دولة عربية تعيش على تأجير القواعد العسكرية مساع لتنشيط العلاقات السنغالية الموريتانية تازيازت توزع قيمة 90 مليون أوقية من المعدات الطبية الرئيس الغامبي المنتخب يستقبل ممثلين عن الجالية الموريتانية هل أزعج ميناء انجاكو بعض دول الجوار؟ نتائج اجتماع مجلس الوزراء شهادة مجانية من أفضل معاهد العالم.. كيف يمكنك الحصول عليها عن بعد؟ بيان تضامني مع قناة المرابطون السعودية تكشف إجمالي وارداتها وصادراتها من موريتانيا الكاف يستبعد 11 دولة من بطولاته من بينها موريتانيا

المسار الزلق والحوار القلق

الأحد 14-08-2016| 08:30

الولي ولد سيدي هيبه

"ش كون" "امني ولايه" "معين المن" "مُسكري بتعيين" أسئلة و عبارات و إن خفت حدة تداولها في الصالونات و جف منها الريق على الألسن إلا أنها لم تغادر بعدُ الأذهانَ و ما زالت تطفوا على السطح بعض دلالاتها في أعقاب نشر كل بيان لمجلس الوزراء أو صدور مرسوم عن رئاسة الجمهورية أو تعديل وزاري و كأن الواقع في غياب تام عن سياقات الدولة الحديثة أو في تعارض مع مبادئ الجمهورية. حقيقة مرة لكنها حقيقة ماثلة بكل تجلياتها، تلقي بوزنها المخل على واقع الحياة السياسية و العملية و تعيق دولة القانون في تشكلها و استمراريتها.
إن هذه الحالة المنتمية لزمن آخر هي من رواسب عقلية "السيبة" و حكم المداهنة الذي ظل فيها لا يفتح طريقا و لا يغلق آخر، هما اللذان لا يتركان نفسا لرهانات التحول حتى تجد مسالك نافذة إلى التجسيد. فعلى الرغم من مرور أزيد من نصف قرن من الاستقلال ـ الذي بدأ "مريبا" في طوياته الأولى عند المستعمر وقد جاء سائقا إلى الأرض "السائبة" "كبولاني" يحمل مشروع تهدئتها و إنهاء حالة الفوضى في فضائها الساخن الممتد عبر الصحراء الكبرى ما بين الجزائر و المغرب و بلاد السودان "مالي" اليوم، في الغرب الإفريقي ثم الاقدام في المرحلة الموالية متجسدة في إنشاء و إعلان دولة تسهل التحرك الآمن و تحقق ربط أرجاء المستعمرات ببعضها.
و لما ان "المقاومة" لم تأخذ يوما شكلا نهائيا موحدا و منظما يجري الاتفاق عليه كما حصل في الجزائر و عديد بلدان العالم أيام كفاحها التحرري فإن جذوتها انطفأت سريعا و كانت الغلبة لصف الذين رأوا في مهادنة الاستعمار خيرا عميما و تباشير أمن غائب و انزياح حالة الفوضى و الظلم و التخلف بكل توابعه المشؤومة من فقر و مرض و جهل المنتشرة كداء الجرب المعدي في كل أرجاء البلاد المترامية الأطراف.
و بقدرما كانت "المقاومة" حقا شروعا و صفة نبل أمام الغزو و المسخ و الإذلال، فإن السعي إلى إنهاء حالة الفوضى و حيف قوى البطش و ممارستها الظلم على المستضعفين و رفض استمرار غياب الدولة المركزية و مفهومها أيا كان شكلها من لدن رافضين و مناوئين هو كذلك أمر له ما برره و منه أن جمع من حولهم كل المستذلين و هم كثر ينتمون لكل فئات المجتمع و شرائحه المعذبة و الواقعة تحت طائلة ثلاثي المنع من حمل السلاح و تعلم العلم و جمع الأموال.
