ندوة حول "الترجمة وتأثيرها الثقافي في عصر العولمة" أردوغان الغاضب يهدد ألمانيا وأنقرة تستدعي سفيرها شركات جزائرية كبرى تدخل السوق الموريتاني مؤشر القراءة العربي: أرقام مثيرة حول وضع موريتانيا حزب موريتاني: الدرس الغامبي يستحق التأمل القوات الحكومية السورية تسيطر على حلب القديمة بيان مشترك لنقابات الأساتذة والمعلمين حول الاسترجاعات تعريف علم التاريخ وحديث عن محنته في موريتانيا قضية سونمكس: الإفراج عن ولد اسبيعي بعد ساعات من إيداعه السجن فيديو: الملك سلمان يرقص في قطر

الكواكبي والحالة الثورية

أوراق الربيع (8)

الثلاثاء 11-10-2016| 19:09

محمد مختار الشنقيطي/ أستاذ الأخلاق السياسية ومقارنة الأديان


أفرد الكواكبي صفحات من كتابه القيم "طبائع الاستبداد" للحديث عن تشخيص الظروف المواتية للثورة، والإستراتيجيات التي ينبغي أن ينتهجها الثوار لكي يفلحوا في مسعاهم. فقدَّم أصولا سياسية واجتماعية وثقافية ثمينة حقا، منها ما يتعلق بوضوح الغاية واستبانة السبيل، ومنها ما يتعلق بنضج الثقافة الثورية وإنضاجها في المجتمع، ومنها ما يتناول العامل الخارجي وأثره على مسار الثورات. وهي أصول جديرة أن يتأملها الثوار العرب اليوم في بلاد الشام وغيرها.


يقول الكواكبي في نص جامع لشروط نجاح الثورات:
"يجب قبل مقاومة الاستبداد، تهيئة ماذا يستبدل به الاستبداد... إن معرفة الغاية شرط طبيعي للإقدام على كل عمل، كما أن معرفة الغاية لا تفيد شيئا إذا جُهل الطريق الموصل إليها. والمعرفة الإجمالية في هذا الباب لا تكفي مطلقا، بل لا بد من تعيين المطلب والخطة تعيينا واضحا موافقا لرأي الكل، أو الأكثرية التي هي فوق الثلاثة أرباع عددا، أو قوة بأس، وإلا فلا يتم الأمر. حيث إذا كانت الغاية مبهمة نوعا، يكون الإقدام ناقصا نوعا. وإذا كانت مجهولة بالكلِّية عند قسم من الناس أو مخالفة لرأيهم، فهؤلاء ينضمون إلى المستبد، فتكون فتنة شعواء. وإذا كانوا يبلغون مقدار الثلث فقط، تكون حينئذ الغلبة في جانب المستبد.


ثم إذا كانت الغاية مبهمة ولم يكن السير في سبيل معروف، ويوشك أن يقع الخلاف في أثناء الطريق، فيفسد العمل أيضا وينقلب إلى انتقام وفتن. ولذلك يجب تعيين الغاية بصراحة، وإخلاص وإشهارها بين الكافة، والسعي في إقناعهم، واستحصال رضائهم بها ما أمكن ذلك، بل الأوْلى حمْل العوام على النداء بها وطلبها من عند أنفسهم." (طبائع الاستبداد، 182-183).


ففي هذا النص الثمين يٌجمل الكواكبي أصول العمل الثورة الناجح في ثلاثة أصول:
أولا: وضوح الغاية من الثورة في أذهان الثوار، وتهيئة البديل السياسي عن المستبد قبل خوض الثورة ضده، ويقتضي الوضوح النظري حول البديل في الثورات العربية اليوم التوافق على ضرورة الحكم الديمقراطي يضمن الحرية والعدل للجميع. فالخلاف حول الغاية من الثورة، أو حول شكل البديل يضع الثورة على أعتاب الحرب الأهلية العدمية من أول يوم.


ثانيا: التوافق بين الطلائع المفجِّرة للثورة على خطة وإستراتيجية واضحة للفعل الثوري، وهذا ما قصده بــ"تعيين المطلب والخطة تعيينا واضحا موافقا لرأي الكل أو الأكثرية." فالخلاف في الخطط وتضارب الإسترتيجيات مهلكة للثورات، وهو أمرٌ لا يغني عنه الاتفاق على الشعارات والمبادئ العامة.


ثالثا: نشر الوعي بين جماهير الشعب بفضائل الثورة ومساوئ الاستبداد. فلا يكفي توافق النخب السياسية على ضرورة الثورة واعتبارها واجبا أخلاقيا، بل لا بد من إشهار ذلك وبثه في جماهير الشعب، وإقناع عامة الناس به. فالجماهير هي وقود الثورات، وهي حصن المستبد في الوقت ذاته، ومن يكسبها إلى صفه هو الذي يكسب المعركة في نهاية المطاف.


ويرتب الكواكبي في نص آخر من كتابه هذه الشروط الثلاثة ترتيبا تصاعديا، يبدأ ببناء الوعي العام من خلال "تنبيه حِسِّ الأمة بآلام الاستبداد"، ويمر بالبناء النظري للنظام السياسي البديل عبر "البحث في القواعد الأساسية للسياسة المناسبة". وحينما تثمر هاتان المرحلتان "ظهور التلهف الحقيقي على نوال الحرية في الطبقات العليا، والتمنِّي في الطبقات السفلى"، فتلك علامة النضج، والدليل على أن المجتمع أصبح في حالة ثورية. وحينها تبدأ المرحلة الثالثة، وهي "المقاومة والمغالبة"، أي مرحلة الفعل الثوري العملي لإسقاط المستبد.


