دولة عربية تعيش على تأجير القواعد العسكرية مساع لتنشيط العلاقات السنغالية الموريتانية تازيازت توزع قيمة 90 مليون أوقية من المعدات الطبية الرئيس الغامبي المنتخب يستقبل ممثلين عن الجالية الموريتانية هل أزعج ميناء انجاكو بعض دول الجوار؟ نتائج اجتماع مجلس الوزراء شهادة مجانية من أفضل معاهد العالم.. كيف يمكنك الحصول عليها عن بعد؟ بيان تضامني مع قناة المرابطون السعودية تكشف إجمالي وارداتها وصادراتها من موريتانيا الكاف يستبعد 11 دولة من بطولاته من بينها موريتانيا

من رسائل خطاب التنحية

الأحد 23-10-2016| 19:00

السالك ولد عبد الله ـ كاتب صحفي

كان أهم ما استوقفني في خطاب الرئيس محمد ولد عبد العزيز لدى إشرافه على اختتام جلسات ما عرف بـ"الحوار الوطني الشامل" هو تصريحه بأنه لا يخجل من القيام بتغيير الدستور بما يخدم مصلحته الشخصية؛ مبينا ـ في هذا السياق ـ أن الدليل على ذلك هو كونه ألغى الدستور من قبل "عبر الانقلابات". وهو ما أجد فيه نوعا من عدم الانسجام مع تصريحات له ـ في مناسبات سابقة ـ اعتبر فيها أن تلك التغييرات غير الدستورية أملتها "المصلحة العليا للبلد"...!
ثم يعلل عدم رغبته اليوم في تعديل الدستور للتمكن من الترشح مجددا للرئاسة (الأمر الذي قال إنه لا يخدم سوى مصلحته الشخصية) بحرصه على ذات المصلحة العليا للبلد...!
ثاني فقرة استوقفتني في الخطاب، من حيث الأهمية، تمثلت في لغة الوعيد التي خاطب بها المعارضة المقاطعة للحوار (تلميحا بما يشبه التصريح) في حال إقدامها على أي تحرك من شأنه "زعزعة أمن واستقرار البلد"؛ مؤكدا أن الحكومة والنظام سيتصديان بكل حزم لتلك التحركات؛ ويتم اتخاذ "أي إجراء لمواجهتها"..! وهو ما فهمت منه ـ شخصيا ـ أن بحوزة الرئيس والسلطات المعنية من المعلومات ما يجعلها تتوقع حراكا قويا لقوى المعارضة الراديكالية، وخاصة المنتدى الذي يعد لمسيرة احتجاجية ضد مشروع الاستفتاء الدستوري المرتقب، ضمن تحركات أخرى تدرجها قوى المعارضة ضمن ما أسمتها "الخطة البديلة".
كانت نبرة الغضب واضحة أثناء معظم فقرات الخطاب؛ حيث أعادت تلك النبرة للأذهان نفس نبرة الحدة التي تميز بها خطاب الرئيس ولد عبد العزيز، قبل نحو خمس سنوات، في مدينة نواذيبو، يوم وصف قادة المعارضة بأنهم "شيوخ عجزة" يحاولون القيام بثورة....! وتجلت تلك الحدة ـ أساسا ـ في حديثه عن عدم رغبته في تغيير المادة 26 من الدستور، وكذا في معرض كلامه عن المعارضة وتحركاتها المناوئة لنتائج الحوار. وارتفعت نبرة تلك الحدة في معرض حديث الرجل عن الترتيبات الدستورية المحددة لسقف سن الترشح؛ حين اعتبر أن لا مجال لتعديل الدستور لمصلحة بعض الأشخاص (المعني الأول بهذه الرسالة هو زعيم المعارضة التاريخي أحمد ولد داداه المقاطع للحوار والخارج بحزبه عن المنتدى الذي ظل على اتصالات تمهيدية مع السلطة قبيل انطلاق ذات الحوار الذي قاطعه في نهاية المطاف؛ إلى جانب رئيس حزب التحالف الشعبي التقدمي، مسعود ولد بلخير، الذي شارك في جلسات الحوار قبل أن يعلق تلك المشاركة في المراحل الاخيرة احتجاجا على ما اعتبره نوعا من "المعاملة غير اللائقة" بحجمه السياسي ووزنه في المشهد الوطني..
بيد أن أهم رسالة تراءت لي من بين سطور خطاب تنحية الرئيس لدعاة المأمورية الثالثة؛ هي تلك التي مؤداها أنه لا وزراء الحكومة ولا قادة الحزب الحاكم ولا برلمانيو الموالاة على دراية بحقيقة ما يجري في الدائرة الضيقة لصنع القرار وتوجيه بوصلة الدولة؛ وإنما للسلطة قاعدتها الخلفية المعنية بشكل مباشر بهذا التوجيه توحي نبرة الوعيد التي اتسم بها حديث الرئيس عن "تصدي النظام بكل حزم" لأي مسعى يستهدف المساس بأمن واستقرار البلد، واتخاذ أي إجراء لمواجهة من قد يقومون بذلك، بأنها المؤسسة العسكرية والأمنية..
