شباب يفتحون مسمكات في الأحياء الشعبية لبيع السمك بأسعار رمزية أغلبية صامته لشعب يعاني هكذا تحولت إفريقيا إلى ساحة حرب بين الجزائر والمغرب قراءة في رواية "مسافات وأوحال" للروائي محمد ولد گـواد تركيا تشتري طائرة زين العابدين بن علي نداء لتدخل عاجل من أجل حماية المخزون الرعوي رثاء وتـرحم / يحي ولد سيدى المصطف هذا انأ ..من أصداء الميدان ... أتيت ... فانتخبوني النضج الفرنسي والحكمة الغامبية خدمة "واتساب" ستتوقف على هذه الأجهزة الهاتفية في نهاية الشهر

العسكر والعقل السياسي الحاكم في موريتانيا/2

الأربعاء 10-08-2016| 09:00

البشير ولد عبد الرزاق


في الحلقة الأولى من هذه السلسلة، التي تستنطق العقل السياسي الحاكم في موريتانيا وتستشرف مستقبله، تناولنا بداية تشكل هذا العقل والعوامل الداخلية والخارجية التي أسهمت فيه وأهم ملامحه وصفاته، وسنخصص هذه الحلقة الثانية لتلمس علاقة المؤسسة العسكرية بالعقل السياسي الحاكم في موريتانيا:
لقد مثل العاشر من يوليو 1978 أول لحظة تماس بين المؤسسة العسكرية والعقل السياسي الحاكم في موريتانيا، كما شكل في الوقت نفسه صدمة قوية لهذا العقل السياسي، حين استولى العسكر على السلطة وخلعوا الأب المؤسس ووعدوا ببعث الحياة الديمقراطية التي وأدها نظام ولد داداه.
وقبل الخوض في أول خرجة سياسية للمؤسسة العسكرية وأثرها على العقل السياسي الحاكم في موريتانيا، لابد من الإشارة إلى الملاحظات التالية:
1. أن المؤسسة العسكرية لم تشارك في تشكيل هذا العقل السياسي الحاكم، فقد كانت وقتها في مرحلة التأسيس،
2. أن السبب الوجيه لانقلاب العاشر من يوليو هو إيقاف الحرب، لكن ذلك لا يعني أن نشكك في شعار العودة إلى الحياة الديمقراطية الذي رفعه العسكريون يومها أو نعتبره مجرد يافطة،
3. أن العسكريين الذين خرجوا من ثكناتهم يوم العاشر يوليو لم يكونوا على قلب رجل واحد،
4. أن عبارة "النظام البائد" التي جاءت في البيان رقم1، كانت تحمل كامل شحنتها الدلالية وكانت تعني فعلا أن العسكر ينوي نسف النظام القائم وتأسيس بديل له.
لكن المؤسسة العسكرية ما كادت تتخلص من رأس العقل السياسي الحاكم في موريتانيا، حتى وجدت نفسها أمام ثلاث معضلات رئيسة:
1. قلة خبرتها في المجال السياسي وعدم توفرها على مشروع مجتمعي واضح المعالم،
2. وجود عقل سياسي حاكم ومستحكم تبلور على مدى عقدين من الزمن وتغلغل في مختلف مفاصل الدولة وباتت عملية اجتثاثه صعبة ومعقدة،
3. نجاح فلول العقل السياسي الحاكم في جمع صفوفهم وإصدار بيان تأييد ومساندة للعهد الجديد قبل مغيب شمس العاشر من يوليو و في اليوم التالي كانت تلك الفلول في طليعة المسيرات المؤيدة.
لم يكد حبر البيان رقم 1 يجف حتى بدأت فصول حرب ضروس على السلطة، ظاهرها صراع بين الأجنحة العسكرية، لكن باطنها كان عبارة عن خلافات أذكتها البقية الباقية من العقل السياسي الحاكم والمتحكم من أجل المحافظة على نفسها والإجهاز على مسلسل العودة إلى الحياة الديمقراطية، الذي كان يحمل لواءه رئيس اللجنة العسكرية العقيد المصطفى ولد محمد السالك.
