أين كانت وطنية "الحراك"؟ المستهلك: عودة قوية للذبح العشوائي في وقفة المولد مبارك وزمانه مـن المنصة إلى الميدان (الحلقة الأولى) مشاهدات من واقع ولاية إينشيري جميل منصور: اعتقال بيران انتهاك سافر لحرية التعبير الحزب الحاكم: منسقية المعارضة تقف وراء احتجاجات طلاب الجامعة "إيرا" تندد باعتقال وان بيران اعتقال منسق حركة "لا تلمس جنسيتي" الاضطرابات في مالي: ما سر اتهام موريتانيا بإذكاء الحرب؟ "المهني للتعليم العالي" يدعو لمتابعة مثيري الشغب في الجامعة

حزام.. وأحزمة!

الثلثاء 31 آب (أغسطس) 2010

بقلم: عبد الله ولد محمد

جميلة هي الخضرة بل وترمز إلي جل معاني الخير والخصوبة والحياة, ومهمة هي البيئة السليمة لكونها الحاضن اللازم لتحقيق التنمية وتتأكد تلك الأهمية حين يصبح التهديد البيئي قائما.

لكن إنفاق مبالغ طائلة لإنشاء حزام أخضر وإقامة الدنيا لذلك في يوم زينة حُشر له الناس ضحى يعد أمرا مثيرا للتساؤل خاصة في بلد يعاني أغلب أهله تصحرا مزمنا في بطونهم وجفافا مهلكا لجلودهم و شعثا ملازما لملامحهم التي قد تختفي حتي قبل وصول الرمال الزاحفة التي رصدت لمكافحتها تلك الأموال من ضرائب دفعها بعض أولئك وأموال اكتسبت باسمهم خلال مواسم التسول والتوسل إلي "شركاء" موريتانيا.

ولعل البعض قد أزبد في الإشادة بالأمر وتصويره علي أنه إنجاز عملاق و تحميله من المعاني الرمزية الشيء الكثير حتي حسبنا أن تلك الشجيرات ستنبت لنا المن والسلوى وأن عزيز القوم إذ ينبش في الأرض سيفجر الماء وأن أرض الحزام ستمتلئ عيونا بعد أن علم كل أناس مقطعهم وتحول المسئولون إلي كشافة خضر في يوم غمة اختلط فيه الخبيث بالطيب لتتحول أفراس وحل الفساد إلي غزلان وحدئات النظام الأمني إلي فراشات وسوسة الانتفاع إلي نمل أبيض حثيث الحركة والنشاط, كل ذلك في صعيد واحد. إن حق الأهمية البيئية للمشروع لا يلغي باطل كونه ليس الأولوية الوحيدة, كما أن حدة إملاءات ظرفه المكاني لا تؤكد حجية توقيت ظرفه الزماني. فحين تكون الموارد محدودة لدرجة النضوب والتحديات موجودة لدرجة مماثلتها للخطوب لا بد أولا من تدبير "يوسفي" في مجال الزراعة الغذائية إلي حين مجيء العام الذي يغاث فيه أهل هذه البلاد ويعصرون ... عام تكون أشهره كلها رمضان بلا من إعلامي يومي بلا رياء سياسي موسمي وبلا خشية من منع الكيل.

فما معني إقامة حزام أخضر- علي أهميته النسبية- حول عاصمة البلاد إذا كانت طائفة كبيرة من سكانها تعاني من حزام آخر لف حول وسطها منذ عقود, منذ فرغت السلال وفغرت الأفواه بسبب سياسات زراعية فاشلة اتبعت من طرف أنظمة تتابعت علي الحكم كقطع من الليل كلما قدمت حكومة لعنت أختها لتظل البلاد رغم مقوماتها الزراعية تقتات علي مخرجات مخازن الغذاء العالمية مما انتهت أو أوشكت علي ذلك صلاحيته ... أفلم يأن لذلك الحزام أن يفك ولو جزئيا بانتهاج سياسة ترفع سقف الإكتفاء الذاتي في مجال الغذاء.

هلا فكرنا, بنفس الحماس السلطوي للتميز عن العهود السابقة وبنفس النهم السياسي لتحقيق نقاط علي الخصوم و بنفس السرعة في الخطو إلي الأمام هروبا من انسدادات أمنية و اقتصادية, في حل مشكل الشبكة المائية المتهالكة تحت أقدامنا ... في تصريف لائق لمياه المجاري لعاصمة لا زالت تقضي أغلب حاجتها علي عمق أمتار قليلة في الطرقات والأزقة... في إقامة أحزمة واقية من السيول تحمي الآلاف من السكان في المناطق الداخلية... لماذا لا نباشر بإقامة أحزمة عازلة لخلايا الفساد السرطانية في جسم إدارتنا العامة بغرس المزيد من الكوادر الوطنية البكر في كل قطاع تماما كما تشجر قطاعات الحزام الأخضر. أليس حريا بنا أن نفكر في طريقة لنزع فتيل حزام الإرهاب الذي بدأ في التشكل حاصدا أرواحا بريئة غالية, والذي يوشك أن يطوق جزء كبيرا من حدودنا البرية.

وأخيرا, هلا تداعينا بنفس الإجماع الوطني و الإرادة السياسية إلي إقامة حزام أمان دستوري وأخلاقي ضد الانقلابات العسكرية " المنقذة " و " المخلصة " و"المصححة لاعوجاج المسار", والتي جعلتنا رهينة لنقاط نرد بعدد نجوم ضابط في الجيش الوطني. عديدة هي الأحزمة التي ينبغي علينا التعامل معها ربطاً و فكاً, لكن المشكلة تكمن في التعرف علي طبيعة كل منها و ترتيبها وفق سلم أولويات يقوم علي التوفيق بين السعي لتحقيق المنافع و الحزم في درء المفاسد وذلك للتمكن من رسم صحيح للمسارات و تحديد سليم للخيارات, و هو ما يتطلب فقها واسعا في أمور السياسة و الحكم ونظرا أبعد مدى من تخوم انواكشوط وأكثر عمقا من أسطح كثبانها وأثقب من منظار عسكري من علي برج سلطة مصفح بني علي عجل علي خلفية ردة ديمقراطية جلية.


عودة للصفحة الرئيسية