و تأسست الدولة على الرغم من وجود هذه النوايا المتعارضة و القوى المتصارعة و "هوى الجرف على ظله" و بدأت مسيرة الالتحام بالحداثة. لكن رواسب الماضي و نظم و عقلية أهل البلد الاجتماعية ظلت حية بكامل قواها و دفين إيذائها ـ رغم ثوب الحداثة الذي أُلبسته و عين الرقيب الفرنسي المسلطة طيلة حضوره فترة تكوين و توجيه و إعداد الأطر الجدد ـ تعيق استقامة السير المستجد و تقسم الكيان الجديد ما بين أطرها التي لم تَغِب و ظلت تسيرها وفق مضامينها القبلية و التراتبية. و بالطبع فإن الاحزاب السياسية رغم الأسماء المنحوتة لها من مفاهيم عصرية كالنهضة و التقدمي و الشعبي لم تكن سوى تجمعات جهوية و تكتلات قبلية تحدث بداخلها المشاورات و تخرج منها التوافقات و تتبلور ة تتحدد المواقف. و مع المزج بين العصرنة و وطأة التقيد بنظم الماضي استبب الشأن السياسي و الريادة لعدد قليل من القبائل بأسماء منها ما ذاع صيته و أطراف معدودة من الإثنيات و الشرائح أفرزت هي كذلك أسماء للتوازنات الأخرى برسم ضمان استمرار الأحوال. و اندلعت حرب الصحراء بموازاة جفاف ماحق ليقوضا معا القليل الذي حصل من بناء الدولة، و لكنهما لم يقضيا على المسلكيات القائمة بل و وسعت الانقلابات الدائرة القبلية قليلا لتدخل على الخط قبائل لم تكن حاضرة إلا في الجيش و كانت قبل الحرب شبه مهمشة. تتالت الانقلابات بعد ذلك حتى عصفت رياح الديمقراطية على أرجاء المعمورة في أعقاب تفكك معسكر الشيوعية. و على إثر ذلك دخلت موريتانيا كغيرها من البلدان النامية عصر التعددية ـ و لكن كما كان الأمر بالنسبة لها أيام الفرنسيين و حتى أن حظرها حكم الحزب الواحد "حزب الشعب الموريتاني" ـ لتجد موريتانيا اليوم نفسها في حراك ديمقراطي فيه ما يناهز المائة حزب أغلبها و أبرزها وزنا بنكهة الماضي و مرارة "السيبة" و بعد مفهوم الدولة في الغالب عن عمق خطابها و مسطرة أهدافها، و ثأرية بعضها بمطالبات حقوقية.
و هي كلها الأحزاب التي انتظمت في مجموعات ثلاثة الأغلبية الرئاسية و المعارضة المحاورة و المعارضة الراديكالية.
و لما أن مسألة الحوار قد طرحت منذ أمد فإن صعوبات جمة ما زالت تحول بين التوافق حول حيثيات هذا الحوار و اشتراطات قيامه و المضي إليه من خلال الاقدام على تجاوز الخلافات البيزنطية الشكلية بما يناسب من التنازلات لفائدة المسار الديمقراطي و تجنيب البلد أزمات هو في غنى عنها. و بقدر ما تكمن معضلات التوافق بين أحزاب الأغلبية و أحزاب المنتدى في الشكل دون المضمون فإن عوامل شديدة الوطأة من وحي رواسب الماضي تؤجج الوضع و تقيد التعاطي السياسي السليم هي كذلك و تعمق تنك الخلافات التي لا ترقى إلى خلق صدع بالغ في جسم الكيان. و فيما تلبس هذه الأحزاب التعاطي السياسي رداء من "الماضوية" فإنه لا يكاد يخفى و إن غطته ضعفا مبررات مستمدة في شكلها من وحي الحداثة و المدنية و لكنها في صميم مضمونها هي أبعد ما تكون عن ذلك متجلية في تركيببتها من الأسماء و جهاتها في الوطن و غيابها عن الميدان العام.
فإلى متى تظل رواسب الماضي البادية الصارخة و الخفية الصامتة تعيق السياسة و لا ترتفع إلى نبل الحوار و مقاصده العالية؟
ثم متى لا تترك للأجيال الصاعدة فرصة التواصل بلغة العصر و العمل بمقتضى متطلباته؟
و متى أخيرا لا تنجلي عن الحوار صبغة القلق و يجنب الطريق الزلق؟


 


عودة للصفحة الرئيسية