ولئن كان الرئيس محمد ولد عبد العزيز قد وجه ضربة سياسية موجعة لمناوئيه في المنتدى والتكتل، بعدما بنوا كامل إستراتيجيتهم للمرحلة القادمة على أساس أن خيار المأنورية الثالثة بات أمرا واقع؛ بإعلانه الصريح عن عدم سعيه لأي تغيير في مواد الدستور ذات الصلة بمحدودية المأموريات الرئاسية؛ فإنه ـ في الوقت ذاته ـ أثبت أنه ممسك بزمام المبادرة حتى في أكثر الظروف السياسية تعقيدا؛ إذ أبان عن ثقة لا مراء فيها إزاء قوة شعبيته من جهة؛ وعدم انسياقه وراء ديماغوجية الخطاب الشعبوي الاندفاعي لقادة اغلبيته الرئاسية. وهذا يشكل ـ في حد ذاته ـ دليلا آخر على قدرات الرجل العالية في مجال النزال المحتدم مع ألد خصومه، وكذا مستوى الدهاء الذي يتحلى به في مجال مراوغة مناوئيه السياسيين.. فبعد أن ظل يصر على عدم الكشف ـ صراحة ـ عن حقيقة نواياه بخصوص الالتزام بترتيبات الدستور المتعلقة بعدد المأموريات الرئاسية؛ ردحا من الزمن، تاركا لمعارضيه هامشا واسعا للمناورة والحديث عن غموض موقفه من الموضوع؛ بدأ بالتلميح إلى أن مسألة تغيير الدستور بهدف تمكينه من تجاوز السقف المسموح به لبقائه في السلطة عبر وسيلتي إعلام أجنبيتين، ما دفع قادة المعارضة إلى اعتبار الأمر مجرد مادة دعائية موجهة للاستهلاك الخارجي لا أكثر؛ مطالبين بأن يأتي هذا الإعلان بشكل "أكثر وضوحا" وحسما عبر الإعلام الرسمي المحلي.
وأيا كانت ردود أفعال الطبقة السياسية بقطبيها المعارض والموالي، وما بينهما، فإن الأمر المؤكد اليوم هو أن الغالبية الساحقة من أوساط الرأي العام الموريتاني تشعر بحالة من الارتياح التام، ليس لكون الرجل حسم الجدل المحتدم منذ مدة غير قصيرة بشأن احتمال تغيير الدستور من أجل بقائه في السلطة، فحسب؛ ولا لكونه ألجم أشد خصومه السياسيين راديكالية ورفضا لأي حوار مع نظامه إلا بشروط مسبقة؛ بل لأنه نجح ـ فوق ذلك ـ في إجهاض مناورات بطانته ومحاولات بعض الشخصيات القيادية في حزب السلطة وأغلبيتها لدفعه إلى المجازفة بفتح باب التدخلات الخارجية في الشأن الداخلي لموريتانيا بحجج من قبيل وجود أزمة دستورية وبالتالي محاولة إذكاء صراعات مدمرة ظاهرها الدفاع عن خيارات الموريتانيين وحماية الحريات الديمقراطية؛ وباطنها تحقيق مآرب كالتي تسعى لها قوى ما يعرف بـ "المجتمع الدولي" داخل بلدان إفريقيا والعالم العربي؛ خصوصا وأن بعض القوى السياسية داخل أوساط المعارضة بدأت تنحو منحى نظيراتها في بلدان ما تزال ويلات التدخل الخارجي تعصف بأمنها واستقرارها، وتغرقها في جحيم من الاقتتال والدمار.. وهو ما يرى فيه أغلب الموريتانيين تغليبا للمصلحة العليا للوطن، وحرصا من الرئيس على حماية أمنه وسلامة مواطنيه..!
رسائل يبدو أن بعضا من أطراف المعارضة السياسية المقاطعة للحوار، قد بدأت في فك بعض رموزها، فأعلنت تقبلها لنتائج الحوار الذي لم تشارك فيه وكانت تصفه بأنه مجرد "مناورة عبثية" من النظام.. فهل استوعب الرئيس ـ في المقابل ـ رسالة التهليل والتصفيق الجامحين داخل القاعة المكتظة بالموالاة و"الداعمين" له من حملة لواء "التمديد" والدوس على ضوابط الدستور؟
رسالة أبانت ـ بكل جلاء ـ عن حقيقة هؤلاء حين انفجرت مشاعرهم عفوية وبشكل تلقائي لدى تأكيد الرجل عدم نيته الترشح لمأمورية إضافية.. مؤداها أن لا شعور يضاهي فرحتهم بتركه السلطة؛ وهم من كانوا ـ لغاية لحظة ذاك الإعلان المدوي ـ يعيدون عمليات "إحماء" أكفهم وصقل حناجرهم للتصفيق والهتاف بدعم ونصرة قرار تعديل "مواد الدستور المحصنة"؛ في مشهد تجلت فيه معالم النفاق السياسي في أوضح صورها، وعكس بجلاء صدقية المعلومات التي تواترت طيلة أيام الحوار بشأن وجود أطراف من الموالاة هدفها الأول والأخير إفشال هذا التشاور الوطني الهام؛ وكذا وجاهة المثل الشعبي القائل: "السر تجيبو الغفلة".


 


عودة للصفحة الرئيسية