أردوغان الغاضب يهدد ألمانيا وأنقرة تستدعي سفيرها شركات جزائرية كبرى تدخل السوق الموريتاني مؤشر القراءة العربي: أرقام مثيرة حول وضع موريتانيا حزب موريتاني: الدرس الغامبي يستحق التأمل القوات الحكومية السورية تسيطر على حلب القديمة بيان مشترك لنقابات الأساتذة والمعلمين حول الاسترجاعات تعريف علم التاريخ وحديث عن محنته في موريتانيا قضية سونمكس: الإفراج عن ولد اسبيعي بعد ساعات من إيداعه السجن فيديو: الملك سلمان يرقص في قطر زين الدين زيدان يكشف سر نجاحه مع "الملكي"!

مشروع مجتمع: مفاهيم خاطئة

الحلقة (3)

الثلاثاء 28-06-2016| 15:00

د.الحسين الشيخ العلوي

توطئة: إن "مشروع مجتمع" الذي نحن بصدده عبارة عن مشروع مجتمعي بأسلوب التخطيط الإستراتيجي المتبع في بناء الدول والكيانات الاجتماعية للتأطير والتأصيل لمفاهيم علمية حديثة تتجاوز انساق وبني الحداثة المعرفية بغية انتشال المجتمع والدولة الموريتانية من براثن التخلف والجهل والمرض إلي السلم الاجتماعي والي آفاق المدنية الرحبة حيث العلم وآلياته هما المقود والقاطرة لأي مسعي تنموي يراد به تجاوز الواقع الراكد ومواكبة روح العصر شكلا ومضمونا كأبرز التحديات الوجودية في زمن العولمة المتسارع الأنفاس والمتلاحق الوتائر.حيث أدرك المخططون الاستراتجيون أن التراكم المعرفي الهائل في وقتنا الراهن وصل حد الفيضان حيث غدت المفردة العلمية تتجدد كل سبع ثواني! في حين كان يلزم لحدوث ذلك عقود من الزمن(عشرات السنين) خلال القرون الخمسة الماضية والمسماة بالعصر الحديث ووصل دفق المعلومات كمًا يصعب معه الحصر أو الإحاطة حيث ولي وللأبد عصر المثقف الموسوعي لاستحالة مثل هذا النعت أيامنا هذه! بسبب الطفرة المعلوماتية التي جاءت كنتاج للثورة الهائلة في عالم الاتصالات والتي جعلت العالم بحق قرية كونية وغيرت مفهومي الزمان والمكان التقليديين حيث قرا في وطرنا كمفهومين ثابتين ذي أبعاد ثلاث في مخيالنا الجماعي ليحل محله زمكاني افتراضي سايبيري (ذي ابعاد أربعة شديدة التداخل) يوغل في بسط نظمه وأنساقه المعرفية دون هوادة.هذا المعطي الاستثنائي غير المسبوق في تاريخ الاناسة قد أحدث تبدلا في ماهية الابيستيمولوجيا ذاتها الشيء الذي جعل مفاهيم وأنساق وبني الحداثة وما بعدها تنداح وتتصرم وتتواري بتؤدة الراحل الوجل من مسبغة أو المنهك جراء مقارعة سيزيفية دون تناص مع الواقع الذي فقد مع مجتمع المعرفة دثار التدرج والرتابة الابيقورية ليؤسس ليوتوبيا جديدة قوامها المؤثرات الميدياتيكية التي شظت حميمية التداول المباشر وهزت يقين الوعي التراكمي للموجات الثلاث التي عرفتها البشرية علي حد قول "آلن توفلر" لتطال تخوم الميتافيزيقا التي توشك علي الأفول كبريق سرمدي!!
مجتمع المعرفة هذا الذي عرف في عالمنا الثالث بالعولمة التي غدت من أكثر المصطلحات الفكرية إثارة للجدل والاختلاف تبدو موحشة دون استئناس كأي وافد جديد ونظر إليها في موريتانيا بهستيريا شديدة التبسيط تفصح عن بنية مهترئة ومتداعية علي كافة الصعد دون استثناء ملحوظ!,الوضع المزري لبلدنا يخض الوجدان ويعري الشيفونية المخاتلة التي طالما تواري خلفها النظام الرسمي كما أبان عن أوهام النخبة السياسية الموريتانية التي توارت خلف الشعارات والمثاليات المجنحة في الأوهام كمبرر لمعارضتها كما أنها أبانت عن حجم التآكل المذهل الذي اعتري القاعدة الشعبية العامة,الشيء الذي فسح المجال ومهد للظواهر الارتكاسية وقدم بجلاء ووضوح لا تجدي حياله المكابرة حقيقة ساطعة مفادها أن في هكذا بيئة تفيض بالإحباط وانسداد الأفق فإن انطولوجيا الإرهاب والارتكاس الماضيوي ودوغما التعاطي والفجور في الخصومة تغدو محصلة طبيعية ومخرجات حتمية لعبثية الواقع الموريتاني اللامعقول! الذي ساهمت في تجذيره النخب السياسية التي أدارت ظهرها للواقع ولم تدرك تداخل آلياته في التعاطي مع الشأن العام.
