حصاد الخمسين: مال... وبنون تجاوزوا سن الرشد/2
تحليل للرؤية الإستراتيجية الاقتصادية
الجمعة 27 آب (أغسطس) 2010
 |
|
بقلم: الشيخ ولد لحبيب |
هل فجرت عملية القاعدة الانتحارية في النعمة دهشتنا كموريتانيين؟.. وهل فجرت عملية "السفارة الفرنسية" قبل ذلك بنحو سنة حيرتنا واستغرابنا؟ هل جعلتنا كل تلك العمليات نصرخ ولو في أعماقنا: من أين يكتسب هؤلاء القدرة المدمرة على تجنيد الشباب الموريتانيين؟... إذا كان ذلك قد حدث فهو يتضمن اعترافا صريحا بعجزنا كمجتمع "حكاما ومحكومين"، عن معرفة سر قوة " القاعدة" الرهيبة، وسر اختراقها المتواصل لعقول شباب موريتاني يعيش زهرة عمره.
يفزع بعض الذين يرغبون في تحليل الأمور إلى ربط " قدرات القاعدة الاختراقية التجنيدية" بحالة الفقر واليأس التى يعيشها غالبية شبابنا ، الذين يعيشون في العشرينات من السنوات، ورغم أن بعض المنظرين لعمق خطاب " القاعدة" ، ينفي تلك العلاقة السببية بين المستوى الاقتصادي وبين الانتماءات "المتشددة"، ويرى أن للأمر أبعاده الفكرية والسياسية وحتى الدينية الأكثر تأثيرا. ورغم ذلك فإننا سنتجاوز حالة الخلاف تلك، وسنقرر أن نخوض في عمق المسألة الاقتصادية الموريتانية، وفيما تخلفه من جراحات على قطاعات عريضة من المجتمع الموريتاني، كانت توصف يوما ما بالطبقة المتوسطة، ثم سنرى تأثيرها الكارثي على الطبقات الفقيرة أو الموجودة تحت كل خطوط الفقر، ولعل استعراض تاريخ الاقتصاد الموريتاني طيلة ما يقارب الخمسين سنة، أصبح أكثر إلحاحا في ظل هجرة الشباب نحو القاعدة أو نحو تهريب المخدرات أو السلاح أو حتى في مطاردته للمجهول في بلاد الله الواسعة، أو أو أو.. .إننا نريد من خلال ذلك أن نفهم بالضبط: كيف يصل بنا الحال المعيشي والاقتصادي إلى هذا المستوى الذي نعيشه الآن، رغم كل السياسات والبرامج الاقتصادية، ورغم الإطار الاستراتيجي الوطني لمكافحة الفقر والذي سينتهي في 2014، ورغم توفر موارد ومواد أولية تعتبر كافية لبناء اقتصاد يكفي ثلاثة ملايين نسمة ، هي كل ساكنة موريتانيا؟
1.فوهات صحراء " الموت" السائبة:
عندما سئل الرئيس محمد ولد عبد العزيز في برنامجه "لقاء الشعب" ،عن مصير ال50 مليون دولار المثيرة للجدل قال : لقد تم إنفاقها على الجيش، آنذاك لم يستغرب أحد التصريح ولم ينتبه إلى مضامينه الإستراتيجية الخطيرة على اقتصاد البلد، لأن موريتانيا كانت عائدة من عملية ناجحة ضد معسكر للقاعدة في الأراضي المالية، أما اليوم فإن القاعدة شنت هجوما انتقاميا على ثكنة للجيش الموريتاني، ولم تتكلف "إذا استثنينا قيمة حياة الانتحاري منفذ العملية" سوى بضعة ملايين من الأوقية الموريتانية وليس الدولار الأمريكي، والسؤال هو: كم ستتكلف الخزينة العامة الموريتانية من ملايين الدولارات لتدعيم جيش أريد له أن يخوض حربا ضد عدو مكلف؟ أو بعبارة أخرى كم سيتحمل اقتصادنا المنهك من الأعباء الجديدة كي يتحول إلي اقتصاد حرب ضد القاعدة؟ وهل سيتحمل المواطنون فاتورة تلك الحرب، هذا يعني بطبيعة الحال كما هو معروف أن تزيد نسبة الأموال المقتطعة لصالح الحرب على القاعدة، وتنقص بالتالي النسبة الموجهة لقطاعات حيوية كالتعليم والصحة والأمن الغذائي، يرى بعض المحللين أنها حالة اقتصادية ملتبسة بفكر يشبه فكر من خططوا لحرب الصحراء، ثم يرون أن الإعانات الحكومية ومدى قدرة الدولة في التدخل لضبط السوق سيتراجع لصالح المحتكرين ووحوش الليبرالية المفترسة للفقراء، ويضيفون أن ذلك سينعكس على الانجازات المطلوبة في أربع سنوات بقيت من برنامج الإطار الوطني الاستراتيجي لمحاربة الفقر، ويستشهدون على ذلك بتراجع الدولة عن ضمان توفير السكن لعمالها ، وتوزيع علاوة لا تتماشي مع أسعار الإيجار السائدة في السوق..
