أين كانت وطنية "الحراك"؟ المستهلك: عودة قوية للذبح العشوائي في وقفة المولد مبارك وزمانه مـن المنصة إلى الميدان (الحلقة الأولى) مشاهدات من واقع ولاية إينشيري جميل منصور: اعتقال بيران انتهاك سافر لحرية التعبير الحزب الحاكم: منسقية المعارضة تقف وراء احتجاجات طلاب الجامعة "إيرا" تندد باعتقال وان بيران اعتقال منسق حركة "لا تلمس جنسيتي" الاضطرابات في مالي: ما سر اتهام موريتانيا بإذكاء الحرب؟ "المهني للتعليم العالي" يدعو لمتابعة مثيري الشغب في الجامعة

حصاد الخمسين: عبيد لا يبلغون أبدا حد السراة/ 3

مأزق الإرث الإنساني

الاربعاء 1 أيلول (سبتمبر) 2010

بقلم: الشيخ ولد لحبيب

قال لي السيد مسعود ولد بلخير على هامش لقاء صحفي سابق كنت قد أجريته معه: "ليست مشكلتنا أن ننادى بحقوق لحراطين كفئة مهمشة وضحية لممارسات العبودية من طرف البيظان، وليست مشكلتنا أن نقدم تضحيات في سبيل ذلك، ولكن مشكلتنا الحقيقية هي: كيف نقنع بعض لحراطين الذين مازالوا يستمرؤون العيش كعبيد أن عليهم أن يتحرروا؟"،... لقد واجهت -يقول السيد مسعود ولد بلخير- عبيدا أغنياء ومتمكنين ولكنهم يرفضون أن يتحرروا لأنهم يعتقدون أن ذلك يجافي دينهم، ويخالف شريعة الإسلام؟

تبدو المسألة في أبرز تجلياتها مجرد انعكاس لحالة ذهنية مختلة، تستنبت فيها مسلمات خاطئة من قلب اعتقادات لم تتعرض أبدا للنور، هكذا هو الانطباع الأول الذي يخلفه ما رواه السيد مسعود ولد بلخير، وهو انطباع كفيل بجعلنا نفتح ملف العوائق الإنسانية لعملية التنمية طيلة الخمسين سنة الموشكة على التمام، وبطبيعة الحال سيكون نقاش التشوهات التي أحدثتها وما زالت تحدثها قصة العبيد والسراة فاتحة هذا الملف الشائك.

ولأن السيد بيرام ولد ولد أعبيدي ومبادرته من أجل الانعتاق يركزان على أن العوائق الثقافية وعلى رأسها الدين، أو فتاوى رجال الدين، تعتبر مسؤولة عن استمرار ممارسات العبودية وتقنينها، فإن لنا أن نتساءل: هل فعلا وجد "العبيد" فرصة لأن يصبحوا من سراة القوم ثم أضاعوها؟ هل هم جاهزون أصلا لمثل هذه الفرصة؟ بعبارة مباشرة: هل تحرر "لحراطين" فعلا بعد أن نالوا حريتهم قانونا وعرفا؟ أم أنهم مجبولون بعوائق ثقافية، سنسميها طريقة تفكير في الحياة، ستجعلهم يظلون دوما في أسفل الهرم الاجتماعي، ويظلون دوما أشخاصا غير مؤثرين في النتاج العام لدولتهم، وفي مشاريعها التنموية الكبرى؟ أم أن هناك أطرافا بعضها حاكم وبعضها محكوم، تستهين بأي دور لهذه الفئات الموريتانية المهمة، وتتعمد جعلها تنحو مسالك لا تسمح لها أبدا بالتأثير في القرار التنموي الموريتاني؟ بعبارة مباشرة أخرى: هل من مصلحة للبلد في إبقاء أبناءه لحراطين بعيدا عن التأثير وصناعة القرار التنموي والتفاعل معه بشكل منتج؟

1. أطياف "مدينة الرياح" التي لا تأتي

عندما كتب الدكتور موسى ولد أبنو رائعته "مدينة الرياح"، كانت تمثل في بعض جوانب إبداعها دراسة مجتمعية رصينة لوضعية "العبيد" داخل مجتمع صنهاجي مسلم يشبه كثيرا مجتمعنا طيلة سنواته الخمسينية، يفترض الدكتور موسى ولد أبنو أنه سيأتي يوم وسيكون لجمهورية "المنكب البرزخي" الديمقراطية رئيس "حرطاني " يقودها اسمه "تنكل ولد معطل". لقد شكلت الرواية أيام صدورها تنبؤا خارقا لحدود التصور والمألوف، وعندما سألته قبل انتخابات 2005، إن كان يتوقع فعلا أن ينجح رئيس من غير "لبيظان" في الانتخابات الرئاسية التى كانت ستجرى بعد ذلك قال: لا أتوقع أن يستطيع رئيس من غير "البيظان " أن يصل للحكم قبل 2020 أو 2030 .

