على هامش الانقلاب التركي (1)

السبت 23-07-2016| 09:00

بقلم: مختار بن الغوث، أستاذ جامعي وباحث


1- كان من المتوقع ألا ينجح انقلاب عسكري في تركية الآن كما كان ينجح ما قبله من الانقلابات، لأسباب، منها أن الانقلابات السابقة كانت انقلابات صورية، يتولى الجيش فيها جهرا ما كان يتولى سرا، فلا يعارضه زعيم من الزعماء السياسيين، وإنما "يأخذ قبَّعته ويرحل"، كما قال سليمان ديميرل. ولم يكن في الأحزاب ما يقتنع جمهور الترك بأهليته للحكم، ولا كانت الديمقراطية عند كثير من السياسيين والمثقفين قيمة، تستحق أن يُتعنَّى في تطلبها وفرْضها، ولا سيما إذا كان يمكن أن تأتي بمخالف. وكان أمثل الأحزاب أحزاب نجم الدين أربكان: حزب النظام الوطني، وحزب السلامة، وحزب الرفاه، وإنما كانت هذه أحزابا ذات جمهور صغير شيئا، ولا سيما الحزبين الأولين، وكانت عضويتها مقصورة على فئة من المتدينين الذين يوافقون نجم الدين في توجهه، أما غيرهم من المتدينين، فكانوا يحالفون أحزابا علمانية، فينتخبونها، ويترشحون على لوائحها، مقابل تليين القوانين المتعلقة بالتدين، أو تغييرها، بما يتيح الحرية في أداء بعض الشعائر الدينية. وبعد صراع طويل بين الجيش والأحزاب السياسية، اقتنعت نخبة من السياسيين بأن لا بد أن يعاد النظر في العلمانية التركية، فتفهم فهما غير فهم العسكر، واقتنع تلامذة نجم الدين أربكان بأن توجهه قد بلغ مداه بعد حلِّ حزب الرفاه، وأنْ لا بد أن يتجهوا وجهة، تتيح لهم جمهورا أكبر من جمهورهم، فكان حزب العدالة والتنمية، حزبا مفتوحا لكل وطني، يؤمن بالديمقراطية، وبناء تركية الحديثة التي لا يحكمها الجيش، وتقويضِ العلمانية الكمالية كما فرضها الجيش التركي بدعًا من العلمانية الغربية التي يدعي أنه يقلد، وإنما هي دين، مبناه على عداوة الإسلام. وكانت قاعدة الحزب الرئيسة هي حركة نجم الدين أربكان، وكثيرا من الوطنيين الذين كانوا ينتمون إلى أحزاب أخرى. فغطَّى بإنجازاته العظيمة على غيره من الأحزاب، وأثبت أنه أجدرها بالحكم، فقد حكم أربعة عشر عاما متوالية منفردا، نال الترك فيها على يده من الحرية، والغنى، ما لم ينالوا على يد حزب آخر، ورأوا بلدهم يخرج من تابع لحلف شمال الأطلسي، إلى دولة ثقيلة الوزن في السياسة الدولية، وكعبةً لآمال المسلمين في العالم. وكل من يريد النيل من هذه المكتسبات إنما يريد النيلَ من الترك، وما أجدَّ لهم حزب العدالة، وردَّهم إلى حيث كانوا قبله، وهو أمر لا يمكن أن يرضوا به، ما كان في وسعهم أن يحولوا دونه. ولو أن الأحزاب التركية أيدت الانقلاب، كيدا لحزب العدالة، لكان مصيرها الإخفاق في أول انتخاب، فإن من سيبقى من رجال الحزب حيا طليقا سيؤسس حزبا باسم جديد، فيفوز بما كان يفوز به حزب العدالة من مقاعد، كذلك يقول تاريخ الأحزاب في تركية. هذا إلى أن الشخصية التركية -في الجملة- شخصية نفعية، وهواها مع من يخدمها، وليس في الأحزاب التركية القائمة ما يسد مسد العدالة والتنمية، ولا سيما حزب الشعب، فقد حكم مرارا، فلم ير الترك منه خيرا. ولا يخفى على السياسي الواعي أن الجيش في عهد حزب العدالة ليس هو الجيش قبله، وأن التعويل