غير أن بعض الخبراء الاقتصاديين الذين إلتقيناهم في إطار إعدادنا لهذا الملف لا يرون الصورة بمثل تلك القتامة، بل على العكس يرون أن الدولة تبدي انحيازا أكبر لضبط السوق، وتطبيق إصلاحات تتمثل في محاربة الفساد، وضبط تسيير ميزانيات الدولة ومواردها. ويشدد أحدهم على أن الدولة الموريتانية تسير في ظل سياسة الحرب على الفساد التى يقودها الرئيس الجنرال محمد ولد عبد العزيز، إلى إنتصار حقيقي يمكن من ضبط القدرات التسييرية لموارد الدولة، وسيمكن بحول الله من رسم وتنفيذ سياسات اقتصادية محكمة تعود بالنفع على الفقراء....
غير أنه بعد هذه الحرب المعلنة على "القاعدة" وما تتطلب من تكاليف وتجهيزات عسكرية وأمنية، قد تتزايد خصوصا بعد عملية النعمة الانتحارية، بعد كل ذلك يتساءل المواطن العادي: أي الحربين أكثر أولوية وإلحاحا؟ وأيهم الأجدر بأن نسجل فيها الانتصار الأول: الحرب على الفساد أو الحرب على القاعدة؟
في واقع الأمر يلتبس الأمر كما أسلفنا بفوهات صحراوية سائبة توشك أن تبتلع موارد الجمهورية الإسلامية الموريتانية، ويرى بعض الحكماء أن لابد من الرجوع للتاريخ كي يقول لنا شيئا،...هل سيقول أكثر من كون إقتصادنا الوطني ظل دوما استثنائي النشأة، ومحكوما دوما بظروف خارجية على جغرافيتنا السياسية؟ هذا أحد الاستنتاجات التي يحلو للبعض أن يرددها، تماما كما يحلو للبعض أن يعود للمدرسة التاريخية الاقتصادية ليتبين كيف تسير أحوالنا المعيشية والتنموية قبل حلول الخمسين عاما بأشهر قليلة؟
2.التاريخ = صفرا؟
بعد خمسين عاما هل يمكن القول بأن موريتانيا بلد فقير؟ ... هكذا يصنفها تقرير النمو الصادر عن الأمم المتحدة، لكن المأخذ الأساسي على مثل هذه التصنيفات هو تمسكها الجامد بالنظرية الكلاسيكية التى تربط التنمية بمعدلات التراكم الرأسمالي، وتتجاهل بالتالي تأثير الخطط الاقتصادية على حياة الناس، كما تتجاهل واقع كل بلد وحاجياته التي قد تملي عليه رسم سياسات خاصة لا تظهر مؤشرات سريعة وكلاسيكية، فهل كانت دولتنا في يوم ما كذلك؟ هل كانت لنا في أي يوم خطط اقتصادية خاصة بنا ،تستجيب لنوعية المطالب الحياتية في هذه البلاد المتنوعة الموارد ؟
يرى أحد الخبراء الاقتصاديين الذين استطلعنا آراءهم، أن الإدارة الموريتانية مرت بعدة مراحل في إطار رسمها ومعالجتها للسياسات الاقتصادية الوطنية
أولا: مرحلة التكوين والنشأة
وفيها كانت الدولة الموريتانية مطالبة بتحقيق استقلالها الاقتصادي ، ولقد تميزت تلك المرحلة بقرارت اقتصادية مهمة منها تأميم ميفرما لتصبح الشركة الوطنية "اسنيم"، كذلك انشاء عملة وطنية والخروج من منطقة الفرنك،ثم مراجعة الاتفاقيات التجارية والمالية مع فرنسا، وكذلك الانفتاح على الاستثمارات العربية والدولية في مجالات الصناعة والزراعة، ثم يوافق الخبير والمحلل الاقتصادي على أن بلادنا في تلك المرحلة لم توفق في رسم سياستها الاقتصادية الخاصة بها ، وأنها حاولت محاكاة سياسة الصين الاقتصادية التي تعتمد على الاهتمام بالصناعة والزراعة في آن واحد، في حين كان عليها أن تهتم أكثر بالمجال الزراعي لأنه أقرب إلى العقليات والذهنيات الانتروبولوجية التى تسود السكان آنذاك، كما أن حجم الموارد الزراعية المتوفرة كان مغريا بالتخطيط لتحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال الغذاء، وفي مجال الصناعات الزراعية عموما ، هذا إضافة إلى الثروة الحيوانية الهائلة التى كانت متوفرة آنذاك،
وحينما لم تفعل الدولة الموريتانية آنذاك ما هو مناسب لطبيعة وموارد ترابها وشعبها، جاء الجفاف في السبعينات من القرن الماضي ثم قررت الدولة الوطنية آنذاك الدخول في حرب الصحراء مع ثوار البوليساريو، وكان كل ذلك بمثابة الضربة القاضية أو المشوهة بشكل كبير لجهود التأسيس.
