ردا على بيان نقابة الصحفيين الموريتانيين انباء عن تعديل وزاري جزئي وهيكلة جديدة أي مغزى لزيارة الرئيس الصحراوي لمنطقة "الكركرات"؟ موريتانيا: كم ساعة تقضيها في دفع ضرائبك سنويا؟ مفاجأة مايكروسوفت في 2017 صراع التعريب وصيانة الهوية والوحدة الوطنية الاعلان عن مسابقة خارجية لدخول مدارس المعلمين موريتانيا: الظلام.. والحيرة (افتتاحية) كسارات لزيادة إنتاجية المنقبين التقليديين عن الذهب بعد خسارة استفتاء تعديل الدستور.. رئيس وزراء إيطاليا يقرر الاستقالة

تركيا تمجُّ آخر انقلاباتها العسكرية

السبت 16-07-2016| 15:11

بقلم/ م. محفوظ ولد أحمد


من المؤسف أن يكون في تركيا من لا يزال يفكر في الاستيلاء على السلطة بالقوة. طالما كان هذا التوحش السياسي ما يزال موجودا فإن أمام الدولة التركية المزيد من العمل.


لكن تركيا ليست مفلسة أيضا؛ لقد أظهرت أحداث الأمس أنها قطعت شوطا بعيدا، كان نظامها الحالي هو بطله دون ريب.


من هي تركيا؟


في مطلع القرن العشرين، الذي شهد نشوء القوى العظمى الجديدة في الغرب وروسيا، تردد مصطلح "الرجل المريض" عنوانا للقضاء على الامبراطورية العثمانية التي استطاعت أن تحكم من تركيا كافة الأقطار الإسلامية وأن تمد تحت راية "الخلافة" رقعة العالم الإسلامي إلى تخوم أوروبا وآسيا، وتنجز أعمالا عظيمة بتدبير قادة عظماء.


توفي الرجل المريض، وكان من ممن نعَته الحربُ العالمية الأولى. وشارك الجميع، بمن فيهم زعماء عرب، في الإجهاز عليه.


تقلصت "الامبراطورية العظيمة" إلى دولة للأتراك، قام زعيمهم التاريخي "اتا تورك" بتقزيمها في دولة قومية تجافي محيطها التاريخي الأخوي وتستجدي محيط عدوها التاريخي (الغرب)، فخسرت الأول ولم تظفر بطائل من الثاني.


ثم جاءت فترة التقزيم الثانية على مدى عقود من الانقلابات العسكرية منذ 1960، يدمر كل واحد منها ما تم بناؤه أو شرع فيه ليعيدها إلى الصفر.


وفي رهبة الانقلابات العسكرية الداخلية والدسائس الخارجية، ظلت النخب السياسية التركية أسيرة لخوفها، تدور في حلقة "الأتاتوركية" العلمانية الضيقة التي لا تنتج غير الخصام والدوران، حتى ظهر عمدة اسطامبول السابق رجب طيب أردغان ونخبته المنضوية في "حزب العدالة والتنمية"، حيث كشف للأتراك عن حلقات أخرى من "الأتاتوركية" غير العلمانية التي لم يسيغوها أصلا!


نجح هذا الحزب الصغير المنبثق عن حزب نجم الدين أربكان الإسلامي، واستقطب زخما شعبيا تزايد مع نجاحاته الباهرة في تدبير الشأن التركي، وتجاوزه عُقَـد "رهاب" الانقلابات العسكرية و"مقدسات" العلمانية الزائفة.


وبتلك الرؤى المقدامة والنجاحات الاقتصادية والاجتماعية الملموسة، ظل هذا الحزب ورئيسه الخيار الأول في كافة الانتخابات الديمقراطية لعموم الشعب التركي دون منازع.


لكن هذا لم يكن ليكسب تركيا الجديدة محبة خصومها وأعدائها، ولا حتى جيرانها العرب الذين كرهوا فيها تجرؤها على مجادلة إسرائيل، وتعاطفها العملي مع الفلسطينيين الذين يحاربونها فعلا لا قولا!


أما الغرب فيعمل مع تركيا من منطلق تعاون الإكراه الجغرافي وحذر العدو التاريخي! ولذلك ظلت سعادته بتركيا الانقلابات والاضطرابات أكبر من سعادته بتركيا المجد التاريخي والتطور الاقتصادي.


وفي الجانب العربي لم يتعظ العروبيون القوميون من خديعة القوى الاستعمارية التي دفعتهم للخروج على الخلافة العثمانية والإسهام في هزيمتها وتدميرها، فكافأتهم بالتقسيم والاحتلال ثم زرع إسرائيل وحمايتها في فلسطين؛ فظل إعلامهم وأقلامهم وفنهم... في موقف العداء من تركيا إلى اليوم!!


