عزيز في لقاء الجمهور: مبادرة مكاشفة أفرغها الإعلام الرسمي
الاربعاء 1 أيلول (سبتمبر) 2010
 |
|
بقلم: سيدي محمد، جريدة الرأي المستنير |
هل كانت ندوة محمد ولد عبد العزيز الإعلامية مساء الأربعاء 4 أغسطس 2010 لقاءا مع الشعب أم إحياء غير مقصود لنسخة مجترة من لقاء الجمهور غابت عنها الثقافة والأدب والفن والجوائز؟ هل استطاع الرئيس إقناع محاوريه؟ وهل استطاع تنوير الرأي العام؟ وما هو حصاد اللقاء الإعلامي والسياسي الذي وصفه الإعلام الرسمي بأنه لقاء الحصيلة، لقاء التواصل بين القمة والقاعدة!.
مبادرة مهمة أفرغها المصفقون من محتواها:
أن يتحدث قائد رأي إلى الشعب عبر وسائل الإعلام فذلك أمر مهم وخطوة في الاتجاه الصحيح، اتجاه تنوير الرأي العام ومكاشفته ورصد تطلعاته وحاجاته وآماله، لذلك فالمبادرة تحسب لصاحبها، لكن المبادرة شيء والتنفيذ شيء آخر.
تعالوا نرصد بعض مواطن الإخفاق في هذه التظاهرة المهمة التي كان لها ما قبلها وسيكون لها ما بعدها...
يتمثل الإخفاق الأول في الالتفاف على مبدإ الحوار المباشر من خلال تسجيل أسئلة انتقائية تم إيهام أصحابها بأنها فرصتهم للتعبير عن دعمهم للرئيس، ثم إن العينة المختارة لم تكن عينة حصصية ولا طبقية ولا عشوائية، ولم تكن ممثلة للجمهور الموريتاني، كانت عبارة عن انتقاءات محضرة يتم التدخل لاحقا في مجريات أسئلتها حذفا وتحريفا وانتقاءا وسدا لخطوط الاتصال حين يتعذر التحكم في المحتوى، لذلك جاءت الأسئلة باهتة سطحية وغير معبرة عن انشغالات الناس... بعبارة أخرى أخفقت وسائل الإعلام الرسمية في إعطاء فكرة الرئيس ولد عبد العزيز الرائدة كل أبعادها وأجهضتها وأفرغتها من محتواها.
الإخفاق الثاني تمثل في عجز طاقم المستشارين الرئاسيين عن تحضير محتوى الحوار فالمفروض أن الرئيس عندما يبادر إلى التوجه المباشر إلى الشعب عبر وسائل الإعلام لديه خطاب يمرره أولا ولديه إجابات على بعض التساؤلات الملحة يريد إيصالها بصورة مباشرة ولديه رسائل إعلامية وتسريبات وأشياء أخرى... ولديه توقعات إعلامية معدة سلفا لطبيعة الأسئلة المحتمل طرحها ولديه خلاصات مهمة لملفات محددة.
فلقاء الرئيس المباشر مع الشعب عملية إعلامية كبرى لا مجال فيها للارتجال ولا للتداعي الحر.
ويبدو أن الطاقم الإعلامي الرئاسي لم يشرك ولم يقم بأي دور يذكر وهذا مقلق لأن العجز على هذا المستوى تنجم عنه منزلقات لا تحمد عقباها، ولم يقم الرئيس من جانبه بتحضير ملفاته بل اعتمد على الارتجالية والجسارة والتداعي الحر ليقول ما يخطر على باله وانبرى في تبسيط مفرط للوقائع.
ما قاله الرئيس وما كان ينتظر أن يقوله:
أولا ما قاله الرئيس:
من بداية الحوار إلى نهايته لم يجب الرئيس عن أي سؤال إجابة مباشرة وتجاهل عديد الأسئلة وأسهب في بعض القضايا على حساب أخرى دون أن يكون لذلك ما يبرره، وسنتوقف عند أهم الأفكار التي طرحها الرئيس في مختصرات مقتضبة من خلال النقاط التالية:
موريتانيا لا تعيش أزمة ولديها رئيس منتخب وحكومة وبرلمان.
الرجوع إلى اتفاق داكار لم يعد مبررا فالاحتكام يجب أن يكون إلى الدستور الموريتاني.
الدستور وصفه الرئيس بأنه ليس وحيا ولا قراءنا وبأنه قابل للتعديل بمجرد توفر رغبة الفرقاء السياسيين.
الرئيس مستعد للحوار ويرى بأن المعارضة يفترض ان تبقى معارضة لكي تظل الموالاة موالاة.
الرئيس لا يعلن الحرب على القاعدة وإنما يركز جهوده للدفاع عن حوزة البلاد ويدعوا الشبان الموريتانيين المغرر بهم من وجهة نظره إلى إعلان التوبة.
