450 ÷ 130.000 = ؟

الجمعة 8-07-2016| 01:27

محمدو ولد البخاري عابدين

اتركوا آلاتكم الحاسبة جانبا، فقد تولينا عنكم إجراء هذه العملية الحسابية البسيطة والتي وجدناها تساوي ( 0.00 ) وهي النتيجة التي ضربناها أيضا في 100 للحصول على النسبة المئوية للرقم الأصغر من الرقم الأكبر ونحن على علم مسبق بأننا سنجد النتيجة (0 ) وفعلا وجدناها كذلك.. صحيح أن النسبة الحقيقية الدقيقة هي 0.35% إلا أنها نسبة مجهرية لا تعني شيئا يذكر في هذا النوع من الحسابات.

130.000 هو العدد الضخم للقطع الأرضية التي تم توزيعها على سكان أحياء الصفيح و " الكزرات " منذ بداية عملية هيكلة الأحياء العشوائية وتخطيطها في نواكشوط وبعض المدن الداخلية منذ سنة 2009، حيث وصلت تلك القطع الأرضية الموزعة إلى حدود 110.000 قطعة في نواكشوط، و5000 قطعة في نواذيبو، وما يزيد على 15.000 قطعة أخرى في كل من روصو وكيهيدي واكجوجت وازويرات.. وإذا ما أخذنا خمسة أفراد كمتوسط لعدد أفراد الأسر الحاصلة على القطع الأرضية، فسنجد أن 650.000 مواطنا شملتهم هذه العملية وهو ما يقارب خمس سكان البلاد وثلث سكان الوسط الحضري، وبحصول كل أسرة من هذه الأسر على قطعة أرضية بمساحة 120 متر مربع، فستكون المساحة الإجمالية لما تم توزيعه من قطع هي 1560 هكتار.

أما العدد 450 فهو عدد الأسر التي كانت تقطن المساحة المقابلة لمستشفى العيون بمقاطعة لكصر، وهو العدد الذي لا يساوي شيئا، من الناحية العددية، بالنسبة لما يقارب خمس سكان البلاد الذين وجدنا أعلاه أن عملية توزيع وتمليك القطع الأرضية شملتهم في نواكشوط وعدد من عواصم الولايات في إطار خطة هيكلة المدن والقضاء على العشوائيات، وهي العملية المتحدثة عن نفسها من حيث حجمها وحجم المستفيدين منها وفائدتها على الناس، وبالتالي بعدها كل البعد من الشعارات الشعبوية الكاذبة..!

وقصة ال 450 أسرة بمقاطعة لكصر التي كانت مسرحا لأحداث الشغب والعنف الأخيرة، وبتواتر كل الروايات، بما فيها رواية السكان أنفسهم، كانت كالآتي: مواطنون كانوا يسكنون مساحة أرضية يدركون ويسلمون بأنها مملوكة لخصوصيين، ولم يكن سكن من بدءوا سكنها من هؤلاء المواطنين أصلا بهدف الحصول على قطع أرضية وإلا كانوا سكنوا بالأحياء العشوائية التي ظلت إلى وقت قريب تطوق مدينة نواكشوط وحصل سكانها على قطع أرضية، وإنما سكنوا هناك بهدف التقرب لمواطن الشغل في الأحياء والورشات المحيطة بهذه المساحة التي كان ملاكها يسمحون لهم بالبقاء فيها ولكن بصورة مؤقتة إلى حين بدء استغلالها، مثلهم مثل الكثير من الأسر التي تسكن بمقاطعة تفرغ زينه مثلا كحراس لورشات بناء المنازل ويدركون أنهم يسكنون هناك بصورة مؤقتة.

