هكذا اعترف رئيس غانا بهزيمته في الانتخابات الاناضول: موريتانيا ستسلم مدارس برج العلم لوقف المعارف التركي موريتانيا تقيم علاقات دبلوماسية‎ مع الفاتيكان جامي يرفض نتيجة الانتخابات وغامبيا على مفترق طرق مجموعة احمد سالك ولد ابوه تنظم اُمسية احياء للمولد النبوي الشريف (تقرير مصور) تعيين مستشار للرئيس .. مقدمة للتغييرات المنتظرة؟ فوز زعيم المعارضة في غانا بانتخابات الرئاسة توضيح من "البث الإذاعي والتلفزي الموريتاني" تعيين مثقف وإعلامي بارز في رئاسة الجمهورية دولة عربية تعيش على تأجير القواعد العسكرية

هجوم نيس: دروس للزمن القادم

الاثنين 18-07-2016| 16:06

د.أحمد محمدالأمين انداري

أثارت حادثة نيس الأخيرة التي قام بها شاب فرنسي من أصول تونسية وتبناها تنظيم داعش قدرا كبيرا من الجدل، وطرحت أسئلة عديدة حول سياق تلك الحادثة الزماني والمكاني، وطرحت أسئلة أخرى أيضا حول دوافع منفذ تلك الحادثة والأسباب المختلفة التي دعته إلى تنفيذها، وعن الجهات التي تقف وراءها، وحاولت تحليلات عديدة أن تجيب على تلك التساؤلات ووفق بعضها في ذلك، بيد أن الأسئلة الأهم التي يجب أن تطرح في الوقت الحالي هي تلك المتعلقة بأهم الدروس والعبر التي يمكن استخلاصها والخروج بها من حادثة نيس، فما هي ياترى أهم تلك الدروس والعبر؟
الضغط يولد الإنفجار
في الولايات المتحدة الأمريكية أجريت ذات مرة تجربة تربوية على مجموعة مصطفاة تم اختيارهم بعناية بالغة من بين خيرة الطلبة في معهد لتخريج القضاة وقد تلخصت تلك التجربة في أنه تم تكليف أولائك الطلبة من قبل طاقم التدريس بالمعهد بإجراء بحث في موضوع معين، وقد تعمد طاقم التدريس أن يكون انجاز ذلك البحث يحتاج إلى فترة زمنية لاتقل عن عشرة أيام لإنجازه غير أنهم لم يمنحو الطلبة إلا يومين فقط لإنجاز البحث المطلوب، وسمحو لهم بأن يطلعواعلى مايشاؤون من مراجع في المكتبة، وقامو خلسة بوضع كاميرات لمراقبة الطلبة من أجل التعرف على ردة فعلهم، وأخفو عنهم أمر تلك الكاميرات.
وكانت المفاجئة هي أن الطلبة قد انطلقو في البداية بهمة ونشاط وهم يحاولون انجاز البحث في الوقت المطلوب، لكنهم سرعان ما اكتشفوا استحالة المهمة وأنه يتعذر عليهم انجازها في الوقت المحدد،فكان أن نسي الطلبة كل ماتعلموه، وإزاء ظرف غير طبيعي تراجعت قيمهم وإحساس كل منهم بالآخر، فراح كل واحد منهم يسارع إلى البحث والتنقيب في المراجع والكشف عن الصفحات المطلوبة، ليس من أجل اكمال بحثه وإنما من أجل تمزيق تلك الصفحات المطلوبة للبحث وإخفائها حتى لايتمكن زملاؤه من العثور عليها والإستفادة منها، لقد أدرك كل واحد منهم استحالة النجاح في المهمة في الوقت المحدد، فتحولت مهمته إلى منع الآخرين من تحقيق ذلك النجاح.
وكانت خلاصة تلك التجربة أنه إذا قمت بوضع انسان طبيعي في ظروف غير طبيعية فستكون ردة فعله حتما غير طبيعية، وأبناء الجاليات الإسلامية في أوروبا كغيرهم من أبناء تلك الجاليات في أوروبا والغرب وضعوا لسنوات عدة في ظروف غير طبيعية من العنصرية والكراهية والظلم والغبن والتهميش، وتم التعامل معهم في كثير من الأحيان على أنهم عبء على تلك الدول وسرطان ينخر في مجتمعاتها ويجب استئصاله والتخلص منه، وتعرضو للمطاردة والملاحقة باعتبارهم طابورا اسلاميا خامسا يجب القضاء عليه وتحييد خطره فكان من الطبيعي أن تتولد لديهم ردة فعل غير طبيعية تجسدت في ذلك الكم الهائل من الحقد المدمر على تلك المجتمعات الذي استغلته داعش لكي تعيث في تلك المجتمعات تدميرا وتخريبا عبر سلسلة من الهجمات التي من بينها هجوم نيس الأخير.