قلائل هم المفكرون العرب الذين أدركوا أن مكمن الداء العربي - الذي لا محالة سيفضي إلي واقع متردي كالواقع الذي نعيشه في موريتانيا – كامن في العقلية العربية التي ترفض قيم المعاصرة وتجد صعوبة في المواءمة مع روح العصر ذي النزعة العلمية التي تتسم بالعقلانية,العقلية التي تعيش أسيرة لمنظومة وأنساق فكرية قروسطية نظرا لغياب روح العلم التي تفكك الواقع المعاش وتعيد صياغته وفق أنساق ومتطلبات واقع الناس-.من هنا لا نري حلا لهكذا واقع في بلادنا بغير مشروع مجتمع متكامل الابعاد من مرحلتين اولي مستعجلة سقفها الزمني سنتان الي خمس والثانية دائمة حسب متطلبات الواقع المتجددة.
******************************
قبل الشروع في تقديم الشق الاجرائي من "مشروع مجتمع" أري لزاماً علي المرور ولو لماما علي الواقع الراهن وتشخيص مخرجاته للوقوف علي جوانب القصور وتبيان اللبس الحاصل علي المستويين المفاهيمي والإجرائي للممارسة السياسية عندنا راهناً.
سنوات طوال من متابعة الشأن السياسي المحلي عبر المواقع الالكترونية الموريتانية وسجالات الفرقاء -الاخوة الأعداء- أطاحت بها معايشة لصيقة لمدة 10 اشهر بعد غيبة 35 سنة عن الوطن!
هذه الاشهر التي كنت فيها مراقبا ومتتبعا بدأتها بالمشاركة – بعد اسبوع من عودتي الي أرض الوطن- في الايام التشاورية الممهدة للحوار الوطني الشامل,ثم تتالت عشرات اللقاءات مع سياسيين ومثقفين ورموز معارضة وطيف عريض من سدنة الموالاة, والأهم لقاءات اكثر من رائعة مع المئات من الشباب,كل هذا للأسف جعلني أصاب بخيبة أمل كبيرة وحيرة لازالت تصاحبني! وإن ظليت محتفظاً بتفائلي ولم تصبني حتي اللحظة موجة اليأس والقنوط التي أسلمت الكثيرين الي حالة من الغضب العارم أفضت الي تخبط وإرباك صريح عبر عنه الكثيرون في أكثر من مناسبة بالدعوة أو تبني أساليب غير ديمقراطية للتغيير!
معايشة طيلة هذه الاشهر للحراك السياسي الخصب في موريتانيا جعلني موقنا أن بوصلة التوجيه مفقودة مما شوه سلم الاولويات -عند النخبة الوطنية- وجعله مجافيا للواقع المعاش للناس, الشيء الذي أبعد النخبة الساسية عن الناس وأفقدهم مصداقية التعاطي وحجم من قدرتهم علي التأثير.
طرائق التعاطي السياسي ونوع القضايا المتبناة جعلتني أدرك أن نخبتنا السياسية لازالت كلاسيكية في طرحها وسبل تعاطيها مع الاشكاليات!في وقت لاهث ومتسارع الوتائر,لا مكان فيه للمتروي او للمتقاعس أو المنتظر لخلاص يقوم به آخرون!.
راهن الممارسة السياسية عندنا – موالاة ومعارضة- يتسم بقدر هائل من الابتسار والتسطيح ومجافاة الواقع بشكل لا أجد له مبررا مقنعا غير الجهل المركب وعدم الالمام بآليات التفكير والتخطيط الاستراتيجي المتبعة في بناة الدول والكيانات العامة,حيث يغلب طابع صراع المصالح عندنا علي سجال القضايا والعصف الفكري, هذا فضلا علي غياب شبه كلي للبرامج ومشاريع المجتمع مما ولد وجذر منطق – الوطن كعكة- ينبغي الاستحواذ عليها وفي حده الأدنى المشاركة فيها!,بالإضافة الي انه تشيع للأسف لدي نخبتنا الوطنية مفاهيم خاطئة تكاد تكون قناعات لدي معظمها! لعل أبرزها خمسة مفاهيم لاكتها الاسن حد الابتذال بطريقة تنم عن عدم إدراك مفتعل او تجاهل متعمد قصد تعميقها وتجذيرها! 
