شهادة مجانية من أفضل معاهد العالم.. كيف يمكنك الحصول عليها عن بعد؟ بيان تضامني مع قناة المرابطون السعودية تكشف إجمالي وارداتها وصادراتها من موريتانيا الكاف يستبعد 11 دولة من بطولاته من بينها موريتانيا الصدف تتكفل بالرد أحيانا.. صحيفة مغربية: النظام الموريتاني تغاضى عن تحركات البوليساريو قرب لكويره صراع التعريب وصيانة الهوية والوحدة الوطنية (ح 2) ندوة حول "الترجمة وتأثيرها الثقافي في عصر العولمة" أردوغان الغاضب يهدد ألمانيا وأنقرة تستدعي سفيرها شركات جزائرية كبرى تدخل السوق الموريتاني

في مسيرة التعليم العالي والبحث العلمي الموريتاني: ملاحظات من الداخل

السبت 8-10-2016| 14:22

د. مصطفي الطالب- باحث في علم الاجتماع

يعتبر التعليم العالي إحدى الدعائم الأساسية للتطور والتنمية في كل بلد لما يمثله من طموح في تكوين الأجيال في شتى المجالات المتخصصة للرفع من مستوى المجتمع وتلبية حاجياته التنموية.
يقف البحث العلمي قريبا من التعليم العالي دون أن يرادفه, فقد تمارس مؤسسات التعليم العالي البحث العلمي ضمن نطاق الدراسات العليا مثلا على مستوى مختبراتها لكنها يمكن أيضا أن تكتفي بوظيفتها الأساسية التي هي التكوين. و يحدد هذا التوجه أو ذاك الاختيارات الإستراتيجية لكل بلد وطبيعة المؤسسات المعنية – ومن البديهي أن هناك مؤسسات خاصة بالبحث العلمي غير مرتبطة بالتعليم العالي بمعنى أن التكوين العام لا يدخل أصلا ضمن اختصاصها.
لقد اختارت بلادنا منذ فترة (المرسوم 2006-126) أن توائم بين التعليم العالي و البحث العلمي- لأسباب وجيهة سنتعرض لها لاحقا- و نتيجة لذالك أصبح الأستاذ الجامعي عندنا أستاذا باحثا بصفة تلقائية ويعنى ذلك أنه يجمع بين صفتي التكوين بمعناه التقليدي و البحث الذي يندرج ضمن نطاق الإبداع و الاكتشاف أي المشاركة في انتاج المعرفة و ليس فقط الاكتفاء بما يتوصل له منها. 
إن هذا التغيير أو لنقل التكييف الجديد لموقع الأستاذ الجامعي يحمل في داخله ثورة عميقة و متطلبات كثيرة إضافة طبعا إلى ما يترتب علي هذا الواقع من أمور قانونية والتي يحددها-علي مستوي معين- دفتر الالتزامات الخاصة بهذا الموظف العمومي.
ما هي فائدة هذا التغيير؟ لقد تبين لخبراء التنمية أن الفصل بين عالمي التكوين و البحث العلمي يضر كثيرا بالتنمية خاصة في مسارها الزمني أو ما يسمى اصطلاحا عجلة التنمية هذا إضافة إلي الأبعاد البنيوية الأخرى كهدر الطاقات البشرية و المالية وتنافر الأدوار بدل انصهارها وتكاملها. في هذه الرؤية التكاملية مثلا يستطيع الأستاذ الباحث أن يطلع طلابه على آخر نتائج البحوث الخاصة بتخصصه بدل انتظار أن تصدر تلك النتائج و تأخذ- أو لا تأخذ في الغالب- الطريق إلي البرامج الدراسية. في الحقيقة لا يتأتى لهذا الأستاذ أن يمارس مثل هذا الدور إذا لم يكن هو نفسه منخرطا في مثل هذه البحوث ومتابعا جيدا لها. وفي الحالة المثالية يشرك الأستاذ الباحث طلابه في بحوثه منميا عندهم قدرات الملاحظة و التفكير و حب العمل الميداني و التشوق لاكتشافات جديدة.
إن هذه الأمور التي ذكرت آنفا معروفة- بلا شك- عند الجميع وإنما أحببت أن أذكر بها و ليعذرني القارئ الكريم في ذلك لأن ما سأقدمه حول حالة القطاع تستدعى مثل هذا التذكير و هو فقط من باب الاحتفاء بالسنة الجامعية الجديدة و سيكون ضمن المعطيات الموضوعية أو التجربة الشخصية.
 لقد شهد قطاع التعليم العالي و البحث العلمي فى الفترة الأخيرة تطورات ايجابية كثيرة نذكر منها على سبيل المثال تكملة الإطار القانوني لسد ثغرات كثيرة تعرقل ظروف التكوين و البحث خاصة على مستوى آليات المتابعة و التقييم. و يأتي ضمن هذا النطاق الإصلاحي تفعيل المجلس الأعلى للتعليم العالي و البحث العلمي الذي أصبح اليوم حقيقة حيث يشارك كهيئة استشارية في التوجيه و التنسيق وتعريف المعايير الوطنية لجودة التعليم العالي و البحث العلمي . يعكس هذا المجلس رؤية أفقية لحكامة هذا الحقل الأساسي لكل تحديث يراد له أن يتجذر ويثمر منتجات حقيقية يشار إليها بالبنان (كفاءات بشرية- معارف-سلع تكنولوجية...)
بالإضافة إلي هذا العنصر من المفيد جدا أن نذكر –و نحن في مجتمع المعلومات- إلى الانجاز القيم و المتمثل في لوحة القيادة للقطاع. إن النشاطات التعليمية و العلمية –و إن كانت ظاهريا ذات أبعاد استهلاكية فإنها في الحقيقة في صميم الاستثمار فتعليم المرء يجعله أكثر إنتاجية و قد كان أدم سميث (1723- 1790) ،أبو الفكر الاقتصادي الحديث يؤكد على هذه الحقيقة بقوله إن المردود الاقتصادي للتعليم لا يضاهيه شيء أخر علي الإطلاق. ولا يعنى ذلك مطلقا استثناء التعليم من الرقابة بل علي العكس تماما فانه شأن أي استثمار آخر لابد من متابعته وترشيده.
 في هذا المجال، فان لوحة القيادة للقطاع تعبر عن هذا المنطق حيث تقدم المؤشرات الرئيسية للقدرات أعداد وتشكيلة المنتسبين وتوزيعهم- تكلفة الخريجين-النسبة الصافية لولوج التعليم العالي-نسبة الطلا ب إلى الأساتذة -الخ.
ويساعد هذا صناع القرار ويضعهم أمام الوضعية الدقيقة للقطاع. نلاحظ مثلا أنه فى سنة 2015 بلغت 28 (أي أستاذا لكل28 طالبا (وهى قريبة جدا من معيار اليونسكو 1/25)./نسبة التأطير الجامعي 1