الرئيس ينفي وجود قاعدة عسكرية أجنبية على الأراضي الموريتانية ويشير بشيء من الغموض إلى طبيعة التنسيق الموريتاني الفرنسي خلال العملية الأخيرة.
ولد عبد العزيز يعيد إثارة موضوع الفساد ولا يذهب أبعد من طرحه المعتاد.
في موضوع 50 مليون دولار الممنوحة من طرف السعودية التي لم تبرمج في أية ميزانية ولم يشرع البرلمان صرفها يفهم من كلام الرئيس أن حوالي 60% منها صرفت بالفعل في أشياء تتعلق بالدفاع، ورغم أن السؤال كان حول غياب إطار قانوني للصرف فإن الرئيس ركز على تبرير ما صرفت فيه المبالغ.
بالنسبة لإعلان الممتلكات الذي تأخر فيه الرئيس وتأخر فيه أفراد حكومته والذي هو ملزم قانونيا ويفترض أن يكون أول أسبوع لاستلام المهام لا يمانع الرئيس في موضوعه ولا يعطي جوابا جازما على إقدامه عليه.
تحدث الرئيس عن الصيد والتعليم والكزرة والصحة والماء والكهرباء والإسعافات والحملة الزراعية بصورة مقتضبة، وألبس تهمة بمتهم لم تثبت إدانته بعد فيما يتعلق بموضوع المرضى الموريتانيين بالمستشفيات المغربية، وتجاهل مضامين مادة من مواد قانون الجنسية.
ما كان ينتظر أن يقوله الرئيس:
كان يفترض أن يقدر الرئيس الأمور حق قدرها فالظروف الصعبة التي يعيشها المواطنون في حياتهم اليومية والأزمة المتصاعدة التي تعيشها البلاد ويعرفها العالم من حولنا ونتأثر بها كل هذه العوامل كانت تتطلب طرحا إعلاميا سياسيا آخر.
فأجواء الاحتقان الداخلي واعتراف المعارضة بنتائج الانتخابات الرئاسية ورغبتها المعلنة في الحوار أعطت فرصة كان يمكن أن يغتنمها الرئيس ليعلن للمرة الأولى أنه رئيس كل الموريتانيين وأنه يقف على نفس المسافة من كل الفرقاء وأنه سيبذل جهده لإنجاز مهامه الدستورية المتمثلة في السهر على حسن سير المؤسسات الدستورية ونفاذية القانون في كنف دولة عدل لا تترك أي مواطن على قارعة الطريق.
وكان بإمكان الرئيس أن يطرح أفكار الخروج من الأزمة ويفتح الآفاق، ومن نصحوه بالتقوقع في أبراج خطاب الحملة الديماغوجي الفئوي خذلوه وأضروا بالبلاد.
أزمة.. وأزمة:
إذا كان ولد عبد العزيز لا يعترف بوجود أزمة فلذلك تفسير واحد وهو أنه يتحدث عن أزمته الشخصية، فقد تحول من وضعية قائد انقلاب إلى رئيس منتخب تأتمر بأوامره حكومة وتؤدى له تحية الشرف على إيقاع النشيد الوطني وفوق بساط أحمر إذا كان هذا هو نهاية الأزمة فلا أزمة، لأنه تحقق، وقد تحقق لآخرين سبقوه وسيتحقق لآخرين من بعده.
أما أزمة موريتانيا فهي متأججة ومتصاعدة فنحن مجتمع محبط عانى من تراكمات سلبية كثيرة وكنا نطمح إلى تحقيق أمور مهمة، نعتقدها مفاتيح استقرار منها التناوب والتداول السلمي للسلطة وعودة العسكر إلى ثكناتهم وترسيخ سنة التشاور والعمل على تحقيق تنمية مستدامة تخرج البلاد من واقع متخلف إلى واقع جديد.
بالإضافة إلى موضوع الانتقال السلمي للسلطة وما اكتنفه من ملابسات هنالك مجالات تأزم أخرى تعيشها البلاد نتوقف عند أهمها:
هنالك أزمة سياسية فالدولة التي كان يفترض أن تكون راعية أفرغت العملية السياسية من محتواها وأصبح حزب الدولة الذي ينتمي إليه جهازها الإداري والمالي والتنفيذي بؤرة تستنزف المؤسسات الديمقراطية وتحولها مع الزمن إلى ماكينة أحادية فتاكة لا تبقي ولا تذر، وهذا سيكرس الأحادية ويعيد الديكتاتورية إلى سابق عهدها، فالبرلمان يحث الخطى نحو الأحادية والمؤسسات الأخرى تندثر شيئا فشيئا وهذا مظهر تأزم قاتل للديمقراطية.