وقبل أن يطفئ الانقلاب شمعته الأولى، سيبدو واضحا أن العقل السياسي الحاكم في موريتانيا استعاد الكثير من توازنه وامتص صدمة العاشر من يوليو وبدأ يعيد ترتيب أوراقه، وهذا ما سيتأكد بشكل جلي من خلال الانقلاب الناعم في السادس من إبريل 1979، بقيادة العقيد أحمد ولد بوسيف الذي كان يعد أكبر نصير للنظام المنصرف داخل اللجنة العسكرية.
وحتى تتضح الرؤية وتكتمل الصورة، فقد جاء هذا الانقلاب غداة انعقاد أول جلسة للمجلس الاستشاري الوطني في الخامس من ابريل تحت رئاسة العقيد المصطفى ولد محمد السالك، وهو الهيئة التي كان يفترض بها إعادة قطار البلاد إلى سكة الديمقراطية.
لكن أكبر صديق سيصادفه العقل السياسي الحاكم خلال هذه المرحلة، هو المحاولة الانقلابية الفاشلة في السادس عشر من مارس 1981، التي أعادت فزاعة الأطماع الخارجية بقوة إلى الواجهة وأسقطت الحكومة المدنية بقيادة سيد أحمد ولد أبنيجارة، التي كانت مكلفة بإعادة البلاد إلى الحياة الديمقراطية.
هكذا انتهت آخر المطبات الكبرى التي واجهت العقل السياسي الحاكم في موريتانيا منذ صبيحة العاشر من يوليو، وانتهى معها الحلم الديمقراطي (دولة المؤسسات) وعاد العقل السياسي الحاكم (النظام) في أبهى صوره وفي واحدة من أحلك مراحله، حيث امتلأت السجون بالمعارضين ووصلت سلطة الفرد إلى أقصى درجاتها.
في الواقع سيؤسس العاشر من يوليو والانقلابات اللاحقة (12 دجمبر 1984، 03 أغسطس 2005 و06 أغسطس 2008)، لعلاقة متذبذبة بين المؤسسة العسكرية والعقل السياسي الحاكم في موريتانيا، وهي علاقة تبدأ دائما بصراع لا يصل إلى درجة الصدام ثم ما تلبث أن تنتهي بالتماهي بين الطرفين.
فبعد كل انقلاب يبشر العسكريون بالديمقراطية وبأنهم سيشيعون نعش "النظام البائد" إلى مثواه الأخير، لكن الذي يحدث في كل مرة، هو أن الوعود الديمقراطية هي التي تغادر إلى وجهة مجهولة وأما العقل السياسي الحاكم فيبقى على ما هو عليه، إن بهذه الصورة أو تلك.
ويمكن القول إن كل واحد منهما وجد ضالته في الآخر، فمن جهة وجد العسكر في العقل السياسي الحاكم الذي يشبه نظام الثكنة، بقائد كبير وأفراد مطيعين ما يناسبهم، ومن جهة أخرى وجد العقل السياسي الحاكم في المؤسسة العسكرية رافدا مهما يمده بالزعيم القوي الذي هو أحد أهم أركانه ويمكنه في الوقت ذاته من إحداث شكل من أشكال التناوب على السلطة وتجديد نفسه بنفسه.
باختصار، اعتقد الكثيرون دائما بأن عبارة "النظام البائد"، التي يحملها العسكر في أمتعتهم كلما سلكوا طريقا إلى القصر الرئاسي، تعني أن العقل السياسي الحاكم في موريتانيا سيخرج من الجغرافيا ويدخل التاريخ من بابه الضيق، لكن الذي حدث هو أن هذا العقل السياسي عرف كيف يمتص الصدمة تلو الصدمة وكيف يعيد إنتاج نفسه في ثوب جديد بعد كل انقلاب عسكري.


يتواصل...


 


الحلقة القادمة: العقل السياسي الحاكم في موريتانيا والمسالة الديمقراطية


 


عودة للصفحة الرئيسية