تعيينات فى شركة المياه SNDE تطورات متسارعة في غامبيا بعد دعوة جامي لانتخابات جديدة الوجه الخفي لمواجهة الحرب على الفساد..!! برلمانية موريتانية: نواكشوط ترفض الوصاية ولن تغلق مدارس برج العلم وكالات استخبارات أمريكية: روسيا "تدخلت لدعم ترامب" في الانتخابات التعليم بالطينطان: المرور بشبّاك الدّفع هكذا اعترف رئيس غانا بهزيمته في الانتخابات الاناضول: موريتانيا ستسلم مدارس برج العلم لوقف المعارف التركي موريتانيا تقيم علاقات دبلوماسية‎ مع الفاتيكان جامي يرفض نتيجة الانتخابات وغامبيا على مفترق طرق

رسالة: تكريم المقاومة... لا تدمير الدولة

الكادحون والناصريون هم أصحاب "المقاومة الوطنية"

الثلاثاء 11-10-2016| 11:42

بقلم/ م. محفوظ ولد أحمد


أخي الكريم؛


أنتم وأنا متفقان على أمرين جوهريين:


الأول: أن هذه البلاد هبَّ من بين أبنائها البررة رجال تصدوا للغزاة الأوربيين وقاتلوهم بشجاعة وقاطعوهم وضايقوهم بإخلاص... وأن هؤلاء المقاومين/ المجاهدين يستحقون علينا، نحن الموريتانيين خاصة وعلى الأمة الإسلامية جمعاء، كل التكريم والإجلال والدعاء بجزيل الثواب من عند الله.


الثاني: أن أولئك الغزاة، مهما كان مستوى وجودهم وحجمه، لا يُقبل مسُّهم بديننا ولا هويتنا وكرامتنا، ولا استعمارُهم بلادنا ونهب خيراتها وإذلال أهلها؛ وأن المستعمرين الفرنسيين منهم خاصة، كانوا ـ ولا يزالون (واجعل خطا تحتها!) ـ في أنفسهم وأهدافهم خبيثين، لا يسعون في النهاية إلا لمصالحهم وأهدافهم الاستعمارية المتناقضة مع طبيعتنا، والمعادية لأهدافنا وهويتنا وتاريخنا؛ قطريا وعربيا وإسلاميا...


لكن، أخي الكريم؛


قد نختلف في أمور أخرى، أرجو أن تقرأ موقفي منها فيما يلي:


1- أرى أن الذين قبلوا الوجود الفرنسي بداية، بناء على الحاجة الماسة للأمن والسلام وحفظ الضروريات (كالنفس والمال) من حالات الفوضى والحروب والإغارة والنهب والظلم... كانوا على حق واجتهادهم مصيب، مع مستوى عال من الكفاءة في التقدير، وحصنٍ من العلم والمعرفة والورع... ولذلك لم يَعب عليهم ولم يَطعن في اجتهادهم أهلُ العلم والرأي من الطرف الآخر؛ الذين رأوا القتال أو الهجرة. بل لقد التحق بالمهادنين كثيرون ممن كانوا يقاتلون الفرنسيين بشجاعة وقوة، فهادنوهم لَما رأوا وجاهة ذلك الرأي (كالمجاهد العظيم الأمير أحمد ولد الديد وغيره).


وقد تشاور هؤلاء القوم وشاوروا ثم بينوا ـ حينها ـ مبررات قبولهم المتحفظ بالوجود الفرنسي، وكان أهمها:


أ) اقتصاره على النواحي الأمنية والإدارية واحترامه التام للدين الإسلامي والعادات والتقاليد المحلية.


ب) الاختلال الهائل في ميزان القوة العسكرية، وعدم توفر سلاح وقوة مكافئة لردع الفرنسيين وطردهم.


ج) استباق ومنع الاجتياح الفرنسي، دون إذن من أحد، والغزو الاستعماري العسكري الشامل من الجيش الفرنسي مباشرة، بدون أي شرط ولا قيد؛ كما حدث في بلاد أخرى، وقد كانت أمارات ذلك قوية لدى هذا الطرف (كان جميع الوجود الفرنسي ذا طابع إقليمي، يتبع للوالي الفرنسي في السنغال).


2- أرى أن كل المقاومة العسكرية كانت في الأساس ذات أهداف دينية محضة، وإن علقت بها شوائب شوهت بعضها في المراحل الأخيرة؛ إما لأنها أعمال نهب وسلب وعدوان على الأهالي الأبرياء، وإما لأنها لحساب وتوجيه دولة أو قوة سياسية أجنبية على البلاد (ستصبح أسس حزب النهضة مثلا).