قد يبدو للوهلة الأولى أن ذلك التوقع مرتبط بالكم الانتخابي والموارد المالية كما صرح السيد مسعود ولد بلخير في بداية انتخابات رئاسية ماضية، غير أن بعض المحللين لمجتمعنا وحركيته الانتروبولوجية يرون أن لحراطين يمثلون كما بشريا كفيلا بتحقيق إنجاز انتخابي معتبر، وهم قادرون بقليل من التعبئة على تجاوز المظهر المادي للعملية السياسية، غير أن الأمر الذي لم يتمكنوا من تجاوزه لحد الآن، وهو الذي يبقيهم أسرى لمجموعة من القيود السيكولوجية والانتروبولوجية أشد وطأة من قيود العبودية، وأشد قسوة، هو قطعا تلك الثقافة العامة لديهم والتى تجعلهم ينحصرون في ممارسات ثقافية بالمعنى الواسع للكلمة، لا تجعلهم أبدا قادرين على التفاعل مع قضايا الرأي العام، والسؤال التالي قطعا هو من المسؤول عن زرع مثل هذه الذهنيات المكبلة؟

ينادي غالبية المحللين المهتمين برصد ظاهرة العبودية بأن التفاوت الاقتصادي والتعليمي وحرمان الطبقة المحررة حديثا من حقوق التعليم والصحة و، و... كل ذلك يلغي دور جميع القوانين التي أصدرتها السلطات والتي تتراوح بين إعلان تحرير هؤلاء، وتجريم من يمارس ظاهرة العبودية البغيضة، ويؤكد أولئك المحللون أن ذلك هو المسؤول حتى الآن عن إبقاء "لحراطين" غير فاعلين في عملية تنمية هذا البلد، وفي صياغة قراره، إلا أن البعض يتحدث بشكل آخر، إذ يرى أن لحراطين أنفسهم هم المسؤولون عن ما آل إليه وضعهم، وذلك بسبب خياراتهم الثقافية والاقتصادية وحتى الاجتماعية.

2. موروث لا يشجع الانعتاق

حدثني " الحضرامي" وهو شاب صغير قدم إلى انواكشوط من مقاطعة "امبود" قال: "أبلغ من العمر عشرين سنة، ذات يوم قررت أن أغادر" امبود" لأعمل كما يعمل أصدقائي في العاصمة، كان ذلك قرارا صعبا على أسرتنا، خصوصا وأن الوالد سيبقي وحده في الحقل ليزرعه، لم أكن أستطيع مقاومة إغراء أن ألبس دراعة فخمة كما يفعل أصدقائي القادمين لتوهم من انواكشوط، تركت الدراسة وأنا في السنة الخامسة من التعليم الابتدائي، والآن ها أنا أدرك خطأ ما فعلت، ولكن لا سبيل للتغيير". غير بعيد من دكان الحضرامي، وبجانب حنفية عمومية يحتشد عشرات الشباب من أعمار متقاربة لا تتعدى العشرين بكثير، يعملون على عربات نقل المياه "شاريت"، ولا يفكرون أبدا سوى في حنفيات المياه التي بدأت تدخل للحي وتفسد عليهم رزقهم، في الموانئ، في الأسواق عشرات الحمالين الذين لو تحدثت مع بعضهم لوجدت فيهم الذكي العبقري، ومتوسط الذكاء، والدمث، وذو الدين، و، و... كل هؤلاء كما يرى بعض المحللين ضحية أفكار عن الحياة وطرق السير فيها يتم توارثها وتداولها في أسرهم وقبائلهم ومجتمعاتهم، وذلك ما شكل عائقا فكريا وانتروبولوجيا جعلهم لا يتجهون الوجهة المناسبة لمستوياتهم العقلية.

ولكن هل فعلا يمكن لهذا الموروث أن يتغير في المدى المنظور؟، يبدو ذلك محتاجا عند بعض "الانعتاقيين الجدد مثل بيرام وجماعته" محتاجا "لثورة حمراء أو أيا كان لونها"على غرار ما حدث في هايتي، ثم بعد ذلك يمكن البدء في مداواة تلك الجراح الذهنية العميقة تاريخيا، هو إذن استدعاء لتجارب الأمم التي كانت "مسترقة" في يوم من الأيام ، لكن هناك من يري سبيلا آخر غير ذلك.

يري الدكتور "ايليا حريق" أستاذ علم الاجتماع السياسي في تحليله لتطور الديمقراطية في الولايات المتحدة الأمريكية، أنها بدأت أساسا كصراع بين مجموعة من السراة مثلوا فيما بعد الآباء المؤسسين للدستور، وبين مجموعة من العبيد الذين كانوا يضغطون من أجل أن يتساووا مع أولئك السراة، وبمرور الزمن، تشكلت القوانين التي تدعم حقوق هؤلاء العبيد، وأصبح وجه أمريكا الحرة أكثر إشراقا، وأصبحت الدولة الأمريكية قادرة على الاستفادة من أبناءها الذين كانوا عبيدا.

وتبقي بعد هذا كله جدلية "تحرير الأرقاء" وتحويلهم إلى مواطنين من الدرجة العادية كباقي إخوتهم في هذا الوطن، جدلية محصورة بين التشخيص السياسي الذي يبحث عن المكاسب الضيقة على حساب إظهار هؤلاء كضحية، وقبض الثمن نيابة عنهم، وبين التصنيف الانتروبولوجي الذي يستدعى التراث والتاريخ وحركية المجتمع ليصنف داء هؤلاء وعزلة مفهوم الوطن عندما ينعزلون هم في أدوارهم الحالية. فهل نحن بصدد حل هذا المعضل ووضع أبناء الشعب كسراة لهذا الوطن؟


عودة للصفحة الرئيسية