بلاغ حول موريتاني مفقود بمطار تونس ولد انويكظ: التميز الاقتصادي لمنتدى الجزائر طغى على بعض الاختلالات موريتانيا للبيع..!! ويتكلم الشاري..! حزب من الموالاة: الاستفتاء أصبح خيارا لا رجعة فيه فرنسا: تعيين برنار كازنوف رئيسا للوزراء اتحاد الطلبة لموريتانين في المغرب يحتفل بعيد الاستقلال الوطني بيان من نقابة الصحفيين الموريتانيين حين "تنزع البركة" لا ينفع الكثير! ردا على بيان نقابة الصحفيين الموريتانيين انباء عن تعديل وزاري جزئي وهيكلة جديدة

على هامش الانقلاب التركي(2)

الأحد 24-07-2016| 22:30

مختار بن الغوث

4- كثر الكلام على جماعة الشيخ فتح الله كولن، وقد بيَّنتُ في مقال لي سابق أن المخابرات الأمريكية واليهودية تخترقها، وهي التي توجهها فيما تعارض به حكومة حزب العدالة. والشيخ فتح الله كولن، إذ يتبرَّأ من العمل، يُنْسَب إليها، صادق في تبرئه، وإنْ نفَّذَه بعض تلامذته، أما ما يقول رجب طيب وحكومته الآن، فمما يقتضيه الحال: فلا بدَّ أن يُصطنَع للشعب عدوٌّ، يُجمَع عليه، ويناط به أمر الانقلاب، ولما كانت الحكومة لا تستطيع الآن مواجهة مدبِّر الانقلاب الحقيقي، كان لا بد أن تجعل الشيخ فتح الله كولن كبش فداء، وتقتصر على التلميح إلى من رسم لجماعته ما فعلت. وإنما كانت هذه المحاولة بتدبير من دول أجنبية، ثم نفَّذتها بأيدي جماعة الخدمة. كذلك قال رأس الانقلاب، أَكِنْ أُوزتورك، قائد سلاح الجو: "الكيان الموازي" هو الذي نفَّذ المحاولة، وخططت لها ممثليات دول أجنبية، تريد إضعاف تركية، وليست للشيخ فتح الله كولن القدرة على تنفيذ الانقلاب وحده، وإنما استُعمل "الكيان الموازي" أداة لتنفيذها.
وليس هذا مما يحتاج إلى دليل، فليس في وسع الجماعة أن تخطط لانقلاب، يظل مستورا عن الاستخبارات التركية، والاستخبارات الأمريكية التي بيَّنت هذه المحاولة مبلغ تغلغلها في أجهزة الدولة، ثم لا يُعلَم به حتى تتحرك الدبابات والطائرات لتنفيذه، مع أن الذي تولى ذلك هو كبار رجال الدولة، كقادة الجيش، وكبار الموظفين في رئاسة الوزراء، والمجلس النيابي، وقيادة الأركان. هذا إلى أن انقلابات الجيش التركي كلها كانت بتدبير من المخابرات الأمريكية، وأن أعضاء في الكونجرس الأمريكي صرَّحوا منذ أسابيع بأنهم سيؤيدون انقلابا يقوم به الجيش على رجب طيب، وأن بعض الضباط صرَّحوا بأن الانقلاب خُطِّط له في قاعدة إنجرليك الجوية بأضَنة اثني عشر أسبوعا، وأن الخبراء، وبعض المسؤولين الأميركيين، وكثيرا من الصحافين والإعلاميين الأميركيين سارعوا إلى تأييد المحاولة في ساعاتها الأولى، فلما أن أخفقت، أبدوا أسفهم لإخفاقها، ثم الحملة التي يشنها الإعلام الغربي (ولا سيما البريطاني والفرنسي والألماني والأمريكي) على رجب طيب أردغان، وما يدلي به الساسة الأوربيون من تصريحات، تقطر بالعداوة لرجب طيب أردغان. وما أريد الإطالة بسرد أدلة، أنا في غنى عنها بحقائق التاريخ والواقع والسياسة الغربية في العالم الإسلامي، وأنَّ الأيام ستكشف ما يشفي صدر المرتاب.