أما العملية التي مر بها حل مشكل هؤلاء المواطنين، وبتواتر روايات الجميع كذلك ملاكا وسكانا فهي أيضا كالآتي: تغاض من ملاك هذه المساحة عن السكن بها من طرف مواطنين فقراء يعيشون على الكسب من العمل في المنازل والورشات القريبة إلى حين بدء استغلالهم لها، ثم مماطلة من هؤلاء المواطنين في إخلاء هذه المساحة لملاكها لما طلبوا إخلاءها استعدادا لبدء استغلالها، ثم مفاوضات وتعويضات من طرف الملاك وتدخل من الدولة بمنحهم قطعا أرضية في منطقة جديدة كسائر المواطنين الذين تم ترحيلهم إلى مناطق جديدة في عملية تقتضيها هيكلة العشوائيات وتخطيطها، ولم نجد أيا منهم، وهم بعشرات الآلاف، يرفض أو يحتج على ترحيله إلا في حالات ما يعرف بمشكل المداخلات في القطع الأرضية بين السكان.. صحيح أن هؤلاء السكان لاقوا في بداية ترحيلهم صعوبات مفهومة بالنسبة لمناطق جديدة تنقصها الخدمات، لكنهم مجمعون على أن ما لاقوه من صعوبات أخف بكثير من التكدس في العشوائيات التي كانوا يقطنونها لعقود، وهم الآن في أحياء تتطور باستمرار ويتواصل فيها الإعمار وتوفير الخدمات.

والمدن، كما هو معروف عالميا، يتم تخطيطها على أساس أحياء راقية يتملك فيها ويقطنها القادرون على بناء النمط المعماري الخاص بها من عمارات ومنازل فخمة ومحلات تجارية وسياحية، وعلى تحمل الضرائب على السكن والأنشطة التجارية والصناعية الممارسة بها، وأحياء شعبية يتملك فيها ويقطنها أيضا أصحاب الدخل ونمط العيش الملائم لها كتلك التي نسكنها، وليس القرب من مواطن الشغل وسهولة العيش حجة مقنعة لاحتلال أراضي أو أملاك الغير، وإذا كان الأمر كذلك فكل الناس ينشدون تلك الميزات لكن يمنعهم من ذلك الدين والقانون والأعرف التي من لم يحترمها للناس لن يحترموها له..!

هؤلاء المواطنون هم الآن في قطعهم الأرضية الجديدة التي سيتأقلمون مع ظروفها، وسيبدؤون بناءها حائطا ثم غرفة ثم غرفة ثانية وثالثة وهكذا.. مثلما بنا من سبقوهم في الأحياء الجديدة بيوتهم طوبة طوبة، وإذا كانت التعويضات لهم ومنحهم قطعا أرضية قد شهد تأخرا أو تلاعبا، فهو التلاعب نفسه الذي رافق عملية تأهيل العشوائيات برمتها بفعل شجع بعض المواطنين رغم نداءات السلطات لهم بالتعاون مع الإدارة، وكذلك بفعل لا مسؤولية لجان الإشراف التي تم حلها وفصل أعضائها عدة مرات كلما تم اكتشاف تلاعبهم وتمالؤهم.

لكن المواطنين المتظلمين ظلوا يلجؤون دوما للسلطات لا للعنف والتخريب، وليس من المنطقي أن تكون هذه المجموعة هي وحدها من بين مائة وثلاثين ألف أسرة التي تلجأ لحل تظلماتها عن طريق العنف، وقد صرح أفرادها بذلك وتبرؤوا من الأحداث التي جرت، تماما مثلما تبرأ سكان كيهيدى قبل سنوات من أعمال العنف والتخريب التي قام بها المحتجون ظاهريا على عملية التقييد السكاني وباطنيا لأجندات أخرى، وبدأ أولائك السكان بعد انتهاء الأحداث بعملية رمزية لكنس آثار ذلك التخريب من الشوارع ومن النفوس.. ومثلما استقبل نفس الأشخاص مسيرة العائدين عند دوار مدريد وقاموا بتكسير سيارات الشرطة والمواطنين وكان من ضمنهم أجانب، ومثلما هب مواطنون عاديون سمعوا أن المصحف تم تمزيقه فلحق بهم آخرون " غير عاديين " قاموا بأعمال التخريب وإشعال النيران، وأيضا شهدنا خلال تلك الأحداث أجانب يقفون على الإطارات وهي مشتعلة ويرفعون إشارات النصر، وكأنهم يريدون القول لنا نحن معكم في تخريب بلدكم!!