المفاهيم الخاطئة
أولا: الاشكال السياسي:
يري الكثيرون من نخبتنا الوطنية أن جوهر الاشكال في موريتانيا سياسي بالمقام الأول ويبلغ التسطيح والابتسار حد أن طيف عريض من نخبتنا يتصور أن الديمقراطية والتبادل السلمي للسلطة سيحلان كافة مشاكل موريتانيا وكأن الديمقراطية عصا سحرية وغاية في حد ذاتها! فلا حديث للنخبة إلا عن الديمقراطية والإرادة السياسية والتبادل السلمي للسلطة والدستور والبرلمان. هذا المفهوم الخاطئ مسئول الي حد كبير– إضافة لعوامل أخري- عن تعطيل نمو ونضج التجربة السياسية الوطنية التي للأسف لازالت تراوح مكانها وبشكل بدائي منذ ستة عقود وهي فترة كافية لإنضاج أي ممارسة أو تجربة إنسانية!
فعلي أهمية الشق السياسي في عملية بناء الكيانات العامة كالدول والأمم والتجمعات الاقتصادية ومع إدراكنا أنه القاطرة الموجة والتي علي ضوئها تتحرك كافة القطاعات الاخرى,إلا أن الشق السياسي لا يمكن عزله عن العقلية العامة للأفراد– المكونين للمجتمع– تلك العقلية التي تحدد التوجهات العامة للأفراد والتي بمثابة بوصلة التوجيه للسلوك والمرتكز والمحدد والوعاء الحاضن والضابط للانساق والبني المعرفية التي في مجملها تشكل سلوك االفرد في المجتمع وتحدد ماهية مثله وقيمه ورؤاه, فكيف تفكر تكون.
وحياتنا وسلوكنا وقيمنا نتاج هذه العقلية التي تقول تجارب شعوب المعمورة قاطبة أنها حصاد خبرات وتراكم تجارب النخبة الثقافية بالمقام الاول وتاليا النخبة السياسية والمالية.
فهل لعبت نخبتنا الثقافية والسياسية والمالية دور الموجه والرائد والمأصل لسلوك مدني وحضاري جعل المواطن الموريتاني ينتقل من حالة البداوة بكل قيمها ومثلها وتمثلاتها وتمظهراتها الي رحاب المدنية الرحبة عبر سلوك القدوة الحسنة ومن خلال التماهي ونتاج معرفي يطال كافة انساق وانماط المعرفة؟!
واقع الحال يجيب بالنفي, هذا لأن مصيبة موريتانيا للأسف في عقلية وسلوك نخبتها(الثقافية والسياسية والمالية),التي تقاعست عن أداء دورها التنويري في المجتمع وإرتضت أن تكون تابعة بخيارها للقيادات التقليدية من مخلفات الإقطاع القديم والحديث(الاعيان وشيوخ القبائل ورموز الطرق الصوفية وبرونات المال من التجار وأصحاب النفوذ من الرتب العسكرية السامية).
نكوص النخبة الثقافية عن أداء دورها التنويري في المجتمع هو ما ساهم في تجذير وعي وجودي زائف وميع نضالات الشباب وكرس ثقافة الاستزلام والاسترزاق السياسي وعمق عبادة الافراد وأسس لمنطق شخصنة القضايا وربطها بالافراد,مما مهد الطريق لموجة فساد عارمة طالت الاخضر واليابس حتي غدت ثقافة يمارسها الغالبية العظمي من شعبنا صبح مساء منذ منتصف تسعينيات القرن المنصرم حتي الآن, دون ان نحس بفداحة الأمر,حتي أصبح الشرفاء والخيرين من بلدي يرون أن الإصلاح مستحيلاً.
نكوص النخبة الثقافية عن أداء دورها التنويري هو الذي أوجد حالة إنسداد الأفق هذه ومهد لموجات التطرف والغلو عند شريحة كبيرة من شبابنا ورمي بالبقية الباقية في براثن الجريمة المنظمة والمخدرات والحرابة.
الديمقراطية ليست خلطة سحرية او نبتة يمكن استزراعها في أي تربة بل هي نتاج ثقافة وممارسة وتراكم معرفي محلي,فلا ديمقراطية دون ديمقراطيين ولا ديمقراطية دون التمهيد لها بثقافة ديمقراطية,فلو أن نخبتنا الثقافية عملت طيلة العقود الخمسة الماضية علي تجذير مفهوم ومنطق الممارسة الديمقراطية من خلال القدوة الحسنة والتماهي(أي أن يعيشوها كسلوك يومي في بيوتهم وفي حياتهم الخاصة والعامة)وعبر نتاج معرفي(الأدب والفن والبحث العلمي: مقال – رواية – شعر- رسم – نحت – مسرح – سينما – تمثيل – دراسات- كتب - دوريات), فبإستثناء حالات فردية قليلة يعيش افرادها خارج الوطن,لم أقف علي نتاج معرفي باللغة العربية يكرس الثقافة الديمقراطية في موريتانيا.
