شباب يفتحون مسمكات في الأحياء الشعبية لبيع السمك بأسعار رمزية أغلبية صامته لشعب يعاني هكذا تحولت إفريقيا إلى ساحة حرب بين الجزائر والمغرب قراءة في رواية "مسافات وأوحال" للروائي محمد ولد گـواد تركيا تشتري طائرة زين العابدين بن علي نداء لتدخل عاجل من أجل حماية المخزون الرعوي رثاء وتـرحم / يحي ولد سيدى المصطف هذا انأ ..من أصداء الميدان ... أتيت ... فانتخبوني النضج الفرنسي والحكمة الغامبية خدمة "واتساب" ستتوقف على هذه الأجهزة الهاتفية في نهاية الشهر

أجل.. إن للتنقيب أثرا بيئيا سلبيا

الأربعاء 29-06-2016| 09:30

محمدو ولد البخاري عابدين


عندما قامت الصناعات وغيرها من الأنشطة الاقتصادية بالعالم في أول الأمر لم يكن الأثر البيئي لتلك الأنشطة معروفا أو مأخوذا في الحسبان، إلى أن ظهرت تلك الآثار في صور مختلفة حسب طبيعة كل نشاط، فيضانات أو انحسار لمياه الأنهار في حالة تغيير مجاري الأنهار أو إقامة السدود، تآكل للشواطئ في حالة إقامة الموانئ، تصحر وانجراف للتربة واختفاء للعديد من الكائنات والحيوانات البرية في حالة إزالة الغابات والأشجار لأغراض التوسع العمراني والزراعي، ظهور لأوبئة وأمراض بسبب تزايد أعداد الحشرات الناقلة للأمراض نتيجة لتدخل بشري للقضاء على حشرات أو كائنات أخرى كانت تحد من تزايد أعداد تلك الحشرات الناقلة طبقا لأنظمة التوازن البيئي المعروفة.
وكان من أكثر وأكبر مظاهر التأثير البيئي للأنشطة الاقتصادية التي أيقظت شعور العالم تأثيرات انبعاث الغازات الكربونية وتأثيرها على طبقة الأوزون، وتجليات ذلك في ظاهرة الاحتباس الحراري وانعكاساته الملموسة والمتزايدة على العديد من الأنظمة البيئية، ومن هنا لم تعد الدراسات الفنية أو الجدوى الاقتصادية كافية لاتخاذ القرار بإقامة مصنع أو أي نشاط اقتصادي، وإنما أصبح من اللازم القيام بدراسة الأثر البيئي لهذا النشاط موازاة مع الدراسات الفنية والمادية، وقد يتم إلغاء نتائج تلك الدراسات بالكامل إذا اتضح أن هناك إمكانية لتخفيف الأثر البيئي للنشاط قصرت عنه الدراسات الأولى..
وعمليات التنقيب المُقام بها اليوم في منطقة تازيازت من طرف المواطنين لها آثار بيئية سلبية، وتختلف تلك الآثار بالطبع عن الآثار البيئية المترتبة على عمليات التنقيب والاستخراج التي تزاولها الشركات المعدنية، وإن كانت الآثار السلبية للأخيرة أكبر، إلا أن إجراءات ووسائل التخفيف منها توجد ضمن اتفاقيات الدولة وتلك الشركات، وهناك التشريعات التي تلزم هذه الشركات باحترام الجانب البيئي، وتعطي للدولة الحق في المراقبة والتفتيش واتخاذ الإجراءات اللازمة عند الاقتضاء.
أما الآثار السلبية لعمليات التنقيب اليدوي التقليدي فهي من نوع آخر، وهي بطبيعتها أخف لخلوها من استخدام الكيمياويات والعناصر المعدنية الثقيلة المستخدمة في عمليات التصفية والتحويل، إلا أنها مع ذلك تبقى آثارا سلبية في جانب مخلفات الكم الكبير من المنقبين المتواجدين في منطقة التنقيب وما يتركونه وراءهم من نفايات تضر أكيدا ببيئة ونقاء ومنظر و"عذرية " هذه المناطق