بمعنى أن منفذ هجوم نيس كغيره من منفذي تلك الموجة من الهجمات الإنتحارية التي ضربت الدول الغربية في الآونة الأخيرة لم يولد ارهابيا أوقاتلا، وإنما كان هو ذاته قبل أن يصبح إرهابيا ضحية ولفترة طويلة لأشكال عديدة من الإرهاب النفسي والمعنوي والضغوط الهائلة التي أفضت به في النهاية إلى الوقوع في شرك الإحباط وفقدان التوازن وعدم القدرة على التفكير المنظم فكان أن تلقفته داعش بأيديلوجيتها المتطرفة لتعيد صياغة شخصيته وتصنع منه واحدا من أخطر الإرهابيين وأكثرهم قدرة على إحداث التدمير كما تجسد ذلك في هجوم نيس.
السياسات الفرنسية والغربية الظالمة على المستويين الخارجي والداخلي هي التي صنعت هذا الجيل الجديد من الإرهابيين الذين ولدوا وترعروا في المجتمعات الغربية وعاشو فيها حينا من الدهر لكنهم لم يتمكنوا من الشعور أبدا بالإنتماء إلى تلك المجتمعات بسبب سياسات داخلية تقوم على الإقصاء والتهميش والغبن ومنعهم من أبسط حقوقهم الدينية والمدنية، وسياسات خارجية تقوم على استنزاف خيرات الشعوب الضعيفة والتدخل في شؤونها، والوقوف في صف الظالمين ومناصرتهم ضد الظالمين.
ضغطت فرنسا والغرب كثيرا على أبناء الجاليات الإسلامية مرة عندما احتلت بلدانهم الأصلية واستزفت خيراتها لسنوات طويلة من الزمن، وضغطت عليهم مرة أخرى حين تنكرت لتضحياتهم الجسيمة من أجل بناء تلك الأوطان الغربية وبقائها، فعلى سبيل المثال فإنه على الرغم من أغلب المنجزات والتقدم الذي أحرزته فرنسا ظوال العقود الماضية كان عن طريق أولائك المهاجرين المسلمين الذين ساهموا بقسط وافر في شتى الميادين في نهضة فرنسا وتقدمها وإليهم يعود كثير من الفضل في بقاء مؤسساتها، فهم الذين ضحوا بأرواحهم في الحربين العالميتين وخسروا عشرات الآلاف من الضحايا من أجل وضع حد لاجتياح الألمان لفرنسا وأوروبا، وهم الذين خاضوا أقسى الحروب في مجاهل الهند الصينية وغاباتها وأحراشها ووضعوا أرواحهم على أكفهم وقدموها رخيصة من أجل تحقيق الإنتصار لفرنسا وناصروها ظالمة أومظلومة في مختلف حروبها ومغامراتها العسكرية.
وعلى الرغم كذلك من أن الكثيرين من أبناء تلك الجالية ناضلوا نضالا شاقا في سبيل ترسيخ المؤسسات المدنية والسياسية الفرنسية، وكان لمعظمهم إسهامه الذي لاينكر في ترسيخ الديمقراطية الفرنسية، وعلى الرغم أيضا من أن أجيالا عدة من أولائك المهاجرين المسلمين قامت على أكتافهم وسواعدهم النهضة الفرنسية، وأنه حتى كرة القدم لم تكن فرنسا لتكون فيها شيئا يذكر لولا أبناء أولائك المهاجرين المسلمين الذين جعلو منها بطلة للعالم، على الرغم من كل ذلك فإن كل تلك التضحيات التي قدمها المهاجرون المسلمون لم تشفع لهم ليحصلوا على الحد الأدنى من التقدير والمعاملة الكريمة فظلت النظرة الدونية والتعامل بعنجهية وعنصرية هما الحاضر الأكبر في التعامل معهم.
وبالتأكيد فإن ذلك التعامل قد ولد لدى الجيل الجديد من أبناء الجالية احتقارا كبيرا لفرنسا ومؤسساتها وإحساسا بالمرارة والإحباط من تلك المؤسسات التي لم تنجح قط في استيعابهم وجعلهم يحسون بالإنتماء إليها، وقد كان لذلك الإحباط تجليات مختلفة بدءا بثورة الشباب المهاجرين وانتفاضاتهم العديدة التي تسببت في اضطرابات اليوليو في العام 2005، وضاحية فيليه لوبل في العام 2007 التي اندلعت كنوع من احتجاج أبناء المهاجرين على عنصرية الشرطة الفرنسية وتعاملها المقيت والمهين معهم والذي تسبب في مقتل العديدين منهم، مرورا بمدرجات ملعب السان دوني حين قابلوا غير ما مرة النشيد الوطني الفرنسي الذي كان يؤدى في مباريات المنتخب الفرنسي لكرة القدم بسيل من صفارات الاستهجان معتبرين أنه لايمثلهم، وصولا إلى ذلك السيل من الهجمات الدامية التي شهدتها فرنسا في الآونة الأخيرة والتي كان آخرها هجوم نيس الأخير الذي استخدمت فيه شاحنة بضائع وراح ضحيته عشرات القتلى ومئات الجرحى.