 على أن التنظيمات السرية كثيرا ما تنحرف عن غاياتها بسبب السرية؛ إذْ ما حُجب شيء عن شمس النقد إلا كان مرتعا لكل عجيب من العقائد، ووبيل وخيم من الأفكار. والذين يخترقون الجماعة من عملاء المخابرات الأجنبية قد أحاطوا الشيخ والصادقين من تلامذته بأناس، يضعونهم في سياقات غير صحيحة، ويستدرجونهم إلى ما يريدون، من حيث لا يعلمون، ويُستَر ذلك عمن يمكن أن يقوِّمه من صالحي الجماعة. ومن دأب التنظيمات السرية أن تحجب المعلومات عن قواعدها، وتفسِّرَ لها ما ينكشف منها بما يسوِّغه لغير العارفين منها بحقيقته، فتصدِّقها، وتتابعها فيما تقول، كما تقتضي الثقة والبيعة، على ما قد يكون فيه من خطل، ومجافاة للشرع والأخلاق والمصلحة. وقد انتهت السرية، والمطامع السياسية بجماعة الخدمة إلى أن تكون ألعوبة بأيدي المخابرات اليهودية والأمريكية، تحارب بها الدين الذين تألَّفت على خدمته، كما انحرفت بكثير من التنظيمات الإسلامية المعاصرة إلى ما لا يمكن تسويغه، أو الدفاع عنه، من أخلاق وأعمال.
5- كانت هذه المحاولة منحة من الله لتركية جليلة: (وعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا)، فقد كشفت لقادتها (الرئيس، ورئيس الوزراء، وقيادة الجيش، والمخابرات العسكرية، ورئيس المخابرات) أنهم مغيبون عن بعض ما يقع في بلدهم، على وجه لا يخطر لهم ببال، وأن أعداء البلد طليقو الأيدي في الأمن والجيش، يتصرفون فيهما كيف شاؤوا. وقد كنتُ حين أقرأ عن بعض ما يقع في تركية من تفجيرات أشك في أن أمنها بالقوة التي ينبغي أن يكون بها أمن دولة مثلها. وصدَّق ذلك ما كشفت عنه هذه المحاولة من ثغرات كبيرة في الجيش، والمخابرات، والدوائر السياسية العليا. فالمخابرات -مثلا- لم تعلم بالانقلاب حتى تحركت الدبابات والطائرات لتنفيذه، فذهب رئيسها إلى قائد الأركان ليسأله عن تحرك الجيش، فإذا هو لا يدري به؛ لأن مَن حوله من المستشارين حجبوا عنه ما كان يدبَّر في الخفاء، كما حَجَبه رجال المخابرات عن رئيسها، مع أن ما كان يدلي به بعض ساسة الغرب، وما نشر في بعض المجلات السياسية في الأشهر الخوالي، وما دأب عليه الإعلام الغربي منذ حين من الانتقاد على رجب طيب أردغان، والتحامل عليه، كان يدعو إلى الحذر، وعدم استبعاد أن يكون الغرب بصدد تدبير انقلاب في تركية، وأن تلك التصريحات، والحملات الإعلامية إنما كانت تهيئة لما يبيت. بيد أن المخابرات التركية أظهرت أنها أمية، ضعيفة الخيال، قليلة الحذر، مسرفة في الثقة بنفسها، ويعوزها المحللون والخبراء السياسيون. وأبان بعض تصرف رئيسها عما يشكك نضجه، ولولا أداء جهازه البطولي في صد الانقلاب، وتاريخُه في الحركة الإسلامية، منذ عهد نجم الدين أربكان، وما عرف به من ولاء لرجب طيب أردغان، لكان بعض ما فعل في هذه الأزمة مدعاة للارتياب في أمره: فلم يخبر الرئيس بما بلغه من تحرك الانقلابيين، وكان عليه أن يفعل من فور علمه، ولو كان ما بلغه مجرد إشاعة، ليأخذ الرئيس حذره، ويتهيأ لمواجهة أسوأ الاحتمالات. وكان تصرُّفه مخالفا لما هو معتاد في أجهزة الأمن من تغليب الحذر، وسوء الظن، وتوقع أسوأ الاحتمالات والاستعداد له. وهو ما لا يمكن تفسيره إلا بأحد أمرين: استبعاده وقوع انقلاب استبعادا شديدا، وأن المخابرات مخترقة، وأن مخترقيها بالغوا في كتمان خطة الانقلاب عنه، فلم يرشح له منها ما يمكن أن يستدل به عليه. وكان كتمانه الرئيس رجب طيب ما ظهر له من بوادر الانقلاب من أكبر ما يمكن أن يعين على نجاحه. وظل رجب طيب مغيبا عن الأمر حتى أخبره به صهره، وكان معه في مدينة مرمريس، وإنما علم به صهره من عديله، وقد اتصل به ليخبره بتحرك الانقلابيين. فالرئيس رجب طيب إذن علم بالمحاولة كما يعلم فرد من عامة الشعب، عن طريق الاتصالات الشخصية، بعد أن وقع الانقلاب، ورأى الناس الانقلابيين يسيطرون على الجسور، وينتشرون في الشوارع، لا كما يعلم رئيس دولة، ذات مخابرات، تطلعه على كل صغير وكبير، قبل أن يعلم به أحد. من أجل ذلك كان خروجه