وهناك أيضا عمليات الحفر التي تخلف حفرا وأكواما من التراب وكلهما يغيران من طوبوغرافية التربة، وإن كان ضرر الحفر يقتصر على عرقلتها لمرور ورعي الماشية في هذه المنطقة الرعوية مثلا، بالإضافة إلى خطرها على حركة السيارات واحتمال تسببها في حوادث السير. إلا أنها، أي الحفر، تظل أقل خطرا من أكوام التراب والربى التي تغير من حركة وانسيابية المياه السطحية في حالة الأمطار والسيول، كما أن وجودها في مناطق صحراوية مكشوفة يشكل نواة لتشكل الكثبان الرملية بتجمع الرمال حولها شيئا فشيئا.. وليست عمليات التنقيب عن الذهب وحدها المخلفة لهذه الأكوام في منطقة إينشيري، فهناك أيضا عمليات استخراج الحصى التي حولت مناطق وسهول بكاملها إلى مغارات وأكوام تراب عبرت الساكنة عن تضررها منها!
أما الحفر التي حتى وإن كانت حفرا عشوائية نتجت في الأصل عن عمليات التنقيب اليدوي، إلا أنها في حد ذاتها تعتبر تقنية معروفة من تقنيات إعادة الغطاء النباتي للتربة وحفظها من الانجراف، ففي الأراضي ذات الميل الخفيف أو المتوسط، والخالية من الغطاء النباتي بسبب انزلاق مياه الأمطار بسرعة من فوقها، أو لقلة نفاذيتها بحيث لا تمتص من الرطوبة ما يكفي لإنبات بذور الحشائش والأشجار، فإنه يُعمد إلى إقامة حفر على سطحها على مسافات وباتجاهات محددة تكون متعامدة على ميل التربة وجريان المياه تعرف عند فنيي حفظ التربة بنصف القمر ( Demilune ) ومرفق بهذا الكلام شكل توضيحي لتلك الحفر.
والهدف من حُفر " نصف القمر " هذه هو أنها على مدار العام تحمل لها الرياح تربة خفيفة بالإضافة إلى بذور الحشائش والشجيرات والأشجار، وعندما تأتي الأمطار تمتلئ هذه الحفر بالماء مشكلة بذلك مهدا ملائما لإنبات ونمو تلك النباتات، الشيء الذي لم يكن ممكنا مع ميل التربة أو قلة نفاذيتها وقدرتها على امتصاص الماء، ولتقريب الصورة لكم أكثر انتبهوا وانتم تسلكون أحد محاور طرقنا الداخلية، خاصة الطرق المارة من السهول والأراضي الطينية الصلبة، فستلاحظون وجود حشائش وشجيرات متجمعة في الحفر التي حفرتها الجرافات أثناء تشييد الطريق، كما ستلاحظون في مناطق أخرى أشرطة من النباتات في مكان مرور عجلات السيارات في الطرق غير المعبدة ( le trace )، وتفسير ذلك هو أن الحفر التي حفرتها الجرافات، والأخاديد التي حفرتها عجلات السيارات تجمعت بها التربة الخفيفة وبذور الحشائش والشجيرات، واحتفظت بكمية كافية من ماء المطر لتوفير الرطوبة اللازمة لإنبات البذور ونمو الحشائش والشجيرات..
الآثار البيئية السيئة لعمليات التنقيب التقليدي عن الذهب إذن هي النفايات والحفر وأكوام التراب، وبالنسبة للنفايات فإنه يمكن وضع مقاربة للتخلص منها بإقامة نقاط تفتيش على مخارج مناطق التنقيب لا يسمح فيها للسيارات القادمة من هذه المناطق بالمرور إلا إذا كانت محملة بنفايات أصحابها خلال الفترة التي أمضوها هناك ليتم جمعها ومعالجتها في أماكن خاصة، مع القيام بدوريات وحملات جمع لهذه النفايات ونقلها ومعالجتها بعيدا عن المكان، أما بالنسبة للحفر وأكوام التراب فمن المستبعد أن يلتزم المنقبون بتسويتها، ولذلك دعونا هنا نغمض أعيننا ونتخيل أن تبادر المصالح المختصة بوزارة البيئة، بالتعاون مع المصالح الأخرى بوضع مخطط لمعالجة هذه الحفر والأكوام، وذلك بتخصيص محاصيل الرخص وجمركة أجهزة التنقيب، أو باقتطاع نسبة من أي كمية من الذهب يتم بيعها لتوفير آليات وفرق فنية للإشراف على تسوية التربة في أي منطقة رفع عنها المنقبون أيديهم لعدم جدوائية التنقيب فيها ومنع التنقيب فيها مجددا، ولم لا يتم إنشاء مشاتل للأشجار الأصلية للمنطقة يتم غرسها في هذه الحفر مع أول سقوط للأمطار؟ لن يكون ذلك كله إلا جزء بسيطا نعطيه لهذه الأرض مقابل ما أخذناه منها..


محمدو ولد البخاري عابدين



 


عودة للصفحة الرئيسية