نكوص النخبة الثقافية عن أداء دورها لتنويري هو ما مكن للانقلابات العسكرية وجعلها وسيلة التغيير الوحيدة المتاحة في موريتانيا,فلو أن بعضا من نخبة موريتانيا كان ديمقراطياً أو أن الثقافة الديمقراطية متقبلة في أوساطنا الشعبية لما تجرأ الجيش علي الإنقلاب ووأد أول تجربة ديمقراطية حقيقية في بلادنا في العام 2008!. 
ثانيا: طريقة التغيير:
تكاد تكون قناعة عند جل المعارضة السياسية الموريتانية الراهنة أن التغيير الوحيد لنظام محمد ولد عبد العزيز الحالي سيكون عبر إنقلاب عسكري, وحتي عندما جاهر وعبر صراحة ولد عبد العزيز عن عدم نيته الترشح لمأمورية رئاسية ثالثة خلافا للدستور, فقد سارعت هذه المعارضة الي تكذيب هذا التوجه واعتبرته مجرد مناورة لكسب الوقت ليس إلا! ولازالت هذه المعارضة تراهن علي التغيير عبر إنقلاب عسكري وتتحضر وتتلهف لسماع البيان رقم(1)!
حقيقة فوجئت بهذه القناعة التي تتبناها معارضتنا الكلاسيكية التي تدعي أنها معارضة ديمقراطية! فكيف تؤمن بوسيلة تغيير غير ديمقراطية؟!
هذه القناعة التي تتبناها المعارضة الكلاسيكية عندنا تشي بأمرين في غاية الأهمية هما:
1. حالة اليأس والقنوط التي تعتريها حد تبنيها وسيلة غير دستورية في وقت باتت فيه جل دول العالم تعمل علي توديع عهود الانقلابية العسكرية.
2. حجم القطيعة مع الواقع الذي يمور بتحركات عديدة معظمها شبابية باتت تتجاوز المعارضة الكلاسيكية في طرحها المتكلس الذي ينم علي درجة كبيرة من الخواء السياسي وغياب التعاطي الفعال مع معطيات واقع متجدد.
عشرة اشهر من التعاطي مع شباب موريتانيا من مختلف الشرائح جعلتني موقناً أن المعارضة والموالاة في سبات عميق حيال واقع الشريحة الاكثر حركية في المجتمع!.
وقد تحدثت عن هذا الامر منذ ثمانية أشهر في مقال منفصل حيث للأسف ظن الكثيرون أن المعالجة الامنية التي ووجه بها حراك 25 فبراير وأخواتها من قبل النظام قد انهت هزة اجتماعية كادت تطيح بالسلام الاهلي الهش الذي تعيشه بلادنا وتصور العديدون أن التداعيات الدراماتيكية لثورات الربيع العربي ونتائجها الكارثية علي كل من تونس وليبيا ومصر وسوريا واليمن قد اقنعت الشعب الموريتاني ولا سيما الشباب بضرورة الاقلاع عن محاكات تلك الهزات العاصفة التي شهدتها دول ليست ببعيدة عنا,لكن للاسف فإن العديد من المؤشرات التي وقفت عليها منذ عودتي الي موريتانيا بعد غيبة 35 سنة في ديار الغربة تشي بخلاف ذلك:
1. التقيت بشكل جماعي وفردي بالمئات من الشباب (الذين تعرفت عليهم عبر الفيسبوك خلال السنوات الاربع الاخيرة) معظمهم من الشريحة العمرية(18 – سنة 25) وكانت لقاءاتي بهم احيانا تمتد لساعات طويلة, هذه اللقاءات ارعبتني بشكل لا يمكنني اخفائه لأنها:
• جعلتني اتيقن أن السلام والأمن الظاهري نسبيا في موريتانيا مظهر خادع وأن وراء الأكمة ما ورائها! فمعظم هؤلاء الشباب محتقن وغاضب وضد الجميع(اعني ضد الموالاة وضد المعارضة الكلاسيكية)بل ان هذا الشباب ضد البني التقليدية كالقبيلة والجهة والعشيرة واخطر ما وقفت عليه من لقاءاتي مع هذه الشريحة هو كونها ضد حتى مؤسسة الاسرة التقليدية ونظامنا الاجتماعي برمته.
• معظم هؤلاء الشباب يعمل في القطاعين الخاص والعام ومستواهم المادي يبعدهم عن خانة الفقر او العوز! والكثير منهم ليسوا ضمن شريحة العاطلين عن العمل!