علي مستوي آخر فان الحديث عن التعليم العالي ينبغي أن يعرج على بيئة الجامعة و هل وصلتها رياح التغيير وعموما يحتاج ذالك إلى بعض الوقت. سأحصر ملاحظاتي في هذا المستوى علي النقاط التالية
:
*اكتتاب هيئة التدريس
تتميز الجامعة العمومية الموريتانية بصعوبة الولوج حيث يوجد في الواقع نظام مغلق تديره –أو تؤثر فيه كثيرا- لوبيات تقليدية (قبلية-جهوية) ولهذا يكون الفرز مشفرا و طاردا لمن هم خارج الدائرة. ولقد خضت شخصيا- منذ سنوات خلت- تلك التجربة فوجدتني ولله الحمد غريب الوجه و اليد و اللسان. و قد ذكر لي زملاء كثر كيف واجهوا نفس المعضلة.
*التمثيل الجامعي
تنشط في الجامعة العمومية نقابات كثيرة للأساتذة الدائمون وقد كان لهن دور بارز في مرحلة التأسيس الجامعي من أجل التصنيف المناسب لهذه الفئة الجديدة آنذاك. و قد حصل المطلوب بل وربما زيادة لكن ورغم ذلك فان الحضور النقابي الحالي -من وجهة نظري- مبالغ فيه بعض الشيء فالعناوين المناسبة Les هي التنظيمات والجمعيات المعرفية للجامعة sociétés savantes.
فهذه الأخيرة تعطى الزخم الأكاديمي الضروري و تشكل في حالة نجاحها قوى ضغط ذات مشروعية و مصداقية كبيرتين لخدمة قضايا المجتمع و لتمويل البحوث و ترقية العمل الجامعي.صحيح أن النقابات هي حقا إطار قانوني للعمل الجماعي ولكنها تناسب أكثر- ما يسميه إخوتنا المشارقة- القوي العاملة أو الشغيلة وهى جموع تحتاج إلى من يحمل صوتها ويحميها من تبعات ما يفترض أنه صراع المصالح المتناقضة بين أرباب العمل من جهة و العمال من جهة أخري. وقد تمدد الفكر النقابي لاحقا ليشمل أيضا بعض المهن النخبوية كقيادة الطائرات و الطبابة ويرجع ذلك إلى التحديات التي تواجه أصحاب تلك المهن مما يتطلب منهم التعاضد لمواجهتها. لا تنطبق هذه المعايير -ولله الحمد- على الأساتذة عندنا فوضعيتهم ممتازة من حيث الأجور و ظروف العمل إجمالا و نسبة إلى السياق الأقتصادى للبلد وبالتالي لا تعطى النقابات صورة جيدة للأستاذ الجامعي عندنا- معشر الرأي العام وسأعطي مثالا بسيطا حول ذلك. جرى الحديث في السنة المنصرمة عن زيادة نوبة التدريس الفردية لتصبح 8 (بدلا من 6) ساعات أسبوعيا. وقد قرأت بعد إقرار التعديل بيانا لأحدى النقابات تتحدث فيه عن هذه المسالة مستخدمة عبارة"العبء الدراسي" وقد صدمنى هذا وقلت لا شك أنه خطأ فى الترجمة فلا يمكن لأحدهم أن يعتبر عمله عبئا فالأعباء أمور سلبية -وعادة ما تكون مؤقتة- مثل الديون و الأمراض الخ. أما العمل فهو اختيار و التزام للفرد يؤديه برضا و قناعة.
* بنية طاقم التدريس
لا توجد التراتبية المعروفة في الجامعات العالمية (أستاذ –أستاذ مساعد- محاضر ألخ.) و يمكنك بالكاد التمييز بين المستويات والتخصصات الدقيقة للمدرسين ويشكل هذا قصورا في الشفافية لا يساعد في توزيع الأدوار التعليمية أو تكوين الفرق البحثية.
في ختام هذا الحديث وبما أنه معايدة فلا يسعني إلا أن أتقدم للزملاء بالتهنئة بمناسبة السنة الجامعية الجديدة راجيا من المولى القدير أن يجعلها مليئة بالمسرات. 

 


 


عودة للصفحة الرئيسية