلك في مجالات الصناعة، حيث أنشئت الدولة مجموعة مشاريع كمصنع السكر ومصفاة النفط ومشروع تحلية مياه البحر وشركة توزيع الأدوية " فارماريم". وشركة النقل العمومي وشركة الحديد والصلب و....، لقد كانت الدولة آنذاك تسعى بالتأكيد لتطبيق سياسة المشي على القدمين معا، وهي سياسة انتهجتها جمهورية الصين الشعبية ، وتقضي بتكثيف الاستثمارات في مجالي الزراعة والصناعة معا، هذا بطبيعة الحال يتم وفق سياسة تقضي بملكية الدولة لكل عوامل الإنتاج، ثم جاءت فترة الإصلاحات الهيكلية الاقتصادية لتعمق الأسئلة المطروحة عن هوية اقتصادنا ومدى ملاءمته لواقع السكان ومقدراتهم، وواقع الثروات الموجودة في هذا الوطن، لقد باتت دولتنا بين عشية وأخرى تنحو نحو الليبرالية، دون أن تحقق روحها كما يرى بعض المحللين لهذه الفترة، فهي حررت السوق ، غير أنها شكلت بقصد أو بدون قصد احتكارات أو كارتلات هائلة، تتحكم في أرزاق الناس، وفي أسعار المواد الضرورية لحياتهم، وبالتالي تحرمهم من الهدف الأساسي للتنمية ولأي خطة اقتصادية وهو: الرفاه والاستقرار، ولتستمر دوامة الأسئلة الحائرة عن هوية ومر دودية اقتصادنا على المدى الآني والاستراتيجي؟ إن نقاشنا الأساسي حول هذا الملف سيكون مساءلة لهذه الخطط الاقتصادية المعتمدة من طرف الدولة ومن طرف المنظرين لتنمية هذا البلد، وسيكون بالتأكيد مساءلة لدور رأس المال البشري وكيف يتم إعداده لخدمة الأهداف الاقتصادية؟ وهذا سيقودنا بالطبع لفتح ملف إشكالي آخر هو ملف التعليم.

ثانيا:فصول العملية التعليمية:

منذ أن حققت اليابان طفرتها الاقتصادية الضخمة، وصارت من أقوى الاقتصاديات في العالم، بدأ العالم ينتبه لدور الكادر البشري المجهز والمدرب،في عملية التنمية وصناعتها، ذلك أن اليابان لم تكن تتوفر على ثروات طبيعية، ولقد كان خيارها الاستراتيجي هو تطوير مناهجها التعليمية ، وصناعة الإنسان القادر على التعامل مع التكنولوجيا وتطويرها وتطويعها، لتخدم مجتمعه، لقد كان الإنسان الياباني هو العامل الأول والأهم في رأس المال الياباني، ولقد قدمت اليابان النموذج العملي لما يمكن أن يقدمه التعليم للأمم السائرة نحو النمو والنهضة، لذا كان من الطبيعي أن نتجه حثيثا لدراسة ملف تعليمنا، ولمعرفة الناتج البشري المكون طيلة خمسين عاما؟ هل نتوفر نحن على رأس مال بشري مجهز ليواكب ويطوع عصر الثورة العلمية الثالثة" ثورة الاتصالات"؟؟

سؤال تبدو إجابته واضحة لكل الناس، لكن السؤال الأهم قطعا: هو لماذا لم نتمكن من تقديم نظام تعليمي موريتاني يخدم أهدافنا التنموية؟؟؟

لقد كان الارتجال سمة كل البرامج والإصلاحات التربوية المنجزة حتى الآن، هكذا يلخص الخبراء في قطاع التعليم حالته، ثم يضيفون أنه يجب أولا معرفة هل التعليم ملف سياسي، أم وسيلة تقنية تخدم التنمية؟؟؟ يرى هؤلاء أن التعليم ظل حتى الآن ملفا مرتهنا لدى السياسيين ، يربطونه دوما بصراعاتهم حول الهوية ، وحول الجعرافيا السياسية لهذا البلد، لكننا سنتساءل هنا : هل يمكن فصل نوع التعليم المراد إنجازه عن مسألة الهوية؟؟؟ وكيف نربط نظامنا التعليمي بنوع المجتمع الصالح الذي نريد إنتاجه خلال السنوات السابقة؟؟؟ وهل يمكن أن نقفز على ثنائيات اللغة والعرق؟؟ أم أنه يمكن تحويلها إلى مصدر إثراء لطاقاتنا البشرية؟؟؟ هي أسئلة من الواضح أنها ملتبسة بإشكاليات ملف أصطلح على تسميته بملف الإرث الإنساني.