هنالك أزمة ولاءات وأزمة نخب فهجرة النخب السياسية نحو مظان السلطة ومواقع الرزق أفرغت التعددية من محتواها فلا أحد يستعد للوقوف على الجهة الأخرى، وهنالك مجاميع من الانتهازيين عابرة للأنظمة السياسية تصول وتجول وليست لديها قناعات ولا ولاءات دائمة ولا مبادئ، وهذا عامل تأزم آخر.
في شأن الحكامة الرشيدة ومحاربة الفساد كيف يحارب الرئيس الفساد وقد التف حوله أعتى المفسدين؟ كيف يحارب الفساد بالعدة الفاسدة؟ هل تمكن محاربة الفساد بالمفسدين؟ كيف تبرم الصفقات الكبرى اليوم؟ ومن المستفيد منها؟ وما هي آفاق محاربة الفساد؟ وما هي الهوة بين الأقوال والأفعال في محاربة الفساد؟ في هذا المجال أيضا مظهر تأزم يتنامى بتراكم الممارسات المنحرفة.
بالنسبة للإرهاب لا يجادل أحد في أنه مظهر من مظاهر الأزمة ولم يعلن الرئيس استراتيجية وقائية ولا علاجية، وإنما تحدث عن بعض الإجراءات الدفاعية المحدودة.
ورغم أهمية بعض الأمور كبناء جامع كبير وطبع مصحف شنقيطي واكتتاب مجموعة من الأئمة فإن الموضوع يتطلب مقاربات أوسع، إنه يرتبط بانسداد الأفق وبإخفاقات التعليم وبتفشي البطالة وبتردي أوضاع البلاد وسيظل عامل تأزم لا يمكن إغفاله فالظروف التي أنبتت الإرهاب ما تزال في تفاقم مستمر ولن تتأتى مواجهتها إلا في إطار مقاربات جديدة يتكامل فيها التشاور الداخلي مع التعاون الإقليمي والدولي.
هنالك تأزم اقتصادي، وهنالك تردي المعيشة والأرقام تشير إلى أزيد من ربع مليون موريتاني مهددين بالمجاعة وهذا مظهر تأزم آخر.
هنالك أزمة غذائية حادة فنحن لا ننتج أزيد من 5% من حاجاتنا الغذائية وحملاتنا الزراعية متعثرة ويحتاج قطاعنا الزراعي والرعوي إلى إصلاحات هيكلية بدل المهدئات الظرفية التي تضخها الحكومة على شكل قروض ومدخلات مثيرة للجدل ولا تعطي أية مردودية تذكر لأنها كثيرا ما تستقر في جيوب وسطاء وقليلا ما تصل إلى مستحقيها.
طبعا هنالك أزمة في التعليم وأزمات في الصحة وأزمة في الصيد وأزمة في النفط، وهنالك أزمة مديونية خارجية وهنالك أزمات تتعلق بالتعاطي مع متغيرات خمس صراعات مسلحة تجري على حدودنا نتأثر بها وهنالك الهجرة السرية والمخدرات، هنالك أزمات أخلاقية، وهنالك أزمة ثقة وانعدام مصداقية.
فلماذا يتجاهل فخامة الرئيس وهو المؤتمن على أمور العباد والبلاد، كل هذه الأزمات؟ وهل تجاهل الأزمات يخفف حدتها أم يذكي جذوتها؟
طاقم صحفي مقبول:
كانت إدارة الحوار الإعلامي مقبولة وأعتقد أن المختار ولد عبد الله كان في موقف لا يحسد عليه ومع ذلك استطاع مجاراة الجميع، ونجح بلباقته وخبرته المهنية المعتبرة في إنقاذ ما يمكن إنقاذه.. كذلك تألق سي مامادو وكاد يختطف الأضواء من زينب بنت أربيه التي تألقت ووفقت بشجاعة مهنية تذكر فتشكر في مواجهة الرئيس بالجانب الفارغ من الكوب وحذرته من الإستسلام لتقييمات الأوضاع المحابية التي أنهكت من سبقوه.
بالنسبة للمتواجدين في القاعة المجاورة لم يكن عليهم إلا التصفيق ولديهم من الخبرة المتراكمة والدربة ما مكنهم من لعب دورهم كاملا!.
خلاصة الخلاصات:
بادر ولد عبد العزيز مبادرة شجاعة أفرغها سدنة الإعلام الرسمي من محتواها ويمكن اعتبارها (ابروفة) للقاء حقيقي مباشر مع الشعب يفترض أن توسع دائرة مشاركة الإعلام الحر والمجتمع المدني فيه مع إمكانية تخصيص اللقاء القادم -إن كان هنالك لقاء قادم- لموضوع بعينه كالصحة ومكافحة الإرهاب ومحاربة الفساد أو دور الجيش في نظام تعددي ديمقراطي.
عودة للصفحة الرئيسية