الفخ


ويبدو أن رياح التمرد على الأنظمة الديكتاتورية الفاسدة (الربيع العربي) التي كان من الطبيعي أن ترحب بها تركيا، وجميع الدول الديمقراطية، كانت فرصة جديدة للقوى الكبرى لكي تورط تركيا وتدفعها إلى حلقة جديدة من "التقزيم".


وقد وقعت تركيا بقيادة أردغان نفسه في الفخ تقريبا، فتورطت في المأزق السوري باختيارها في البداية، واضطرارا وإكراها في النهاية، بسبب جوارها لأتون الجحيم السوري والجحيم العراقي، ووجودها على مدخل أوروبا التي يتدفق إليها اللاجئون من كل حدب وصوب.


وقد ظهر الكيد الغربي لتوريط تركيا أردغان في هذا المأزق الكبير من خلال موقف أكبر حلفائها المفترضين (الولايات المتحدة) من المواجهة الخطيرة التي وقعت بين تركيا وروسيا (بعد إسقاط المقاتلة الروسية) حيث كادت الولايات المتحدة أن تقف إلى جانب روسيا، كما أنها وقفت بالفعل في الميدان إلى جانب الجيش الكردي، الذي تعتبره تركيا عدوها الحقيقي الأول.


وبالفعل شعر أردغان بتلك "الخيانة"، إن لم تكن "المكيدة"، وبدأ على الفور يعمل على تدارك الموقف واتخاذ مواقف قوية وحاسمة وربما صادمة؛ فكان تصالحه مع العدو الإسرائيلي ومع روسيا وتلويحه بمد اليد إلى نظامي مصر وسوريا، وهما العدوان اللدودان للربيع العربي!.


الانقلاب


هل جاءت المحاولة الانقلابية الاستعراضية في تركيا إذن في هذا السياق؟ هل كانت فعلا لقطع الطريق أمام "نجاة" أردغان، والإجهاز عليه بأي ثمن، بل وإعادة تركيا إلى حجمها "المناسب"؟


قد يرى المؤمنون بالمؤامرة، والمفرطون في حب أردغان، أن ذلك ما كان، ولن تعوزهم الدلائل؛ فقد كان تأخر ردود الفعل الرافضة للانقلاب من الدول الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ملحوظا وجاء مقترنا بتيقن فشل الانقلاب.


ولكن لما ذا فشلت هذه المحاولة الانقلابية المدبرة بدقة وكثافة؟


من المبكر القطع بالعامل الحاسم في ذلك، ولكن الأكيد أنه بالإضافة إلى الأخطاء المحتملة، كان وعي الشعب التركي وسرعة رفض نخبه السياسية، بمن فيها المعارضة، لهذا الانقلاب, السبب الأساسي لفشلها داخليا وخارجيا.


ولكن يبقى العامل الحاسم في كل ذلك، هو سرعة ظهور الرئيس التركي نفسه؛ ذلك الظهور الذي تميز بالشجاعة والإقدام، لحد المغامرة.


وكان من الملفت في ظهور الرئيس التركي، أمام الإعلام، تلك اللهجة "القتالية" المتحدية والتهديد الصريح لـ"المتمردين" رغم أنهم ما يزالون يمتطون دباباتهم وطائراتهم في شوارع اسطنبول وأنقرة!


وفي جميع الأحوال، وطبقا للمثل: "الضربة التي لا تطيح بك تنفعك" فإن تركيا مقبلة على شأن آخر، لا تُعرف حدوده؛ فهل سيملك أردغان القوة والحكمة للانتفاع بهذه الضربة القوية أم ستضره من جانب آخر قد تبينه النتائج وردود الفعل؟


ويبقي المتأمل في أحداث تركيا كلها حائرا في هذا التفاعل السياسي العربي مع الوضع في سوريا، قبل وبعد هذه المحاولة الانقلابية؟!


فلم تتأخر بعض وسائل الإعلام العربية في الابتهاج والتأكيد على نجاح الانقلاب وتولي الجيش التركي السلطة، وطفق بعض الكتاب والمدونين العرب يمجد "ثورة تموز/يوليو" في تركيا. بينما انطلقت المواكب الاحتفالية بفشل "التمرد العسكري" في تركيا، تسابق الفجر في شوارع بعض المدن العربية، بما فيها نواكشوط... فلمَ كل هذا الاهتمام بالشأن التركي الخاص؟!


صحيح أن تركيا بلد كبير ذو أغلبية سنية له تاريخ عربي إسلامي عظيم، ولكن للعرب في أنفسهم وفي حال بلدانهم ما ينبغي أن يشغلهم عن الآخرين، إلا إذا كان الضيق السياسي يجبرهم على التنفس من تركيا الديمقراطية!


أما الشيء الوحيد الذي "يقربنا" من الانقلاب العسكري الأخير ـ وربما "الأخير" فعلا في تركيا ـ وهو ما ورد في بعض بيانات قادته من أنه يرمي إلى حماية الديمقراطية! لقد كاد أن يكون بيانا عربيا باللغة التركية!!


 


عودة للصفحة الرئيسية