ولا يمل الكواكبي من التأكيد والتشديد على أهمية الأفكار للثوار، وعلى أن الثورات في مسيس الحاجة إلى أفكار واضحة تكون حاديَها ودليلها. وهو لا يقبل الارتجال والاستعجال في مسألة التحضير الفكري والأخلاقي والنفسي للثورة، وبناء القاعدة النظرية الصلبة لها. فهذا الوضوح النظري قد يستغرق زمنا طويلا، ومشاركة عريضة من نخب الأمة وجماهيرها، ولا تكفي فيه "فكرة ساعات أو فطنة آحاد" بل هو يحتاج إنضاجا هادئا "والأوْلى أن يبقى ذلك تحت مَخْض العقول سنين، بل عشرات السنين حتى ينضج تماما" حسب تعبير الكواكبي.


يقول الكواكبي شارحا هذه المراحل الثلاث:
"والمراد أن من الضروري تقرير شكل الحكومة التي يراد ويمكن أن يستبدل بها الاستبداد، وليس هذا بالأمر الهيِّن الذي تكفيه فكرة ساعات، أو فطنة آحاد، وليس هو بأسهل من ترتيب المقاومة والمغالبة. وهذا الاستعداد الفكري النظري لا يجوز أن يكون مقصورا على الخواص، بل لا بد من تعميمه وعلى حساب الإمكان ليكون بعيدا عن الغايات ومعضودا بقبول الرأي العام. وخلاصة البحث أنه يلزم أولا تنبيه حس الأمة بآلام الاستبداد، ثم يلزم حملها على البحث في القواعد الأساسية للسياسة المناسبة لها، بحيث يشغل ذلك أفكار كل طبقاتها، والأوْلى أن يبقى ذلك تحت مخض العقول سنين، بل عشرات السنين حتى ينضج تماما، وحتى يحصل ظهور التلهف الحقيقي على نوال الحرية في الطبقات العليا، والتمني في الطبقات السفلى." (طبائع لاستبداد، 183-184).


وفي نص آخر ثمين من نصوصه ذات الصلة بالفعل الثوري، يحذر الكواكبي الثوار من إيقاظ المستبد على خطرهم عليه قبل أن تنضج ظروف الثورة، فالثورة السابقة لأوانها ذات أثر عكسي في الغالب. يقول الكواكبي: "الحذر كل الحذر من أن يشعر المستبد بالخطر، فيأخذ بالتحذر الشديد، والتنكيل بالمجاهدين، فيكثر الضجيج، فيزيغ المستبد ويتكالب" (ص 184).


كما ينبه الكواكبي إلى مخاطر وجود "طامع أجنبي" يغتنم فرصة الفوضى المصاحبة لكل الثورات، ويتخذها ذريعة لاحتلال البلاد واستعباد أهلها. فإذا بدأت الثورة في ظروف طمع أجنبي في الأمة، وضعف حصانتها الداخلية، وهشاشة دفاعاتها الذاتية، فيمكن "أن تغتنم الفرصة دولة أخرى فتستولي على البلاد، وتُجدِّد الأسْر على العباد بقليل من التعب، فتدخل الأمة في دور آخر من الرِّق المنحوس، وهذا نصيب أكثر الأمم الشرقية في القرون الأخيرة." (ص 184).


فالحالة الثورية المثلى في تحليل الكواكبي تتألف من أمرين: نضج الظروف الذاتية في الأمة، وعدم وجود طامع أجنبي يغتال الثورة ويقتحم قلب الأمة وهي في حالة شقاق واقتتال. فإذا تحقق الشرطان معا، أصبح المستبد مرغما على الإذعان: إما بالخضوع لمنطق الإصلاح الوقائي، وهو الأخصر طريقا والأرخص ثمنا على الحكام والمحكومين والشعوب والأوطان، وإما بمواجهة الزوال على أيدي شعب أبيِّ رافض لحياة العبودية، مُصرٍّ على أن يحيا "حياة حقيقة كاملة". يقول الكواكبي:
فحين "يساعد الحظ على عدم وجود طامع أجنبي، وتكون الأمة قد تأهَّلت للقيام بأن تحكم نفسها بنفسها... يمكن لعقلاء الأمة أن يكلفوا المستبد ذاته لترك أصول الاستبداد، واتباع القانون الأساسي الذي تطلبه الأمة.


والمستبد الخائر القوَى لا يسَعه عند ذلك إلا الإجابة طوعا، وهذا أفضل ما يصادِف. وإن أصر المستبد على القوة، قضوا بالزوال على دولته، وأصبح كل منهم راعيا، وكل منهم مسؤولا عن رعيته، وأضحوا آمنين، لا يطمع فيهم طامع، ولا يُغلبون عن قلة، كما هو شأن كل الأمم التي تحيا حياة كاملة حقيقية." (ص، 184).


رحم الله الكواكبي.. فكم ترك لنا من حكمة سياسية لا يبْلَى جديدُها. لكأنما يتحدث عن الربيع العربي قبل أكثر من مائة عام!


 


عودة للصفحة الرئيسية