موريتانيا للبيع..!! ويتكلم الشاري..! ولد انويكظ: التميز الاقتصادي لمنتدى الجزائر طغى على بعض الاختلالات حزب من الموالاة: الاستفتاء أصبح خيارا لا رجعة فيه فرنسا: تعيين برنار كازنوف رئيسا للوزراء بدلا من مانويل فالس اتحاد الطلبة لموريتانين في المغرب يحتفل بعيد الاستقلال الوطني بيان من نقابة الصحفيين الموريتانيين حين "تنزع البركة" لا ينفع الكثير! ردا على بيان نقابة الصحفيين الموريتانيين انباء عن تعديل وزاري جزئي وهيكلة جديدة أي مغزى لزيارة الرئيس الصحراوي لمنطقة "الكركرات"؟

"يوميات غوانتنامو"

السبت 30-07-2016| 11:20

بقلم/ م. محفوظ ولد أحمد


قرأت كتاب "يوميات غوانتنامو" للسجين الموريتاني محمدو ولد صلاحي، فك الله أسره.


هذا الكتاب المترجم ترجمة راقية (لا تخلو من هفوات نحوية قليلة) يجمل أربعة أمور:


الأول: خسة نظام موريتاني يُسلم على طبق من التذلل والنذالة أحد مواطنيه لأعدائه دون أي مبرر ولا مسوغ. النذالة هنا بمعناها الحقيقي: تعاون الضحية وثقته في إدارة أمن بلده ـ لدرجة الحضور بنفسه إلى سجانيه ـ مقابل التظاهر بحمايته! في الوقت الذي يستضيف فيه رئيس الدولة شخصيا أوغاد المخابرات الأمريكية ويقدم لهم، مع الموائد في القصر الرئاسي، مواطنه المسكين ليقوموا بالتحقيق معه وإهانته على البلاط الرئاسي بنفس القصر! الذي صرحوا فيما بعد أنهم "قضوا فيه وقتا ممتعا" مع فخامة رئيس الجمهورية!


لم يجد الأمريكيون أي دليل يقنع القضاء الأمريكي باستقبال المواطن الموريتاني، فأمروا رئيس دولته بتسليمه إلى بلد آخر لا يسود فيه القضاء ولا تحترم العدالة؛ بل يعتقدون أن وسائل التعذيب والطغيان فيه أكثر"تقدما" من بلده المتخلف حتى في هذا المجال الذي يعتبر، حتى ذلك الوقت، أولوية في اهتمام الدولة ومواردها!


وحتى هذا البلد الثالث كان "أرقى" قليلا من بلد الضحية؛ حيث أبلغ "السيدَ" الأمريكي في النهاية بأنه لم يجد مبررا كافيا ولا دليلا واضحا على وجود أساس للتهم المطلوب تحصيلها بوسائله القذرة "المتقدمة".


ومع ذلك وجد المحققون الأردنيون أن لديهم من الأخلاق ما يكفي ليقولوا لولد صلاحي حين أخبرهم أن بلده هو من سلمه: "إن بلدك ساقط"!! لقد ذل من بالت عليه الثعالب!


الأمر الثاني: هو شجاعة ولد صلاحي وقوة تحمله وصبره، وثقته المطلقة في براءته و"حسن ظنه" المفرط أحيانا بالآخرين، والحظ المعاكس لإرادته على الدوام!


لقد استطاع أن يصمد ويعتمد على ذكائه وإنسانيته في مواجهة غدر بلده وخيانة مخابراته، وعمالة الآخرين، ثم الجحيم الذي سعره العدو الأمريكي نفسه في غوانتنامو، حيث تعتقد الولايات المتحدة أنها تستطيع التخفف من طهارتها والتحلل من قدسية قوانينها وعدالة نظامها! كم هو فادح ذنب يستحي منه إبليس نفسه!!


لقد صمد ولد صلاحي للمحنة بإيمان راسخ وتقلب بثبات في كافة ابتلاءاتها المروعة التي تشيب لها الولدان، وقد شاب هو نفسه فيها! ولكنه ظل محافظا على ذكائه وصفائه وإنسانيته وحتى إنصافه وموضوعيته التي سطر بها كلمات كتابه بين تحت تلك المعاناة الرهيبة والظلم الفظيع.


ثالثا: جنون العظمة مع وسواس الخوف والشك هما ما يميز النظام الأمريكي، وخاصة بعد الجرح الغائر الذي خلفه حادث 11 سبتمبر المرعب.