• القاسم المشترك والذي يكاد يجمع عليه هؤلاء الشباب ان موريتانيا لن ينصلح حالها دون حرب أهلية! نعم حرب أهلية(هكذا يقولون) او ثورة عارمة يكون أساسًا قادتها ووقودها ومحركها شباباً وان تتم محاكمة كافة رموز الفساد منذ العام 1978 وحتي اللحظة!.
• كم العنف والدموية والشرر المتطاير من العيون جعلني معظم الوقت صامتا ومستمعا, رغم احترام الجميع لي لأنهم يرون في جزءً منهم بحكم مكوثي الطويل في الغربة!
• قناعة هؤلاء الشباب ان كبار السن ورجالات الدولة الحاليين كلهم(كلهم وبدون استثناء كما يقولون!) متخلفين ولا يمكنهم إدارة الشأن العام لأنهم يتصرفون كشيوخ قبائل وبعقلية القبيلة وليسوا رجالات دولة.
• رغم الميول اليسارية الواضحة لهؤلاء الشباب إلا أن العولمة وقدرتهم علي التماهي مع مكتسبات المنجز العلمي راهنا جعلتهم أبناء شرعيين لواقعهم ومكنتهم من المزج بين الجانب الحقوقي والسياسي في الفكر الليبيرالي مع العدالة الاجتماعية التي ميزت اليسار,اللأمر الذي مكن هؤلاء الشباب من بعد استشرافي وقدرة علي التشخيص وتقديم الحل رأسا دون الحاجة الي التنظير او التخفي وراء الاقنعة الايديولوجية.
2. خلال لقاءاتي بالشباب من الفئة العمرية(18 -25) لفت انتباهي وبقوة أن مجموعات معينة من المتحدثين تمتلك قدرات قيادية لافتة وأدركت بحكم الخبرة أنهم لا شك قد تلقوا تدريبات نوعية في فن الالقاء والتأثير وصقل المهارات القيادية وتأكدت من هذا الامر في لقاء نوعي خاص عندما تحدث ثلاث منهم عن قدرتهم علي التحشيد والتنظيم وهنا كنت منصتا بشكل كلي,وصعقت عندما سمعت وبالحرف الواحد المحتوي النظري للورش الاربعة التي اعتاد" المعهد الوطني الديمقراطي الأمريكي – NDI" إقامتها في الدول العربية طيلة العقد الماضي حول القيادة والتنظيم العملي،والتعرف وكيفية إعداد الخطط الاستراتيجية واساليب التخطيط وكيفية اعدادها وعناصر التخطيط وكيفية بناء الجمهور وعمل حملات المناصرة والتحشيد وكيفية قيادة المظاهرات وتوظيف وسائط الاتصال الجماهيرية لتحشيد اكبر قدر من المناصرين وكيفية توظيف الوقائع والأحداث لتأليب الرأي العام المحلي لمناصرة القضايا العادلة!،وكذا التعرف على أنماط وأساليب القيادة داخل فريق العمل الواحد.
هنا تيقنت أن الماكينة الاعلامية والتعبوية للمعهد الوطني الديمقراطي الأمريكي – NDI,قد تحركت في موريتانيا دون إدراك من القييمين والمواطنين والنخبة السياسية والثقافية لخطورة الامر,وأظن الجميع يعلم أن المعهد الوطني الديمقراطي الأمريكي – NDI,كان المحرك الاساسي والرئيسي للثورات الملونة في اوروبا ولثورات الربيع العربي. وأبرز قادة المظاهرات في ليبيا ومصر وتونس إبان ثورات الربيع العربي كانوا المتفوقين في دورات الورش الاربعة التي ينظمها" المعهد الوطني الديمقراطي الأمريكي – NDI" وقد كنت من المشاركين في تلك الدورات في صيف 2010 التي نظمها المعهد الامريكي في مركز الاعمال الريادي الأردني بعمان(للعلم يعد هذا المركز احد بيوتات الخبرة العربية الرفيعة المستوي لإعداد القادة والمهارات القيادية,وتم إختياري ضمن خلية الأزمة لشباب المتوسط!) وسأكتب في مقال منفصل دراسة مطولة عن النشاط المشبوه للمعهد الوطني الديمقراطي الأمريكي "NDI" في المنطقة العربية.
3. وقفت علي خلل أمني كبير جعلني أوقن أن أمثال المعهد الامريكي وغيره يسرحون ويمرحون دون متابعة حقيقية وجدية من أجهزة الأمن الوطني التي يفترض بها أن تكون محترفة وتتعاطي مع القضايا الامنية بجدية أكثر: فقد استغربت أنني ومنذ اشهر علي عودتي الي ارض الوطن وبعد غيبة 35 سنة اجتمع في منازل مختلفة بأعداد كبيرة من الشباب وصلت في بعض المرات الي اكثر من اربعين شابا!وبشكل شبه منتظم ونظل نتحدث لساعات في امور شتي,توقعت علي الأقل إستضافة لطيفة من الامن الوطني للوقوف علي حقيقة تحركاتي التي يفترض من الناحية الامنية اعتبارها مشبوهة! وكنت قد حضرت نفسي جيدا للتعامل وبشكل احترافي مع هكذا موقف, لكن خاب ظني حيث بت علي يقين أن الجماعة يغطون في سبات عميق وان سلم أولوياتهم مقلوب.