ومنذ ذلك اليوم وما سبقه وما لحقه من أحداث إما يقودها مخربون أو يركبون موجتها، وفي ظل تزايد عدد الأنشطة المشبوهة، أصبحنا ندرك موقف وأحقية السلطات في التصدي لأي نشاط غير مرخص أو تقوده جهة غير مرخصة، لأنه بدون ذلك هناك من هو مستعد لحرق البلاد خلال ساعات، بل وهناك من لن يتأخر، وهو يمشى على الرماد، في إصدار بيانات التنديد لا بحرق البلاد وإنما بما يسميه القمع، وهو بذلك يشجع على ثقافة العنف والتدمير ويشكل ظهيرا لقوى التدمير والتخريب، لا لنظام يعارضه ويسعى في إضعافه بذلك التصرف كما يعتقد، وإنما لبلد يُفترض أنه ينتمي إليه!

أسمحوا لنا، فلن نقبل من أي كان مهما كان موقفه وموقعه وخلفيته، ولا من عشاق الملاحم، أن يصوروا لنا أحداث لكصر الأخيرة وكأنها نتيجة حتمية لظلم وتهميش الدولة لمجموعة مواطنين محرومين من السكن، بينما كان ضعفهم 290 مرة في أحياء مشابهة بل وأكثر اكتظاظا وغيابا لوسائل الحياة، فتم تأهيل وتخطيط أحيائهم في سلام ووئام وهدوء، وتم منحهم أراض حتى دون التعويض المادي الذي حصلت عليه هذه المجموعة عطفا وتكرما وحبا في السلم والإنصاف من طرف ملاك الأرض، فكيف يتجاهل البعض كل هذه الحقائق والمعطيات وتنهمر علينا بياناته ودموعه " الماسخة " ولماذا؟! لأن مواطنين كانوا يحتلون مساحات لخصوصيين باعترافهم، وفي اليوم الأول لبداية تنفيذ حل مشكلهم وترحيلهم إلى أماكنهم الجديدة تدخل من نصبوا أنفسهم سلطة موازية لفرض قوانينهم وتنفيذها بأنفسهم، ورأينا أن لا أضرار مادية ولا مصاب من بين السكان ولا المخربين، وكل الإصابات البليغة منها والمتوسطة في صفوف قوات الأمن، وكل الأضرار المادية في سياراتهم وفي سيارات المواطنين الأبرياء! فمن الذي ظلم أو حرم هؤلاء المواطنين، وما هي خصوصيتهم التي منهجت الدولة ظلمهم وحرمانهم على أساسها خلافا لعشرات آلاف المواطنين الآخرين؟!

الدولة تظلم أحيانا بإرادتها وغالبا بإرادة ولا مسؤولية وكلائها، لكن المواطنون يظلمون أيضا، يظلمون مواطنين آخرين ويظلمون الدولة ويظلمون أنفسهم، ولكي يكون لوقوفنا ضد الظلم معنى ويعول علينا المظلومون في مناصرتهم فلا ينبغي أن يجدونا، تبعا لأهوائنا، تارة مع الظالم وتارة مع المظلوم!

اللهم وأرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وازرقنا اجتنابه.. فننصح، والدين النصيحة، من يلتبس عليه الحق بالباطل بالإكثار من هذا الدعاء، مع التأكد من عدم قراءته بالمقلوب.. فالباطل هو الباطل دائما، والحق دائما هو الحق.


 


عودة للصفحة الرئيسية