ويبدو من مسيرة الحكومات والأجهزة الأمريكية، كما يرصدها ولد صلاحي في كتابه، أنها "تراهن بآخر قرش على أن العنف هو الحل السحري لجميع المشاكل". رغم أن ذلك يتنافى مع تسامح كثير من الأمريكيين العاديين وعدم ميلهم للانتقام الشنيع، ويكسب الولايات المتحدة مزيدا من الأعداء مقابل خسارة عددهم من الأصدقاء كل يوم في العالم أجمع.


وتبدو قضية محمدو ولد صلاحي والحكومة الأمريكية غريبة ومحيرة وغامضة أحيانا، حتى بعد قراءة هذا الكتاب المثير!


فرغم تجنيد العملاء من الدول والأفراد للتحقيق مع ولد صلاحي بجميع وسائل التحقيق، ثم جلبه إلى غوانتنامو وإخضاعه لشتى أنواع التحقيق والتعذيب الممكنة والمتخيلة والمستحيلة أحيانا! لم يظفر النظام الأمريكي الذي استنفر كل أجهزته ابتداء من الرئيس نفسه إلى وكالات التحقيق الخاصة، بأي دليل يستطيع تقديمه للقضاء الأمريكي نفسه!


لقد وصفوه بالعدو رقم1 للولايات المتحدة، وحاولوا ربطه بكل المؤامرات الكبرى ضدهم (مثل مخطط الألفية و11/9)، وكان رئيس الولايات المتحدة ووزير دفاعه يتابعون التحقيق معه أحيانا... ولكن دون الفوز بدليل أو أي أثر يدينه.


وجرب ولد صلاحي من جانبه كافة الوسائل والطرق ليثبت براءته (التي يثبتها عجزهم نفسه) فأعطى ما لديه من أول لحظة وتعاون، ورفض التعاون، وتكلم، وصمت، وكتب، وصادق، وطالب بالمحاكمة...


ولهذا حين تمكن من المثول أمام القضاء الأمريكي بعد سنوات طويلة من العذاب والمعاناة، حكم ببراءته بكل وضوح.


ولكن الحكومة الأمريكية، وبسبب نفس الهواجس المجنونة، استأنفت الحكم، مما أبقى الرجل في السجن إلى اليوم تحت طائلة تلك المساعي والتحقيقات الأمريكية لنحت أدلة مستحيلة.


رابعا: لم يستطع ولد صلاحي كتابة ونشر يومياته هذه بسهولة. بل احتجزها الجيش الأمريكي ومنع نشرها زمنا. قبل أن يستطيع محاموه الأمريكيون استصدار أمر قضائي بالإفراج عنها. إلا أن الحكومة الأمريكية استطاعت، بحجة حماية الأمن القومي، أن تمحو منها فقرات وعبارات كثيرة، وأسماء بعض الأشخاص والأماكن، بحماقة وسذاجة أحيانا؛ وهو ما يزعج القارئ ويقطع حبل قراءته، أكثر من أي "فائدة" أخرى معقولة!


وقد أحسن الناشرون صنعا بترك آثار ذلك المحو خطوط شطب سوداء، تفضح حجم وأماكن تلك الرقابة السوداء!


أخيرا هذه قبسات تضمنها الكتاب، مثقلة بالواقع والحق:


*يقول ولد صلاحي يصف محتويات مكتب مدير المخابرات الموريتانية: "... وكالعادة دائما صورة الرئيس المعلقة (على الجدار) التي تنقل ضعف القانون وقوة الحكومة".


*"الحكومة ذكية: إنها تثير الإرهاب في قلوب الناس لتقنعهم بأن يتخلوا عن حريتهم وخصوصياتهم"


* الولايات المتحدة الأمريكية "بلد ديمقراطي بأقسى نظام عقابي وحشي" في العالم. و"زعيمة العالم الحر تمارس أقذر الأعمال التي تتظاهر بدفعها". و"أحداث 11/9 قد أفقدتها آخر صفات العقل والصبر".


**


ما خلصت إليه من قراءة هذا الكتاب المؤلم هو أن الإنسان الضعيف المؤمن أقوى من أي قوة مادية في الكون. وأن بلدان الاستبداد لا كرامة لأنظمتها ولا أمن لمواطنيها. وأن الولايات المتحدة الأمريكية نفسها تتصف بكثير من صفات الضعف، مثل: الشك والهوس والغرور والحماقة!


 


عودة للصفحة الرئيسية