4. قدرة الامن الوطني علي افشال تحركات الشباب في حراك 25 فبراير وأخواتها لا اظنه راجع الي نجاعة وفعالية اجهزة الامن الوطني ولا الي المعالجات الامنية التي اتبعت بقدر ما يعود الي ضعف القيادة حيث تولت المعارضة التقليدية باحزابها وخشبها المسندة قيادة الحراك وتبنيه وبديهي ان تلك المعارضة تتحرك وفق عقلية وآليات السبعينات والثمانينات التي باتت تكتيكاتها عتيقة ومعروفة للجميع, لكن ما يخيف حقا هو جيل العولمة المتسلح بأدوات العصر والذي علي تناص وتماس مع الحركات الشبابية العالمية ويمتلك قدرات تعبوية ولوجيسيتية تفتقر اليها المعارضة الكلاسيكية المترهلة عندنا,لذا أني اتوقع وأخشي من تحرك وشيك قد يفاجيء الجميع بمن فيهم المعارضة التقليدية ذاتها! وهذا ما لا أتمناه حقيقة,لكن المؤشرات تشي للأسف أن ذلك التحرك يتم الإعداد له بنفس طويل.
منذ عقد من الزمن وتحديدا بعد انقلاب 2005 وانا اعيش تحت وطأة هاجسين:
الأول: يقين يتجذر مع الايام ان ماحدث في موريتانيا سيشكل قطيعة مع الارث الاستبدادي الذ كرسه العسكر لما يزيد علي ثلاثة عقود من الممارسات الاستبدادية والمصادرة الفجة للرأي الآخر والفرص الضائعة وهدر طاقات وإمكانيات المجتمع وإذكاء النعرات القبلية والجهوية والشوفونية المقيتة
الثاني: وجود عدد كبير من خريجي الجامعات المختلفة من أقصاع عديدة من العالم يمتاز بتنوع شديد الثراء مما يعني ان اية بوتقة لصهره ستجعل موريتانيا تستفيد من تجارب عديدة مرت بها الدول الصناعية والنامية علي حد سواء. وحيوية هذا الكم الهائل من الخريجين الموريتانيين يكمن في تنوعه وتعدد مصادر تأطيره وتأهيله.ومن خلال الاحتكاك اليومي مع شرائح عديدة من هؤلاء الخريجين في بلاد الغربة لما يزيد عن ربع القرن جعلتني ادرك ان فترة الشتات القسري او الطوعي التي جعلت الشباب الموريتاني يركب الصعاب بغية تحصيل العلم او طلبا للرزق او هروبا من قمع داخلي هذه الفترة قدمت خدمة جليلة للمجتمع من حيث لا ندري.فجدية الانسان الموريتاني في تعاطيه مع العلم والهالة التي لا زلنا نصبغها علي حملة العلم والناتجة عن بيئة تحترم العلم والعلماء كأحد اهم مقومات تراثنا الموريتاني.كل ذلك جعل شريحة كبيرة من المتعلمين وحملة الشهادات العليا الموريتانيين متميزين في حقل تخصصاتهم سواءً العاملون في الغرب او المقيمين في بلدان عربية او بلدان اخري.عليه ومن خلال استقراء لتجارب الشعوب الأخرى فإن الفرصة مواتية لموريتانيا للانطلاق نحو آفاق ارحب وخصوصا ان من اهم اسباب المنعة في عالم اليوم هو المورد البشري الكفء.والتقدم في ابسط مكوناته عبارة عن محصلة اساسية للدور الحيوي لجيل الشباب المتعلم وللخبرات العلمية المعدة اعدادا رفيعاً وهذا ما يتوفر لموريتانيا اليوم.
