شباب يفتحون مسمكات في الأحياء الشعبية لبيع السمك بأسعار رمزية أغلبية صامته لشعب يعاني هكذا تحولت إفريقيا إلى ساحة حرب بين الجزائر والمغرب قراءة في رواية "مسافات وأوحال" للروائي محمد ولد گـواد تركيا تشتري طائرة زين العابدين بن علي نداء لتدخل عاجل من أجل حماية المخزون الرعوي رثاء وتـرحم / يحي ولد سيدى المصطف هذا انأ ..من أصداء الميدان ... أتيت ... فانتخبوني النضج الفرنسي والحكمة الغامبية خدمة "واتساب" ستتوقف على هذه الأجهزة الهاتفية في نهاية الشهر

إيران وحروبنا الخاسرة؟!

الاثنين 19-09-2016| 12:38

بقلم/ م. محفوظ أحمد


"آخر تقليعات الخميني: تخصيص حافلات للنساء وحافلات للرجال"!


هذا كان عنوانَ ومضمونَ رسم كاريكاتوري نشرته مجلة "الف باء" العراقية الشهيرة في بداية الثمانينيات؛ بين يدي اندلاع الحرب مع إيران.


وفعلا لقد أحدث آية الله الخميني، الذي عاش شطرا من حياته في العراق قبل أن يطرد إلى فرنسا، ثورة هائلة في إيران غسلتها سبعا من تاريخها الحديث، وأنبتتها من جديد على نحو مغاير في الظاهر على الأقل.


ولو رجع الباحث إلى أرشيف الصحافة العربية الحديثة لقرأ آلاف المقالات والتحليلات والتصريحات التي تؤكد كلها أن الفشل واقف في طريق تلك الثورة الخمينية، وأن سقوط "نظام الملالي" حتمي ووشيك الوقوع.


إلا أن هذا النظام لم يسقط، بل كانت كل الضربات تزيده صلابة وتعنتا. وهي ضربات قوية من الداخل والخارج؛ ابتداء من الحرب العراقية المدمرة، التي كان يفترض أن تكون خاطفة وقاضية على النظام الجديد قضاء مبرما؛ نظرا لقيامه بتفكيك جيش وأجهزة الشاه والقضاء على القيادات العسكرية، إعداما وتسريحا وطردا...


ومن الداخل المحض تلقى نظام الخميني ضربات قاتلة مثل تفجيرات طهران في 28 يونيو1981 التي أودت بحياة رئيس القضاء: الرجل الثاني في الثورة بعد الخميني (بهشتي) وعدة وزراء، ثم أشفعت بعد شهرين فقط بتفجير مجلس الدولة الذي أودى بحياة رئيس الجمهورية (رجائي) ورئيس الوزراء (باهنر) وعدد من أعضاء الحكومة والثورة دفعة واحدة!


وفي الخارج أيضا كان احتجاز رهائن السفارة الأمريكية في نوفمبر 1979، قد جر على النظام الإيراني الجديد غضب الولايات المتحدة الأمريكية فقامت بغزوة إنقاذ فاشلة (1980)، وجردت سيف عقوباتها واستنفرت حلفاءها ضد النظام الإيراني، الذي واصل تعنته ولم ينحن قبل سنة 1988 عندما قَبِل "تجرع سم" الموافقة على وقف الحرب، بعدما يئس من الانتصار فيها على العراق الذي كان بدأها ولم يستطع تحقيق نصر حاسم فيها... بل كانت وبالا عليه هو أيضا، رغم الإسناد المادي والسياسي الذي حظي به من دول الخليج العربية.


اتضح إذن أن نظام الثورة الخمينية في إيران له أكثر من "سبع أرواح" ولن يسقط بالقوة العسكرية التقليدية، فاتجهت الجهود إلى عزله سياسيا ومحاصرته اقتصاديا. فكانت العقوبات الدولية الخانقة التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية عليه وقادت تدويلها عبر المحافل الأممية.