ثانيا: التخطيط والاصلاح الهيكلي
كانت فترة الثمانينات من القرن الماضي أي بعد قدوم نظام الرئيس العقيد معاوية ولد الطايع ، بداية تحول جذري في الرؤية والمناهج الاقتصادي، فلقد تحول الاقتصاد الوطني إلى تشجيع الليبرالية المتوحشة ، ولقد تخلت الدولة في إطار ما عرف ببرامج الاصلاح الهيكلي عن غالبية الشركات والمؤسسات التي كانت تملكها أو تملك غالبية أسهمهما أو رأس مالها، ولقد جاء ذلك بالاتفاق مع البنك الدولي ، وتزامن مع فترة دولية تميزت بإنهيار وتداعي المنظومة الاشتراكية الدولية ، وانتصار الدول الرأسمالية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما أدى إلى هيمنة مؤسسات بريتون وودز على القرار الاقتصادي في الدول النامية أو التي تريد النمو.
لقد أدى ذلك الاتجاه إلى تعميق الجراح الاقتصادية لدولتنا ، وإلي خلق أوضاع معيشية للسكان الذين أجبرهم الجفاف على النزوح نحو المدن الكبرى بحثا عن طريقة مختلفة للحياة، ولأن الدولة لم تتحمل تكاليف اسكانهم وتوفير العمل لهم أو للقادرين منهم ، ولأن القطاع الخاص لم يكن مؤهلا تقنيا وأخلاقيا لقبول هذه الوفرة العمالية، فقد شكل هؤلاء حزاما عشوائيا أحاط بالمدن الكبرى ، وأعاق الخدمات العامة فيها " على قلتها" ، وأربك كل التخطيطات الاقتصادية ، وخلق حالة فقر مزرية ، ونموا مطردا للقطاع غير المصنف.
غير أن المشكلة الأبرز والتي إنعكست على أحوال السكان هي غياب البعد الاجتماعي في ظل السياسة الاقتصادية المطبقة آنذاك وهو ماسمح شيئا فشيئا في انهيار الطبقة المتوسطة ، والتى كانت تشكل الدرع الثقافية والاخلاقية للمجتمع.
ثالثا: مرحلة الإطار الوطني الاستراتيجي لمكافحة الفقر
يرى الخبير الاقتصادي في تحقيبه هذا أننا الآن مازلنا نعيش مرحلة الأربع سنوات الأخيرة من الإطار الاستراتيجي لمحاربة الفقر، والذي سينتهي 2014 ،وأن الدولة تتجه في ظل سياسات هذا الإطار إلى فعل كل ما من شأنه أن يفك العزلة عن الفقراء ، حتى تتمكن مشاريع التنمية من الوصول إليهم ، وفي هذا الإطار يأتي إنجاز وتحسين الشبكة الطرقية وغير ذلك...
هل يمكن أن نكرر السؤال ؟ أعتقد نعم: لم لا توجد سياسات مرسومة ومعلنة وواضحة للشعب ، تعطيه أملا في الغد؟
نحن نفهم ولو من خلال إحتكاكنا بالآخر الذي تلاشت المسافات الإعلامية بيننا وبينه، نفهم أن سياسة اقتصادية لا تستجيب للضرورات الملحة للسكان ، لاتدمج قطاعات الشباب في أفق تغيير واضح ، لا تبني الإنسان المناسب لتحقيق النهضة في هذا البلد هي سياسات تحيلنا إلى مفهوم محدد هو أن التاريخ يساوى صفر، وهو مفهوم مستحيل ، وإذن ماذا يبقي لشبابنا وأبناءنا المقبلين على الحياة بعد ذلك.....لا شيئ ... لاشيئ سوى الفرجة أو الرغبة المجنونة في الانتحار.
عودة للصفحة الرئيسية