ومن نافلة القول ان الشكل الهزيل للدولة الموريتانية وأداءها الرسمي الباهت علي كافة الاصعدة هو نتاج لتحكم جيل الاستقلال بإدارة كفة الحكم, فقد حكم موريتانيا وأدارها ذلك الجيل منذ ان كان علي كراسي الدراسة بل انه سعي وبمباركة من الانظمة العسكرية السابقة الي تهميش وإقصاء النخب الشابة والمثقفة, ولأننا ندرك خطر النظم التقليدية الساعية لتدجين عقلية الطالب والشاب وقولبتها ضمن اطر شكلية تقتل ملكة الخلق والإبداع وتميت حس الابتكار لدي الباحثين والعلماء مما يخلق شريحة واسعة من المتعلمين وحملة الشهادات العليا ترسف في اغلال التحجر والتكلس مما ينعكس علي التطبيق الشائه والأعرج للخطط التنموية التي باءت بالفشل الذريع في العديد من دول العالم الثالث نتيجة لهذه العقلية المدجنة والتي تحيل الخريج الي مسخ يردد المعلومة بطريقة ببغائية دون ان يعمل عقله في تمثل وإدراك الحقائق العلمية التي علي ضوئها تتحدد نجاعة عطائه في الواقع العملي. واثبتت التجارب ان فشل العديد من النظم السياسية في تحويل مخرجات العملية التعليمية الي فاعل تنموي مرده هو فشل تلك النظم في ايجاد وسائط لربط العلم بالصناعة وذلك لغياب التخطيط العلمي الواعي والمزود بقاعدة بيانات اولية وثانيا لعجز القادة والمسيرون عن ادراك اهمية اشراك الكوادر والأطر المتعلمة في الشأن التنموي دون إقحامهم في الشأن السياسي.وبالمقابل فإنني من الداعيين وبشدة لعدم انغماس الشباب المتعلم والكوادر العلمية ذات الكفاءات العليا في الشأن السياسي المباشر,ذلك الوحل الذي يراد به صرف طاقات الشباب في غير وجهتها,فدورنا في المجتمع استشاري لأننا البارومتر الذي يحدد المسعى التنموي.
كل المؤشرات تقول أننا بصدد المرور بمنعطف تاريخي حاد - أتمني أن يكون سلسا وهادئا- سيكون الشباب عماده,عليه ينبغي أن نخدم وطننا ونقوم الاعوجاج بسلاح العلم والتنمية لا بإنتظار الزعيم المخلص القادم فجرا علي متن دبابة.
ثالثا: الوحدة الوطنية:
تتغني الموالاة بالوحدة الوطنية وتعتبرها في أزهي عصورها منذ انقلاب 6 أغسطس 2008,في حين تغالي المعارضة في جلد الذات والنواح والبكاء علي الحليب المسكوب حد تصوير موريتانيا وكأنها نظام أبارتيد! كلا الموقفين مخطئ وغير صائب في توجهه وإعتقاده,فموريتانيا قطعا لا تعيش أي صورة من صور الميز العنصري علي المستوي الرسمي, لكن الوحدة الوطنية في أسوأ حالاتها منذ الاستقلال وحتى الآن.فمنذ تسلم العسكر القياد في العاشر من يوليو 1978 وهي في إنحطاط حتي وصلت راهناً الي شبه قطيعة بين مكونات المجتمع الثلاث.وتتمظهر شروخ وتصدعات الوحدة الوطنية في ثلاث اشكاليات صارخة هي:
1. إشكالية اللغة:
في جميع دول العالم توجد لغة تخاطب رسمية واحدة يتكلمها عامة الشعب وهي اللغة الرسمية للبلد وعبرها تتم المعاملات الرسمية, علي أنه توجد شعوب متعددة الاعراق واللغات لكنها تتفق علي لغة موحدة يتم إختيارها طواعية وبالتراضي دون إجبار أو إكراه.
عندنا توجد إزدواجية خطيرة حيث ينص الدستور علي أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية لموريتانيا في حين أن لغة المعاملات الرسمية(لغة الإدارة) هي اللغة الفرنسية! معظم البيظان لا يجيدون اللغات الوطنية(السونكية والبولارية والولفية) ومعظم الكور لا يجيدون الحسانية فكيف سيتواصل البيظان والكوريا تري! هذا فضلا علي أن معظم المتعلمين من جيل الاستقلال ثقافته وتأهيله العلمي فرنسي,في حين أن الاجيال الشابة من البيظان والحراطين معظمها ثقافته وتأهيله العلمي عربي وكافة المحظريين تأهيلهم عربي.
إزدواجية اللغة وعدم وجود لغة رسمية واحدة يتواصل بها الجميع إشكالية حقيقية ينبغي حلها ضمن إطار ديمقراطي شفاف بالاستعانة بالخبراء وذوي الإختصاص وإلا ستظل قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي وقت.
2. إشكالية التعليم:
لقد ساهم النظام التربوي الغريب المتبع عندنا في تعميق شروخ الوحدة الوطنية وتباعد مكونات الشعب عن بعضها البعض.حيث يلاحظ عندنا:
• أن التعليم العام لا يرتاده إلا أبناء الفقراء والشرائح الاكثر هشاشة في المجتمع نظرا لتدني مستواه وافتقاره للجدية والانضباط وضعف الامكانيات ورداءة الأداء وضعف التسيير, ويلاحظ أن نسبة التسرب المدرسي قبل انهاء لمرحلة الابتدائية عندنا هي الأعلي عالميا حيث تصل الي 58% للذكور و66% للإناث . في قطاع التعليم العام ثلاثة أرباع الطلاب والتلاميذ من شريحة الحراطين!