على نجاح انقلابه تعويل على احتمال ضعيف، وأضعف منه أن يرضى به الشعب، إن نجح. ومما يصدِّق هذا أن حزب الشعوب -مثلا- عارض الانقلاب، مع أنه ليس بأكثر من واجهة سياسية لحزب العمال الذي يشن حربا على الحكومة، ولا أرب له إلا في انفصال الأقاليم الكردية عن تركية، لكن حساب الربح والخسارة حمله على أن يعارض انقلابا، لا يرى دليلا قويا على نجاحه، ولو أيده لكانت نهايته في تأييده، ولخرج من مجلس النواب في أول انتخاب تشريعي. وأهم من هذا أن عقيدة الجيش التركي لا مكان فيها لقومية غير القومية التركية، وإذا حكم عصف بكل ما نال الكرد من مكتسبات على يد حزب العدالة والتنمية، بعد صراع طويل بينه وبين الجيش.
لا أقول هذا تقليلا من معارضة ساسة الترك للانقلاب، فهي معارضة رائعة ومشرفة، وإنما تفسيرا لها تفسيرا لا يقتصر على الأخلاق وحدها، فليست أكبر ما يحرك بعض السياسيين.
2- نزعَ حزب العدالة من الجيش صلاحيات كثيرة، وأخرجه من بعض ما كان يتدخل فيه من شؤون السياسة، وأبطل ما كان يسوغ به انقلاباته، من حماية العلمانية. من أجل ذلك استند في هذه المحاولة إلى دعوى استعادة الديمقراطية، ولأن العلمانية الآن ليست مما يسوِّغ الانقلابات في تركية، فلم يبق من جمهورها إلا قلة من العقديين والمنتفعين، وإذا وازن الشعب بينها وبين الديمقراطية تبين أن العلمانية أفقرته، واستتبعته، وحالت بينه وبين هويته، وأن الديمقراطية هي التي أغنته، وأعادت إليه ما سلبته العلمانية. وعدول الجيش التركي عن العلمانية إلى الديمقراطية تحوُّل كبير، يدل على موت عقيدته السياسية، وزوال ما كان يوحد ضباطه في الظاهر. وقضى حزب العدالة والتنمية أيضا على امتيازات الجيش المالية: فقد كانت قيادة الأركان مستقلة عن رئاسة الجمهورية، ورئاسة الوزراء، ووزارة الدفاع، في كل شيء، حتى ميزانيتها، ومواردها المالية، وكانت ميزانيتها سرا من الأسرار، لا يطلع عليه أحد. وكانت لها -إلى ذلك- مؤسسات مالية ضخمة، يتقاسم أرباحَها الضباطُ، على حسب الرتب والمكانة. فقضى حزب العدالة والتنمية على ذلك، وصيرها إدارةً من إدارات وزارة الدفاع، ليس إلا. وكانت الامتيازات المالية وسيلة أخرى من وسائل توحيد الضباط على ما يفعلون، فلما ذهبت الامتيازات، اختلفت المصالح، فضعفت الروابط التي كانت هي سببها، فكان لزاما أن يزول الجيش من حيث هو مؤسسة، بل دولة داخل الدولة؛ فغدا توافُق الضباط على انقلاب أمرا بعيد المنال؛ لأن العقائد إذا اختلفت، واختلفت المصالح عمل كلٌّ برأيه، وما تقتضي مصلحته. ويرمز إلى ذلك ما فعل قائد الأركان، خلوصي أقار، فقد أوثقه الانقلابيون، وخنقوه، وشهروا عليه السلاح من أجل أن يقرأ بيان الانقلاب أو يوقِّعه، فأبى، فحال ذلك دون توحد الجيش على ما أرادوا، إذ كان قائد الأركان هو رأس الجيش، ورمز وحدته، وكان عونا على اختلاف رؤوس الجيش، وانحياز بعضهم إلى الشرعية وحمايتها، كما فعل قائد الجيش الأول، أوميت دوندار، فقد قال لرجب طيب في اتصال هاتفي عشية الانقلاب: أنت رئيسنا الشرعي، وأنا طوع أمرك، وثمَّ انقلاب كبير، وليس في وسعي أن أحميك في أنقرة، فإن قدمت إسطنبول هيأت لك مكانا آمنا.