3- لم تكن المقاومة القتالية للفرنسيين أو غيرهم من الكفار، لها أي دافع وطني (خارج مضمون الدفاع الشرعي عن النفس والديار الذي هو من الفروض الإسلامية الأصيلة) ولم ترفع في أي يوم أو موقع شعار "تحرر وطني" ولا راية استقلالِ دولة وطنية؛ لأن هذه "محدثات" لم تكن معروفة ولا مقصودة في عموم هذه البلاد.


4- لم يكن لهذه المقاومة الجهادية أي تنظيم ولا رابط ولا تنسيق، وإنما كانت أفرادا أو مجموعات قبلية يعمل كل واحد منها على شاكلته!.


5- حين انتشر الفرنسيون واستتب الأمن واستقرت الأوضاع وهدأ روع الناس من "النصارى" وعلموا أن ليس في وجودهم خطر مباشر على دينهم وهويتهم، ورأوا من إدارتهم بعض المصالح العامة: كالطرق والاستطباب والبيطرة...(وإن كانت بأثمان باهظة وغطرسة استعمارية) خفتَت المقاومة وتقلصت حتى اختفت تماما (على الأقل قبل حزب النهضة، إذا عددناه فيها) بينما كان منطقُ "مقاومة الاستعمار" يقتضي شدتها وانتشارها مع تمدده، وازدياد السلاح الناري في أيدي السكان.


6- بُعيد الاستقلال الوطني الرسمي مباشرة نشأت حركة مقاومة أخرى مختلفة، يمكن أن نطلق عليها حقا "المقاومة الوطنية" أو حتى مقاومة الاستعمار من أجل الاستقلال!


ذلك أن حدث الاستقلال نفسه، وابتداع الدولة الوطنية، كان ـ بسبب ظروف شتى ليس هذا مقام بسطها ـ بموافقة ودعم الاستعمار الفرنسي على أعلى مستويات الدولة الفرنسية (وليس فقط على مستوى والي السنغال).


فقد أصبحت للموريتانيين دولة نظرية ذات اسم ووسم. وتزامن ذلك مع بدأ الوعي الوطني وسريان تأثير المدارس العصرية والإعلام...


وبما أن الدولة الجديدة لم تخرج من العباءة الفرنسية، بل تدثرت بها؛ فأبرزت لغتها البغيضة وحملت أساليب حكمها المخزنية الكريهة إلى السكان بواسطة قوم من بني جلدتهم وأعيانهم... فإن هذا كان مرحلة من الاستعمار الفرنسي الحقيقي بقناع وطني (مبرراته الواقعية محل جدل آخر). لكن ذلك كان في غياب كامل وشامل للطرفين الأصليين (موضع الجدل الأول) وهما طرف مقاتلة الفرنسيين وطرف مهادنتهم.


وهكذا برزت نخبة "جديدة" من المقاومين "الوطنيين" الذين يرفعون صراحة شعار التحرر الوطني من الاستعمار الفرنسي المختبئ ـ لغةً وإدارةً وممارسة ـ خلف مظاهر الاستقلال الوطني الضعيف!


وكان أسلوب هذه المقاومة الوطنية سلميا، تماما كالوجود الفرنسي في تلك المرحلة!


فنشأت حركات المعارضة المقاوِمة؛ سواء تحت يافطة اللغة العربية (نقابة المعلمين مثلا) أو تحت يافطة حركة الكادحين السباقة في هذا المضمار، والتي جلبت شعارات "الكفاح الشيوعي" والمد اليساري القادمة من الصين وروسيا والهند الصينية (حيث هزمت فرنسا).


لقد كان من الطبيعي أن تستخدم حركة الكادحين الوسائل الممكنة لكفاحها ضد النظام "الاستعماري" ومن أهمها ذكرى ورموز قتال الفرنسيين، لأن ذلك يحقق لها أغراضا في غاية الأهمية، وإن كان بعضها مخادعا وخبيثا أحيانا:


أولا: شحذ الهمم ونشر النفوذ بين الناس,


ثانيا: رد شُبهة الشيوعية الملحدة، المرتبطة بالتأثر الواقع من المد اليساري الأحمر. وهي شُبهة منفِّرة جدا كان الخصوم، والنظام خاصة، يستغلونها بخبث أيضا ضد الكادحين.