• المدارس الخاصة التي تدرس باللغة العربية معظم مرتاديها من شريحة البيظان وقليل من الميسورين من شريحة الحراطين.
• المدارس الخاصة التي تدرس باللغة الفرنسية معظم مرتاديها من شريحة الكور وقليل من الميسورين من شريحتي الحراطين والبيظان.
عدم إدراك لخطورة الواقع التعليمي في موريتانيا جعل نظامنا التعليمي يتمايز الي شرائح عرقية ثلاث مع الوقت ستحدث قطيعة شبه كاملة مع بعضها.
في جميع دول العالم كان القطاع التعليمي الخاص مكمل للقطاع العام وليس بديل عنه.
3. إشكالية العبودية:
لا شك أن العبودية بشكلها الفج والصريح لم تعد موجودة في موريتانيا,إلا في حالات نادرة وفي موريتانيا الاعماق وبعيد عن مؤسسات المجتمع المدني, إلا أن مخلفات الاسترقاق بادية للعيان في كل مكان حيث ترزح معظم شريحة الحراطين تحت نير تلك المخلفات علي المستويين الاقتصادي والاجتماعي متمثلا في تهميش غير ممنهج,جعل معظم افراد هذه الشريحة تعيش علي الهامش في كل شيء تقريبا.
التعامي عن حال هذه الشريحة ظلم صارخ وإجحاف تأباه الفطرة السوية, وتحتاج هذه الشريحة لعملية رد إعتبار مادي ومعنوي يبدأ من التمييز الايجابي فقدما.
رابعا: الموارد الطبيعية:
العديدون يتصورون أن موريتانيا دولة فقيرة وبالكاد تكفي عائداتها الحالية لدفع رواتب الجهاز الاداري للدولة,وأن موريتانيا تضطر الي اللجوء الي القروض الخارجية لتمويل مشاريع البنية التحتية!
الحقيقة خلاف ذلك بكثير, فموارد موريتانيا الستة(المعدنية والسمكية والنفطية) تدر دخلا متواضعا نظرا الي قصور السياسات العامة المتبعة في هذه القطاعات وعدم إلمام المخططون العامون بأهمية تعظيم العائدات عبر الاستغلال الكلي للمورد دون داعي لشريك أجنبي.هذا فضلا عن إستشراء الفساد في مفاصل الدولة الشيء الذي يحرم الدولة الموريتانية سنويا من مبلع يتراوح من 27 الي 55 مليار دولار امريكي( من 8,1 الي 16,5 تريليون أوقية) أي 8100 الي 16500 مليار أوقية! (سيتم التفصيل وبلغة الأرقام في االحلقة القادمة إن شاء الله) وبحسبة بسيطة نجد أن السياسات غير الرشيدة والفساد وعدم الإلمام بأساليب التخطيط الاستراتيجي جعل موريتانيا تخسر سنويا ما متوسطه 41 مليار دولار امريكي ولو قمنا بحساب هذا الفاقد فقط منذ تسلم العسكر الحكم في صيف العام 1978 حتي الآن لوجدنا أن موريتانيا فقدت خلال 38 سنة مبلغ 1,558 تريليون دولار أمريكي وهو مبلغ يعادل 31 ضعف المبلغ الذي تم به إعادة بناء عموم أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية في خطة مارشال الشهيرة.
خامسا: دور النخبة الوطنية:
الهوس المرضي بالسياسة هو ما جعل النخبة الموريتانية لا تري لنفسها دورا خارج الممارسة السياسية التي يفترض أن شريحة قليلة من النخب فقط تتعاطاها,هذا الأمر عطل طاقات المجتمع الحيوية وإحتكرها في مجال لا يستدعي كل هذا الزحام,فضلا علي أن تهافت النخبة علي السياسة أوجد سعارا محموما من التنافس غير الشريف كان المحضن الذي فقس اعتي الدكتوريات العسكرية في بلدنا ولا زال.
الدور الفعلي والحقيقى الذي يفترض بالنخبة الوطنية أن تلعبه سيتم تبيانه في الحلقة القادمة المسماة " سلم الأولويات" بإذن الله تعالي نظرا الي أن هذه الحلقة قد طالت قليلاً
والله من وراء القصد وهو عز وجل ولي التوفيق

........ يتبع إن شاء الله ............

د.الحسين الشيخ العلوي
28/06/2016
نواكشوط – موريتانيا
elallawy@yahoo.com


 


عودة للصفحة الرئيسية