3- الشعب: كان ما فعل الشعب رائعا، حين تداعى لحماية نفسه، وبلده، وخياره، ومصالحه، غير معتدٍّ إلا بالمصلحة العامة، وأعرضَ مَن بينه وبين رجب طيب وحزب العدالة خلافٌ عما بينهما. وكانت هبَّته دليلا على ما أشرتُ إليه في كتابي "الحركة الإسلامية في تركية"، من أن الثقافة التركية التي لم يكسر شوكتها مستعمر، ولا عرفت ذلا ولا انقيادا لأجنبي، من أسباب نجاح الحركة الإسلامية في تركية دون سائر الحركات. وهنالك أمر، ما يجوز أن يغفل عنه، هو رجب طيب أردغان، ومكانته عند الشعب، بسبب منجزاته وسياسته ووطنيته، فقد أنزلته من الترك، على اختلاف مذاهبهم، واتجاهاتهم السياسية، منزلة الرمز، فهم -ولا سيما المتدينين- يعدونه مجاهدا، مناصرا لقضايا المسلمين، مدافعا عنها، ويعلمون ما يناله من حيف الغرب وتحامله، وعداوته، بسبب ذلك، ويرون أن مناصرته هي ما يجب أن تقابل به تلك العداوة. ومما يبين عن ذلك وقوفهم عند باب منزله في إسطنبول، وجمعهم ما استطاعوا من الحواجز، ليحموه ويصدوا عنه كل من يدنو منه من الانقلابيين. وقد ظهر رجب طيب في هذه المحاولة رمزا للإرادة التركية العنيدة التي لا تستسلم، وكانت أول كلمة سمعتها منه بعد الانقلاب هي: "لن نستسلم"، وهي العبارة التي كان يرددها طوال نضاله السياسي، حين يسجن، ويجرد من حقوقه السياسية. وروى وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي، براءات ألبيرق، وهو ختن رجب طيب (زوج بنته) أنه كان ليلة الانقلاب هادئا، ورفض بغضب ما اقترح عليه بعض المسؤولين من التوجه إلى إحدى الجزائر اليونانية، وأنه توضأ، ثم صلى ركعتين لله -تعالى-، ثم بدأ قيادة المواجهة. وفي يوم الجمعة الماضي (17/10/1437 هـ) قال للجماهير التي كانت تهتف له، فتقول: "قف شامخا، ولا تنحني، فهذا الشعب معك"، قال: "لا تقلقوا أبدا، فنحن لا ننحني لغير لله ". وكانت تلك الصلابة والشجاعة هي التي ألهمت الترك أن يتصدوا للجيش، ويواجهوا الانقلاب.
ولا تستميت الشعوب في الدفاع عن القيم المجردة، حتى تقطع شوطا كبيرا في الحضارة والتعلم، ولكن من السهل أن تستميت في الدفاع عمن تتمثل فيه. ولعل هذا من أسباب عدم دفاع المصريين عن ثورتهم، وتخليتهم بين الجيش وما فعل بها، فلم يكن جمهورهم مقتنعا بمحمد مرسي، ولا بالإخوان، ولا يعلق عليهم ما يعلق الترك على رجب طيب وحزب العدالة، ولم تكن الثورة وما يترتب عليها من حرية وديمقراطية تعني لكثير من سياسييهم ومثقفيهم ما تعني لمثقفي الترك وسياسييهم، فقد عاشوا وعاش سلفهم من غيرها، ونالوا ما نالوا من مال، فهم في غنى عنها ما بقي من حياتهم. ولم يكن محمد مرسي ولا الإخوان المسلمون المثل الأعلى للديمقراطية في نظر أكثر المصريين، حتى الإسلاميين منهم. هذا إلى ما في سياسيي العرب من أثَرَة، وخلْط بين السياسة والعقائد الدينية القائمة على المفاصلة (لكم دينكم ولي دين).
ويعلم الترك أن الجيش الذي أخرجه حزب العدالة والتنمية من السياسية إذا نجح في الانقلاب عليه سوف يعود إليها، فينقض السياسة التركية من بعد قوةٍ أنكاثا، فإذا أربعة عشر عاما من الرفاه، والمنجزات الرائعة كأن لم تغْن بالأمس.


 


عودة للصفحة الرئيسية