هكذا اعترف رئيس غانا بهزيمته في الانتخابات الاناضول: موريتانيا ستسلم مدارس برج العلم لوقف المعارف التركي موريتانيا تقيم علاقات دبلوماسية‎ مع الفاتيكان جامي يرفض نتيجة الانتخابات وغامبيا على مفترق طرق مجموعة احمد سالك ولد ابوه تنظم اُمسية احياء للمولد النبوي الشريف (تقرير مصور) تعيين مستشار للرئيس .. مقدمة للتغييرات المنتظرة؟ فوز زعيم المعارضة في غانا بانتخابات الرئاسة توضيح من "البث الإذاعي والتلفزي الموريتاني" تعيين مثقف وإعلامي بارز في رئاسة الجمهورية دولة عربية تعيش على تأجير القواعد العسكرية

تصويب بشأن الجدل الدائر حول النشيد الوطني

الأحد 16-10-2016| 14:16

الإعلامي والمؤرخ الحسين بن محنض


تداولت بعض الكتابات الأخيرة معلومات تفيد بأن العلامة السني المجدد الشيخ بابه بن الشيخ سيديا نظم قطعته "كن للإله ناصرا وأنكر المناكرا"، التي أصبحت فيما بعد تمثل النشيد الوطني للجمهورية الإسلامية الموريتانية، لثني أخيه الأصغر الشيخ سيدي المختار عن الطريقة التجانية، وبأن التجانيين سعوا مؤخرا إلى تغيير هذا النشيد منذ أن اطلعوا على هذه المعلومات. كتب الباحث المطلع الأستاذ سيدي أعمر بن شيخنا -نقلا عن مصادره- طرفا من ذلك، كما كتبه آخرون غيره، أقدمهم أورده في تأليف له وقفت عليه قبل سنوات عديدة -قبل ما كتب الأستاذ سيدي أعمر بفترة طويلة- ناسبا إلى الشيخ بابه بأنه كان يرد بهذه القطعة، وقطعته الأخرى الشهيرة "آمن أخي واستقم ونهج أحمد التزم" على الطريقة التجانية.
وإسهاما مني في تبيين الصواب حول هذا الموضوع الهام، المتعلق بأسرة أعتز بالانتماء إليها، وأسرة أتشرف بالذب عنها، وإنصافا للحقيقة أقول:
- ليس صحيحا إطلاقا أن الشيخ بابه بن الشيخ سيديا نظم قطعة "كن للإله ناصرا" وقطعة "آمن أخي واستقم" ردا على الطريقة التجانية. ولعل المصادر التي نقل عنها الأستاذ سيدي أعمر وإن تعددت، والمصادر التي نقل عنها غيره هذه القصة استقت معلوماتها من مصدر واحد ليس لديه بالتأكيد في ذلك أي سند صحيح متصل. ولعل الأمر تخمين منه لما رأى في هاتين القطعتين من الحض على السنة وإنكار المنكر، فتصور أن الموضوع يتعلق بانتقاد أملته طبيعة منهج الشيخ بابه السلفي على المنهج التجاني الصوفي، وتصور أن "أخي" المذكور في مطلع قطعة "آمن أخي واستقم" هو خطاب من الشيخ بابه لأخيه الشيخ سيدي المختار. وهو تخمين بعيد من الواقع، فسلفية الشيخ بابه كانت رحبة لم تكن أبدا متعارضة مع التصوف الذي هو أحد أعلامه، ولا مع الطريقة التجانية التي كان شيخها البارز في المنطقة في عصره الشيخ محمد فال (اباه) بن فريد الزمان بابه بن أحمد بيبه العلوي أحد أكبر أصدقائه، فكان الشيخ بابه يجله ويحتفي به، ويتباحث معه، وينقل عنه، ويصفه كما كتب في بعض تآليفه بـ"الأديب العالم الثقة المحقق التقي"، ولم تزل العلاقة بينهما وطيدة إلى أن توفي الشيخ بابه. وكان من أثر هذه العلاقة، وأثر قوتها أن طلب خليفة الشيخ بابه وابنه محمد من الشيخ محمد فال أن يكمل تأليف الشيخ بابه في تاريخ الصحراء البيضانية الذي توفي بعدما ألف منه تاريخ إمارتي إيدوعيش ومشظوف، فألف الشيخ محمد فال لذلك كتابه المشهور باسم التكملة في تاريخ إمارتي الترارزة والبراكنة. وهذا ليس غريبا منهما، إذ أن سلفية الشيخ بابه كانت ذات مفهوم واسع، يستوعب الصوفية والمذهبية، وإن كانت تحوطهما بسياج من اتباع السنة والاقتداء بالسلف الصالح، وصوفية الشيخ محمد فال كانت نقية لا تخرج عن السنة ومذهب السلف.