إلا أن ضربات هذه الجبهة أيضا لم تفل سيف طهران ولم تكسر إرادتها. بل استمر نظامها في نهجه وتحديه، محققا على هذا الصعيد نجاحات مذهلة، وإن قابلتها إخفاقات و"غرامات" على الصعيد الداخلي؛ تتمثل في خنق الحريات وإقصاء وقمع المخالفين في السياسة والمذهب، وفي ضنك المعيشة العامة وضعف التنمية الشاملة في البلاد؛ ناهيك عن التكاليف الباهظة ـ ماديا واجتماعيا ـ لتلك النجاحات.


وهكذا في ظل العداء الإقليمي والحصار الدولي، استطاعت إيران أن تحقق تطورا هائلا في المجالات التكنولوجية والصناعية، حتى باتت تتسور النادي النووي المغلق... فأكملت دورة الوقود النووي سنة 2006، وصنعت صواريخ عابرة، وأطلقت بنجاح عدة أقمار صناعية من صنعها وبمنصات إطلاق خاصة بها.


ولا ريب أن أمريكا والغرب يجدون لذة في الصراع العربي الإيراني، بل يشجعون من قنوات خفية "تسلط" إيران على الدول العربية واستغلال خلافاتها وفشلها، إلا أنهم لا يرحبون بإيران الحالية في نادي القوة النووية!


ومع أن إيران ما تزال في بداية الطريق، إلا أنها حصدت أول نتائج ذلك الطموح التقني بـ"الاتفاق النووي" الأخير مع الدول الغربية الذي قضى برفع معظم العقوبات الدولية عنها، وخاصة تسييل أموالها المجمدة (100 مليار دولار) وتليين القول لها.


لكن هذا لا يكفي فكل شيء قد يتعثر، بما فيه ذلك الاتفاق، وذلك الابتهاج الطهراني برفع العقوبات؛ فمن المستحيل في الوقت الراهن أن تعود الثقة بين طهران وواشنطن حتى وإن أغرتهما المصالح الإقليمية بالتعاون والابتسام في بعض المواقع!


فقد استطاعت الولايات المتحدة ـ مثلا ـ بتدخلها في العراق وأفغانستان بالإضافة إلى حلفائها التقليديين في باكستان وتركيا والخليج، والطارئين في آسيا الوسطى... أن تُحكم الطوق على إيران في انتظار ما قد يأتي!


أما على الصعيد الإقليمي (العربي) فقد باءت محاولات القضاء على النظام الإيراني أو حشره في رقعة إقليمه بالفشل الذريع، وخاصة بعد إسقاط العراق واحتلاله وتخريبه بقيادة الولايات المتحدة؛ وهي كارثة كانت بردا وسلاما وغنائم بالنسبة لإيران!


ولا بد من الإشارة إلى أن ما حل بالعراق يشكل أصلا جزءا أساسيا من ذلك الفشل العربي. فطالما عجزت الدول العربية عن حفظ العراق، الذي ظل جبهتها الإستراتيجية في وجه إيران وغيرها (تركيا مثلا)، والحيلولة دون عبث "الصديق/الحليف" الأمريكي به، فإنه لم يكن هناك بد من استفادة "العدو المشترك" الإيراني من ذلك العبث الأمريكي والفشل العربي!


وبذلك كانت محصلة العمل العربي المفترض ـ من الخليج إلى المحيط ـ لتخليص لبنان من سيطرة حزب الله، الذي "يحتجز" هذا البلد العربي الديمقراطي الوحيد لحساب النظام الإيراني، هي حتى اليوم إضافة سوريا والعراق واليمن للسيطرة الإيرانية المباشرة، بدون منغصات ولا حتى تكاليف تذكر!!


*


تلك هي جمهورية إيران الإسلامية أو إيران الخميني.


أما كونها إيران الشيعية أو الصفوية أو الفارسية... فليس في ذلك جديد ولا مفيد.


الدول العربية المستاءة من إيران، وبعضها يبدو الآن على شفا المواجهة المباشرة معها (التي لن تحدث)، ما تزال عند نقطة البداية: تردد هذه العبارات التاريخية والمعاني العاطفية!!