ثالثا: ألوان الفرقة والتوحد:

يبدو من الصعب معرفة ما إذا كانت هناك جذور تاريخية عميقة لأحداث 1966 ، إن التحليل التاريخي لعلاقة السكان بعضهم البعض، ينتج عند بعض المحللين انطباعا عاما أن هؤلاء السكان يتعايشون بينهم ، وأن إرادة هذا التعايش أقوى من كل الخلافات والاختلافات الضيقة، لأنها مرتبطة ببساطة بضرورات الحياة اليومية العاجلة، ولأن العادات والتقاليد والذهنيات الثقافية لمكونات الشعب الموريتاني، تشترك في كثير من المنطلقات وحتى الأهداف، ومع كل ذلك يبدو طافيا فقط على السطح حالة من التشنج والترقب، من أين أتت تلك؟؟ ومن المسئول عن تغذية حالة الفرقة وتمزيق ألوان التوحد؟ وهل من دور للمؤامرة الخارجية؟؟؟ وهل نجح النضال الحقوقي والسياسي في تخفيف أو حلحلة هذا الملف الإنساني؟؟؟

يري محللون آخرون أن أحداث 1966 وأحداث 1989 التي أفرزت واقع المبعدين من الزنوج نحو مالي والسنغال، وأفرزت أيضا واقع الذين قتلوا من الزنوج إبان تلك الحقبة،بالإضافة لملف العبودية والممارسات المرتبطة بها،والأحوال الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عنها، كل ذلك أوجد واقعا ملموسا من المعاناة، وعوائق جدية في طريق بناء الإنسان الموريتاني القادر على صهر ثقافاته المختلفة في بوتقة خدمة الوطن وأهله.

إن الكثيرين يرون تلك الملفات الإنسانية ملفات سياسية ، لأن أنظمة سياسية بعينها تعبر مسئولة عن تغذيتها، وتعميقها، ولعل بعض الانقلابات العسكرية تبقي متهمة بشكل أو بآخر بلعب دور في اتساع تلك الجراح، ولعل من المفيد التساؤل هنا عن دور العسكر في هذا الملف؟ وكيف ساهم تعاملهم معه في تطوره؟؟؟؟

رابعا: بيان بانقلاب الأمور:

لم يعد المواطن الموريتاني يتفا جئ كثيرا لدى سماعه انقطاع البث في الراديو أو التلفزيون، لقد صار بإمكانه أن يتوقع الأمر : إنه انقلاب عسكري، وسيسمع هذا المواطن كثيرا من سيئات وعيوب النظام المخلوع الذي كان يحكمه، وكانت وسائل الإعلام تضعه في مرتبة العصمة، إن هذا السلوك الإعلامي يلغي عن قصد أو بدون قصد جزءا من ذاكرتنا التاريخية بمنتهى البساطة، ولعل هذا ما يجعل المحللين يضعون ظاهرة الانقلابات العسكرية في رزمة معوقات التنمية المستديمة.

إن المواطن الموريتاني يهمه في أفق مرور خمسين عاما على تشكل دولته ، أن يطمئن إلى إجابة واضحة لسؤال بارز: متى تنتهي ظاهرة الانقلابات العسكرية في بلادنا؟؟ أو بعبارة أخرى متى يتخلي بعضنا طواعية عن تمجيد رهانات القوة النيتشوية؟؟ .

لن تكون هذه بطبيعة الحال كل الملفات التي سنحصر حولها بحثنا وتساؤلاتنا، فهناك دائما مساحة مفتوحة لكل ما يمكن أن نستفيد من نقاشه، لأننا لا نريد أن يمر نصف القرن هذا دون أن نعتبر من أحداثه،ودون أن نستفيد من التقويم النخبوي لها ، من أجل صناعة رأي عام يتفق مع نقاط التوافق، ويقرب أبعاد الخلافات بين السياسيين المسئولين عن صياغة وتنفيذ مستقبلنا المشترك، إنها محاولة منا لدخول المستقبل بثقة واعية بالماضي والحاضر ، وما يمكن أن ينجز اعتمادا عليهما. فانتظرونا بحول الله في الحلقات القادمة لنقاش هذه الملفات وأكثر.


عودة للصفحة الرئيسية