من الفندق قبل هجوم الانقلابيين عليه بساعة واحدة. ثم لما اتصل برئيس المخابرات، لم يجده، فقد مضى لبعض شأنه، بعد ما كان بينه وبين قائد الأركان، كأن الأحوال عادية، وليس فيها ما يدعو إلى القلق والمتابعة، حتى تتجلى حقيقة تحركات الجيش. فلما اتصل برئيس الأركان، لم يجده أيضا، ويبدو أن الانقلابيين كانوا قد قبضوا عليه، واحتجزوه في إحدى القواعد العسكرية، فلما اتصل برئيس الوزراء أكد له صحة الخبر. وكذلك فعل مستشار الرئيس العسكري، فإنه لما علم بمحاولة الانقلاب، لم يخبره، وأقرَّ بأنه لا يعرف سببا مقنعا لعدم إخباره، وعدم سؤاله عما يجب عليه أن يفعل، وإنما اتجه إلى قيادة القاعدة الجوية الثانية في إزمير، باقتراح من ضابط كان يركب معه سيارة الأمن الرئاسي، ولما سأله عن مكان الرئيس من ليس معنيا بمعرفة مكانه دله عليه، محتجًّا بأن مكانه لم يكن سرا، وأن الصحافة قد أعلنته!
وهي أمور، تدل على بدائية عجيبة، وأن الأجهزة التي تعتمد عليها تركية بعيدة مما ينبغي أن تكون عليه، من الجد واليقظة والحصافة، والعلم بأحوال البلد، وكل ما يدور فيه. وما يفسر هذا أمر واحد، هو أن هذه الأجهزة تغلغلت فيها أجهزة دولة أو دول أخرى تغلغلا تاما، وتحكمت فيها أكثر مما يتحكم قادة البلد. من أجل ذلك استطاعت أن تحجب المحاولة الانقلابية على هذا الوجه. ومما يدل على ذلك فصل مائتين من المخابرات بعد إخفاق المحاولة، لما تبين من مشاركتهم فيها. وإذا كانت المحاولة بتدبير خارجي، وإنما نُفِّذت بأيد تركية، فإن من المؤكد أن المفصولين كانوا تابعين للجهة التي دبرت الانقلاب، وخططت له، وهي التي كانت تخطط لتلك التفجيرات، كتفجير مطار إسطنبول، وتنفذها. ولعلها هي التي أمرت بإسقاط الطائرة الروسية، دون علم الحكومة، لتفسد ما بينها وبين روسية، وتكثر أعداءها، وتألبهم عليها. وآية ذلك أن الطيار الذي أسقطها كان من الانقلابيين، وقد قُتِل في هذه المحاولة. وقد تردد عقيب إسقاطها أن رجب طيب لم يأمر به، ولا كان يدري عنه.
 ولعل ما كان أحمد داود أوغلو قد أقدم عليه، إبان رئاسته للوزراء، من إقالة خاقان فيدان من رئاسة المخابرات، وأمْره بالترشح في الانتخابات النيابية كان بإشارة من بعض الموظفين الذين فصلوا من العمل في رئاسة الوزراء، بعد إخفاق المحاولة الانقلابية، لأنهم كانوا يأتمرون بأمر "الكيان الموازي"، أو بأمر غيره، وكان تولي خاقان فيدان رئاسة المخابرات مما غاظ أمريكة وإسرائيل، وجماعة الخدمة، بعد أن جهدوا في الحؤول بينه وبينها، فلم يفلحوا، ولعل إخراجه منها كان بتدبير منهم أيضا، ليجعلوا خليفته ممن يأتمرون بأمرهم. ولولا أن الله وفق رجب طيب لردِّ قرار أحمد داود أوغلو، وإعادة خاقان إلى عمله، لكانت الحال غير الحال، فإن خاقان هو مهندس دحر الانقلاب، وكان له فيه من البلاء ما لم يكن لغيره.
 وقد نبهت هذه المحاولة الحكومة التركية على واقعها الذي لم تكن تعيه، وأتاحت لها أن تعيد النظر في بناء جهازها الأمني والعسكري، وتُخرِج منهما كل ذي هوى غير وطني، وتعيد النظر في علاقة الجيش بالسياسة. وهذا مما يمكن أن يُجمع عليه السياسيون الآن، كما يجمع عليه الشعب، وهو من أهم ما ينبغي أن يحرص عليه كل من يريد تركية ديمقراطيةً مستقرةً. وأحوج ما تكون تركية إليه في هذه الأيام التي رماها الغرب عن قوس، وأتاها من كل مكان؛ ليصنع بها ما صنع بسورية والعراق. ولولا المحاولة الانقلابية لظل ما تكشَّف للقيادة السياسية الآن سرا، كما كان قبلها.


 


عودة للصفحة الرئيسية