ولكن من الناحية العملية لا يبدو أنها أفضل حالا اليوم من حالها يوم نزل الخميني من الطائرة الفرنسية في طهران سنة 1979. على عكس إيران التي قطعت شوطا بعيدا وازدادت قوة ونفوذا وشكوكا...


فعلى أي شيء نعول ـ معاشر العرب ـ في المواجهة معها هذه المرة؟


يبدو أن الطائفية المذهبية هي سلاحنا الرئيسي. ولكن لسوء الحظ فهي أيضا لعبة إيران المفضلة وساحتها المألوفة!!


إن الشيعة هم الشيعة! وهم أكثر الطوائف تعريفا وكشفا ونقدا في كتب العقائد والفقه والتاريخ والفكر... في التراث الإسلامي السني. فما هو الجديد؟!


**


إيران ـ وقبلها العراق ـ هي موطن ومنعة الشيعة الإمامية الإثناعشرية. كما أن اليمن هو موطن الشيعة الزيدية، والقارة الهندية هي اليوم موطن الشيعة الإسماعلية، مع وجود لهم في الشام والجزيرة العربية.


وهذه الطوائف الثلاث هي المتبقي من الشيعة مع تباينها في العدد والمعتقد.


فمذهب الشيعة الزيدية قريب من مذاهب أهل السنة؛ فهم يقبلون خلافة العمرين على أساس جواز إمامة المفضول مع وجود الأفضل. ومنهم أئمة حجة لدى أهل السنة مثل الشوكاني والصنعاني... وهم في العموم أقلية هادئة مندمجة في المجتمعات السنية.


أما الشيعة الإسماعيلية فمذهبهم يقوم على الباطنية (أن للنصوص الشرعية ظاهرا وباطنا). ولذلك تعتبر معظم طوائفهم خارجة عن الشريعة الإسلامية. إلا أن الإسماعليين لهم تجربة سياسية عريقة من خلال حكمهم لمعظم البلاد العربية بواسطة الدولة الفاطمية الواسعة الانتشار والقوة (909-1171م).


وبالنسبة للشيعة الإثناعشرية فهي الطائفة الأكثر عددا ونفوذا اليوم. وقد كانت ـ رغم كثرتها ـ ضعيفة التأثير بسبب معتقد "الغيبة" عندهم وانتظار عودة "الإمام الغائب" ليحسم الأمور الجسيمة!


وقد ساعدت النزعة العقلية لمدرسة هذه الطائفة إمامهم الخميني على تأسيس نظرية "ولاية الفقيه" التي تقوم على النيابة عن الإمام المنتظر، وتخليصهم بالتالي من حالة السلبية التي كان يفرضها الانتظار.


وقد حاول الخميني بهذه "الثورة الثانية" التخفيف من تطرف هذه الطائفة وضلالها المبين تجاه معظم صحابة النبي صلى الله عليه وسلم ـ رضي الله عنهم ـ فألغى طقوس لعن وسب الخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنهم. وهي خطوة لا تحتاج النية والإخلاص، بل تمليها المصلحة السياسية بداهة.


وما يزال هذا هو "الموقف الرسمي" المعلن للحكومة الإيرانية.


ولكن بينما لا يسمح بهذه الإساءات المنكرة في وسائل التعليم والإعلام والحوزات الرسمية، فإنها قد انتعشت وتفاحشت في وسائل الإعلام الخاصة والتصريحات والكتابات عبر محطات ومواقع تابعة لهذه الطائفة في العراق ولبنان، وربما في إيران نفسها.


ثم جاءت الدورة الجديدة من تأزم العلاقات السعودية الإيرانية لتطلق ألسنة السوء والتطرف الشيعية، فتقذف بمزيد من مكنوناتها المنكرة من الضلال والسفه ضد ثوابت الأمة الإسلامية ورموزها المقدسة.


*


لا يخفى أن هناك اليوم حربا مذهبية/طائفية طاحنة أوكِل فيها الشحنُ العاطفي والتحريضُ المذهبي إلى الأوساط الشعبية الواسعة الانتشار في الإعلام الخاص ووسائل التواصل والمساجد... بينما تُركز جبهتها الرسمية (الحكومية) على الدولة الإيرانية ونظامها الرسمي.