المقاربة الأمنية وحدها لاتكفي
على الرغم من أن فرنسا كانت وما زالت تمتلك واحدا من أقوى الجيوش في العالم ومؤسسات أمنية واستخبارية عديدة على درجة كبيرة من الكفاءة فإن كل تلك الجيوش والقوى الأمنية التى سبق لها وأن رفعت من درجة تأهبها واستعدادها إلى أعلى مستوياتها بسبب الهجمات السابقة التي تعرضت لها فرنسا في الأشهر الأخيرة لم تنجح في حماية المواطنين الفرنسيين الذين تم دهس العشرات منهم من قبل منفذ الهجوم الذي ظل يدهس بشكل عشوائي كل من وجده أمامه على مدى كيلو مترين كاملين قبل أن تقتله رصاصات الشرطة، وقد وجد المنفذ الوقت الكافي ليقتل ويصيب كل ذلك العدد من المواطنين الفرنسيين وقد فعل ذلك بكل برودة دم وأين في منتزه عام، وفي يوم العيد الوطني لفرنسا حيث ترتفع درجة الاستعداد الأمني إلى أعلى مستوياتها.
وقد جاء ذلك الحادث ليثبت للمرة المليون أن المقاربة الأمنية وحدها لاتكفي وأنه لابد من إردافها بمقاربات تنموية وسياسية شاملة، تتجه إلى مكامن الداء الحقيقية لتعالجها ولتضع وصفات ناجعة ودواءا شافيا لها، وتتطلب اللحظة الراهنة بكل ماتطرحه من مصاعب وتحديات من النظام الحاكم في فرنسا قدرا من ضبط النفس و التأمل في مآلات الأمور كما تتطلب قدرا كبيرا من التواضع الذي يملي على فرنسا أن تتعلم ولو من دول أقل منها شأنا بكثير وأكثر منها ضعفا ومع ذلك تمكنت من أن تبعد شبح الإرهاب ومخاطره عن مواطنيها لأنها نجحت في تبني مقاربات شمولية لمحاربته فحققت بذلك نجاحات أكبر بكثير من النجاحات المحدودة التي حققتها المقاربة الفرنسية العرجاء التي تقوم على البعد الأمني لوحده.
 
ولاتزر وازرة وزر أخرى
إن المتتبع لردة فعل أركان النظام الفرنسي على هجوم نيس لابد من أن ينتابه الكثير من القلق من ذلك الكم الكبيرمن التسرع الذي شاب تعامل أولائك الساسة والمسؤولين مع حادثة نيس والعبارات العنصرية التي انطوت عليها بعض خطاباتهم الأمر الذي ينذر بالكثير من الشؤم على حاضر فرنسا الراهن في ظل حكم أولائك الساسة، فالرئيس فرانسوا هولاند سارع وبعد ساعات قليلة من الحادث وقبل أن تتكشف أي من خيوطه للتوضيح بأنه لا يمكن إنكار "الطابع الإرهابي" لعملية نيس جنوبي البلاد، ملصقا إياها بما وصفه بالإرهب الإسلامي، معلنا في كلمة متلفزة موجهة إلى الشعب الفرنسي أنه قرر تمديد حالة الطوارئ في البلاد لمدة ثلاثة أشهر أخرى وهي التي كان يفترض أن تنتهي أواخر يوليوالجاري كما أعلن استدعاء عشرة آلاف عنصر من الاحتياط ضمن خطة مواجهة هجوم مدينة نيس، وقد سار على منوال الرئيس هولاند كل من رئيس حكومته مانويل فالس ووزير داخليته برنار كازنوف اللذين سارعا أيضا إلى توجيه التهمة إلى ما أسمياه التهديد الإرهابي الإسلامي.
تلك المواقف من الساسة وصناع القرار الفرنسين لاتبشر بخير، فهي ليست شيئا آخر سوى رجع صدى لمواقف بوش وبرلسكوني الموغلة في العداء للإسلام وإلصاق تهمة الارهاب بدين هو أكثر الأديان على الإطلاق تسامحا وأكثرها بعدا عن التعصب والغلو والتطرف، فحري بأؤلائك الساسة الفرنسيين أن يدركوا أنه ليس من الإنصاف في شيء مهاجمة دين كامل يعتنقه أكثر من مليار إنسان فقط لأن أفرادا من المنتسبين إليه ضلوا الطريق فقاموا بعمليات إرهابية لا يقرها الإسلام وكان ولايزال يأباها ويدينها، وحري بهم أن يعملوا وفقا للمبدأ القرآني الحكيم القاضي بأنه لا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ماسعى.
فهل ياترى تفهم فرنسا الدرس قبل فوات الآوان فتتراجع عن سياساتها الخارجية الظالمة للعرب والمسلمين، وتراجع سياساتها الداخلية القائمة على الظلم والغبن والتهميش والإقصاء والتمييز على أساس الدين والعرق؟ وهل تحدث يا ترى تغييرا في مقاربتها الحالية لمحاربة الإرهاب القائمة على البعد الأمني الأوحد، فتتبنى مقاربة أوسع عمادها العدالة والمساواة والتنمية والإعتراف بالآخر واحترام أديانه ومعتقداته؟ دعونا ندعو من أجل أن يتحقق ذلك وأن يقي الله جالياتنا المسلمة في فرنسا وفي الغرب شر فتن بدأت نذرها تلوح في الأفق.


 


عودة للصفحة الرئيسية