- ليس صحيحا أن الشيخ بابه نظم هاتين القطعتين نصحا لأخيه الشيخ سيدي المختار وتحذيرا له من الطريقة التجانية، فهو ليس أكبر من أخيه الشيخ سيدي المختار إلا بأشهر لا تصل إلى السنة، وقد عاشا وترعرعا وشبا وتربيا معا نفس التربية الروحية والعلمية، وتخرجا شيخين كاملين، وهما يافعان، فلم يكن أحدهما محتاجا إلى تربية جديدة، حتى تشرئب عنقه إلى طريقة أخرى، إذ الطرق وإن اختلفت مسمياتها صادرة عن حقيقة واحدة، فلا يتنقل عن إحداها إلى الأخرى إلا السالك لا الواصل الذي عرف ولزم. وعلاقة الشيخ بابه والشيخ سيدي المختار الطيبة بالحضرات الصوفية المختلفة عموما، والتجانية منها خصوصا تكذب ذلك، لا سيما حضرة الشيخ محمد فال بن باب بن أحمد بيبه القريبة منهما، والتي ورثا العلاقات معها عن سلفيهما الشيخ بابه بن أحمد بيبه والشيخ سيديا بن المختار بن الهيبة.
- ليس صحيحا أن التجانيين لما اطلعوا مؤخرا على أن النشيد الوطني كان موجها ضدهم أخذوا في العمل على تغييره، إذ كل تآليف الشيخ بابه وأشعاره عندهم يحفظونها ويتداولونها في مكتباتهم، مناولة من الشيخ بابه نفسه لصاحبه الشيخ محمد فال بن بابه، أو إرسالا إليه، أو حصولا عليها من القادمين من عنده، وهم أعلم الناس بهاتين القطعتين وملابساتهما، فلم يكونوا ليلتفتوا إلى روايات استجدت أمس وبنيت على تخمين خطأ، مهما بلغت. ولو أنهما كانتا موجهتين للتجانيين لم يخف ذلك أكثر من ثمانين سنة، ولم يعدم مجيبا أو ساخطا أو معارضا منهم، فعلم بالضرورة أن التخمين الذي بني عليه هذا الأمر غير صحيح.
- السياق الصحيح لهاتين القطعتين كان دعوة الشيخ بابه الإصلاحية الشاملة إلى كسر الجمود المذهبي الذي كان سائدا في عصره، ومناداته بالعمل بما صح من السنة، وما ثبت عن السلف الصالح اعتقادا وتطبيقا. وهي الدعوة التي جوبهت برفض شديد من قبل طيف كبير من الفقهاء المتمسكين بما اشتهر في المذهب، الذين اعتبروا بأن الدين أصيب بآفات جراء خروج الشيخ بابه -وهو من هو- عن جادة مشهور المذهب. وأدى ذلك إلى جدل واسع قاد إلى تأليف الشيخ بابه لكتابه الجليل "إرشاد المقلدين عند اختلاف المجتهدين"، الذي بين فيه وجوب الرجوع إلى الكتاب والسنة عند التنازع، والتحذير، من التعصب للمذهب، وجواز العدول عن القول الضعيف في المذهب إلى غيره. وقد خاطب العلامة الشاعر أبو مدين بن الشيخ أحمد بن اسليمان الديماني في تقريظه لهذا الكتاب الفقهاء المنكرين على الشيخ بابه بقوله:
"يا منكرين دعوا هذا التهور أو بمثل ما قال في أنقاله فاتوا
فالكتب بالباب والأنفاس حاضرة وذا اليراع وهاتيك البطاقات
لا تعبأوا بسوى هذا فدينكمُ في زعمكم قد أتته اليوم آفات
وقدموه على كل الأمور فلم يخش العصا من أظلته الحسامات
إن كان عندكمُ ما تدفعون به نقلا فقد حان منه اليوم ميقات
أو لم يكن عندكم علم فحظكمُ من المجالس إنصاف وإنصات".
وفي هذا السياق قال الشيخ بابه قطعتيه المذكورتين، دون أي تخصيص لهما بفرد أو مجموعة معينة. ولم تزل هاتان القطعتان موضع تقدير وترحيب عام من طرف جميع طوائف المسلمين في هذه البلاد أيا كانت مشاربهم، نظرا لصدق محتواهما وجودة سبكهما، وشمولية طرحهماس، وصلاحيتهما لكل زمان ومكان.


 


عودة للصفحة الرئيسية