شباب يفتحون مسمكات في الأحياء الشعبية لبيع السمك بأسعار رمزية أغلبية صامته لشعب يعاني هكذا تحولت إفريقيا إلى ساحة حرب بين الجزائر والمغرب قراءة في رواية "مسافات وأوحال" للروائي محمد ولد گـواد تركيا تشتري طائرة زين العابدين بن علي نداء لتدخل عاجل من أجل حماية المخزون الرعوي رثاء وتـرحم / يحي ولد سيدى المصطف هذا انأ ..من أصداء الميدان ... أتيت ... فانتخبوني النضج الفرنسي والحكمة الغامبية خدمة "واتساب" ستتوقف على هذه الأجهزة الهاتفية في نهاية الشهر

المهنة...طبال!

الأحد 9-10-2016| 09:00

البشير ولد عبد الرزاق


مثل كل المهرجين الصغار الذين اكتظ بهم تاريخنا فجأة، كان السيد(س) يغير جلده وملامح وجهه وماركة عطره ولون ربطة عنقه وملابسه الداخلية وطلاء غرفة نومه وأشياء أخرى كثيرة، بمناسبة كل انقلاب عسكري.
كان واحدا من أولئك الذين يملكون قدرة خارقة على إدارة بدلاتهم في غمضة عين وجعل كل ذكريات الأمس تسقط رميا بالرصاص، قبل إذاعة البيان رقم واحد بدقائق.
حين بصقته السلطة ذات يوم لم يكن في الحسبان، حاول صاحبنا أن يبقي على قدر معقول من الهيلمان، فتح مكتب دراسات في عمارة حديثة وسط العاصمة، كان له سائق يفتح له باب السيارة مع انحناءة خفيفة ويحمل له حقيبته الجلدية بنية اللون وظل مدمنا على الجلوس في المقاعد الخلفية للسيارة، في إصرار أبله على تقليد قديم.
في الواقع، كان الرجل مقتنعا بأنه سيعود مرة أخرى، "لا يمكن أن يستغنوا عن خدماتي هناك"، هكذا كان يقول لزوجته كل مساء بنبرة واثقة، سرعان ما بدأت تترهل مع مرور الأيام.
لم تتحقق نبوءة (س) أبدا، أصبح المسكين يتسكع وحيدا في الشوارع القريبة من بيته، يلقي التحية على رواد المقهى المجاور، يضع قطعة نقود معدنية في يد المتسول الأعمى المتكوم على الرصيف ويشتري بنفسه خبز الصباح من الفرن، بعد أن يكون قد دخل في نقاش ساخن مع البائع، حول رداءة خبز هذه الأيام.
حين ذهب لاستصدار بطاقة الهوية الجديدة، سأله وكيل الحالة المدنية عن مهنته، أفلتت كلمة "طبال" من الطابور، كتم الجميع ضحكاتهم، أما هو فحافظ بصعوبة على رباطة جأشه فقد كان يحترق في داخله. 
كان المفروض أن يتحول الرجل وأمثاله كثيرون، إلى عبرة وموعظة لكل ممارسي مهنة التطبيل والتزمير للسلطان أيا كان، لولا أن جماجم هؤلاء هي أصغر حجما بكثير من أن تفكك الدرس (س) وتعيد تركيبه حتى تستوعبه.
في صبيحة العاشر من يوليو 1978، وبينما كان الوطن، الذي بدأ بالكاد يتعلم المشي على قدميه، يكتوي بنار أول انقلاب عسكري، كان قلب الراحل المختار ولد داداه يعتصر ألما وهو يستمع إلى أقرب المقربين من رفاق الأمس، يصدرون البيان تلو البيان والتصريح تلو التصريح، مهللين للعهد الجديد وممطرين العهد البائد بما لا أذن سمعت ولا خطر على بال، من القدح والذم والشتيمة وجميع أشكال الصفاقة والابتذال.
أدرك المختار ساعتها أنه كان يزرع في أرض بور وحز في نفس الرجل الذي كان يحمل لقب "أب الأمة"، أن الوطن لم ينجب في الأخير سوى "عصابة" بدل تلك الأمة التي ظل هو مزهوا بأبوتها على مدى سنين حكمه الطويلة، وسيصاحبه هذا الجرح الغائر في حله وترحاله وحتى آخر أيامه.
شكلت هذه اللحظة بداية تمارين الإحماء، فما حدث مع المختار سيتكرر بحذافيره مع كل الذين سكنوا القصر من بعده وبالمحصلة سيصبح لدينا احتياطي وطني هائل، زاخر بنسخ متعددة من فرقة "حسبل" المصرية الشهيرة:
عجوز، انتهت صلاحيته السياسية واستهلك كل وقته الإضافي، يهمس في أذن الرئيس "لقد كنت قلقا على مستقبل البلاد لولا أني رأيت نجلكم حفظه الله"!
دكتور وأكاديمي محترم، مشكلته الوحيدة أنه لم يكن يبصر أبعد من الكرسي الذي يجلس عليه رغم قامته الفارعة، يقول للرئيس "إذا لم ترشحوا نفسكم لفترة رئاسية جديدة سأرفع على سيادتكم قضية في المحاكم"، لقد جعل الدكتور جميع طبالي الجمهورية يخجلون من أنفسهم ويدركون أنهم "فرق هواة"!
إعلامي كبير سبقت شهرته سقطته، تقول سيرته الذاتية إنه كان ذات زمن مناضلا قوميا شرسا ناله من السجن والتعذيب نصيب كبير، يقدم للرئيس المصحف الشريف قائلا "أرجو من سيادتكم أن تقبلوا مني هذه الهدية (....)"!
يساري عتيق تفوح من ماضيه رائحة العرق والدخان الرديء، أصابته عدوى سيارته رباعية الدفع، فتحول إلى راقص متهور على سطحها وفي لحظة حماس ألف ولحن وأدى أغنيته الهابطة "الدرجه أل من؟..."، كان المشهد صادما لرفاق الدرب الذين لم يتخيلوا يوما أن يرقص رفيقهم المناضل بهذا الحماس ولو على أنغام فرقة البيتلز الشهيرة!
تلك مجرد ومضات سريعة ولولا أني أشفق عليكم، لكنت واصلت سرد هذه الفظاعات الوطنية الغائرة، فالقائمة طويلة جدا ولا يكاد يمر يوم إلا وتتحطم أرقام قياسية ولا يكاد يمر يوم إلا ويولد بطل جديد في حي من أحياء "الطبالين"، التي ضاق بها الوطن ذرعا.
طبعا هناك استثناءات وتلك سنة الحياة، ورود تتفتح وسط هذا الكم الكبير من الحشائش الضارة التي نبتت فجأة في تاريخنا، مجموعات من الحالمين الذين يمنون النفس كل ليلة قبل النوم، بأنهم سيستيقظون في اليوم التالي على وطن آخر، غير الذي شاهدوه في أخبار المساء على التلفزيون الرسمي.
لكن هيهات ثم هيهات، فالتاريخ المليء بالجماجم الصغيرة، يعيد نفسه دائما.


 


عودة للصفحة الرئيسية