وإذا كان هذا التوزيع تفرضه الحالة الديمغرافية/الطائفية على معظم دول الخليج (بسبب وجود الشيعة بينهم) فإنها على ما يبدو تتوق إلى ترويجه وتصديره إلى أشقائها الآخرين ليشاركوا في هذه الحرب ذات الأوجه المتعددة (دينية/شيعية، وقومية/ فارسية/صفوية...).


وتبدو المعركة بهذه الإدارة شديدة التعقيد، كثيرة المخاطر، والأهم أنها عديمة التأثير على "العدو"، رغم كثرة المتطوعين وحماس بعضهم!!


وسنكتفي بنموذج موريتانيا في هذا الصدد، حيث تتطلب المعركة ترتيبات غائبة: فلا بد من إيجاد شيعة، لا وجود لهم. ولا بد من أن يكونوا يهددون المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف الجنيدي؛ وهي بوتقات ظلت إلى الأمس القريب تجمع سكان هذه البلاد بمختلف مكوناتهم، بل وتجمعهم مع جيرانهم.


ولكن أعتقد أن الأمر مختلف تماما عن نجاح تجربة نشر المذهب السلفي الوهابي، رغم اتحاد المصدر و"الصلات" الوثيقة بين الأهداف والدوافع!


ذلك أن للمذهب السلفي ـ عموما ـ جاذبية وجذورا قديمة (من عهد المرابطين)، وروافد حديثة (لمجيدري، الشيخ سيديا باب، ولد سليمة، بداه، عدود...). وبالتالي فهو مألوف في بداية الطريق، ولكنه يثير من المشاكل والخلافات ما يؤدي في الأثناء إلى الافتراق، رغم قوة وجاذبية دعوته.


فحين يقف المذهب السلفي الأشعري جامعا موحدا للمسلمين رافضا تكفير أحد من أهل القبلة، ويتقدم المذهب الآخر متشنجا مفرقا شاهرا سيف التكفير (الذي تفرعت منه قنابل التفجير) في وجه من يخالف ومن يتصوف ومن يتبرك برسول رب العالمين صلى الله عليه وسلم!


*


الموريتانيون بطبعهم ظلوا شيعة النبي صلى الله عليه وسلم، محبين لآل بيته أكثر من الشيعة، ولكنهم في مأمن حصين من التشيع، لأن مصدر تشيعهم هو السيرة النبوية ومعارفها التاريخية والشخصية للصحابة جميعا؛ بدراسة وتمحيص، لا بوراثة ولا مذهبية باطنية أو تبعية غيبية.


ومن الكتب العتيقة في مكتبات ومحاظر الموريتانيين: السيوطي والبغدادي وابن حزم وابن كثير والشهرستاني... وغيرهم ممن ألفوا في الفِرَق والملل والنحل ـ وأكثرها من الشيعة ـ فقَيموا وبينوا، دون ضغوط سياسية ولا أهواء شخصية أو دولية، ولا إغراءات سياسية أو نفعية!


وفوق كل هذا فإن هذه الحرب المذهبية، التي أغرت سفهاء الشيعة بمزيد من الإساءة إلى مشاعرنا عبر الإعلام، لن تضر إيران ولن تنفع السعودية. بل المرجح أن يرجع البلدان إلى التفاوض والتصالح وحفظ مصالحهما، بناء على موازين قوتيهما، كما كان يحدث دائما. ثم نبوء نحن بمعارك جديدة مع الأشباح!


*


ويبقى الطريق إلى ردع إيران وإيقافها عند حدودها وكف غرورها، حلما من الأحلام العربية الكثيرة المضيعة. فبعد العجز عن إسرائيل وتخليص المقدسات من دنسها، وركون معظم قادة العرب إليها، علنا أو سرا، هل يتجه العرب الآن لإخضاع إيران؟ وبأي سلاح؟ بسلاح الطائفية الذي يدمرهم أكثر منها؟!


 


عودة للصفحة الرئيسية