ثالثا: تضخيم واستغلال "النزاع" القديم بين المجاهدين والمهادنين. من خلال العلاقة العائلية و"المخزنية" بين رأس النظام وكبار أطره حينها، وبين أهم أطراف المهادنة في ذلك النزاع (آل الشيخ سيديا). وهذا التضخيم والتحريض كان (ولا يزال، بالمناسبة) يخدم في حد ذاته الحركة اليسارية "اللائكية" من طرفيْه؛ وهما: المتدينون المجاهدون في سبيل الله ودينه (..) والمتدينون "البورجوازيون" الذين يتكئ النظام على إرث تقبلهم للفرنسيين!


7- بعد أن دار الزمن دورته، وانهار اليسار عموما، ولم يبق للكادحين إلا ذكريات باهتة. جاءت أنظمة الانقلابات العسكرية لتنفش في الحقل السياسي بجميع أطرافه، وتزرع فيه فطر الفساد وزوابع التصحر والتحلل...


ولعل آخر ذلك وأغربه ما أظهره النظام الحالي، بتكلف سافر، من تشجيع إحياء جدل المقاومة والاستعمار، والمقاتلة والمهادنة... وما جر إليه ذلك من تهديد الأسس المعنوية الوحيدة الباقية من الدولة الوطنية؛ وهي تلك الرموز (العلم والنشيد) التي يضرُّ مسها ولا ينفع؛ لأنه لا يقدم أي حل لأي من المشاكل الحقيقية في البلاد.
إنه عبث فكري من حيث يبدو ترفا فكريا!!


ويظهر أن ما يتجه إليه موقف النظام في هذا الميدان الزلق قد يُخرج الأمر من يده ولعِبه، فيتجاوز جدليات تغيير الرموز؛ الذي لن يكون ـ في أحسن الأحوال ـ إلا تلاعبا ديماغوجيا، سيستثمره الحاكم القادم في عكسه؛ فيرد كل شيء إلى أصله ويمنُّ ذلك على الناس، وهكذا... (على منهج عطلة الجمعة مثلا!).


ذلك أن رواد هذا المجال الجدد، الذين حركهم استحسان النظام ـ عن قناعة أو غفلة ـ ليسوا أكثر مسئولية ولا أعمق إدراكا منه، ولا معرفة طبعا!... لمخاطر ما يثيرونه من تسميم النعرات القبلية والمشاعر الطائفية التي ظلت تجمع ولا تفرق في هذه البلاد خاصة.


صحيح أنه من حق كل فرد أن يقول ويكتب ما يشاء عن المقاومة وعن العمالة، تبعا لرؤيته، بل ولرغبته وهواه وحتى مصالحه الضيقة... ولكن في تأطير السلطة لذلك وتبنيهِ والعملِ به... كثيرا من الخطورة وعدم المسئولية!.


والخلاصة أن إثارة هذه المواضيع لا مبرر لها أصلا، كما أن تحميلها شحنات سامة، كالقبلية والطائفية خطير جدا (الآن بالتحريض والسب والقذف في حق طرف المهادنة، واختلاق الدافع "الوطني" الدنيوي لطرف المقاتلة الجهادية، والإضافة إليه من كل صوب...!).


فمنذ الاستقلال الوطني، بكافة مراحله المدنية والعسكرية، ظلت الدولة والرأي العام يكرمون المجاهدين المقاومين، من جميع جهات الوطن، لا بعضها فقط! وينزلونهم منازلهم اللائقة في الإعلام والمدارس وحتى الشوارع؛ دون تقص ولا مس من احترام وتقدير الطرف الآخر. ولم يكن المجال يحتمل مثل هذه المزايدات الرخيصة التي لا يمكن تبرئتها من الأغراض الأنانية الشخصية والنفعية، من خلال التملق السياسي الواضح من بعض أصحابها، والاستحسان الفاضح لذلك من النظام!!


أخيرا، أخي الكريم؛


لا أنا ولا أنت ولا آخر، ولا أي نظام... يستطيع أن يغير الماضي أو يزيد أو ينقص في حوادثه وشخوصه؛ خاصة إن كان هذا الماضي قريبا جدا. ومن الخطأ الجسيم والخطل العظيم التعامل معه بمنطق اللحظة وحاجياتها الخصوصية ونزواتها السياسية!!


 


عودة للصفحة الرئيسية