شباب يفتحون مسمكات في الأحياء الشعبية لبيع السمك بأسعار رمزية أغلبية صامته لشعب يعاني هكذا تحولت إفريقيا إلى ساحة حرب بين الجزائر والمغرب قراءة في رواية "مسافات وأوحال" للروائي محمد ولد گـواد تركيا تشتري طائرة زين العابدين بن علي نداء لتدخل عاجل من أجل حماية المخزون الرعوي رثاء وتـرحم / يحي ولد سيدى المصطف هذا انأ ..من أصداء الميدان ... أتيت ... فانتخبوني النضج الفرنسي والحكمة الغامبية خدمة "واتساب" ستتوقف على هذه الأجهزة الهاتفية في نهاية الشهر

الزراعة: مكافحة الفساد أم مكافأة الفساد؟

البريد الالكترونيgmail.com @beibeyahya

الاثنين 7-11-2016| 21:30

بقلم : يحيى بن بيبه رئيس رابطة التطوير والتنويع الزراعي


ظل القطاع الزراعي منذ أمد ليس بالقريب، مرتعا خصبا لشبكات الفساد ، وميدانا فسيحا ، يخضع لسطوة نفوذ أباطرتها ، مما قلل من العائد الاقتصادي للأموال التي توجه إليه ، برغم أهميته الإستراتجية ، وارتباط أدائه بمستوى الفقر .
وإذا كنا لا ندعي الحق في إصدار أحكام بالإدانة ، ولا القدرة علي تقديم أدلة مسكتة ، كما لا ندعي الإحاطة بملفات الفساد في القطاع ، فان من حق القارئ علينا ، كما أن من واجبنا اتجاه هذا البلد ، أن نقف عند محطات نراها جديرة بالفحص ، أو مثيرة للشبهة علي الأقل .
ولنبدأ بما نعتقد أنه أكثر صفقات الفساد وقاحة ، وإن لم يكن أكبرها قيمة . إنه نهب نحو 2.860.000.000 أوقية من خزينة القرض الزراعي السابق، في عملية واحدة ، خلال السنوات الأخيرة .
ويبدو أن الأمر يتعلق بقروض منحت لشركات وهمية ، لتختفي الشركات مباشرة ، بعد تحويل المبالغ ، ولتختفي معها ملفات القروض لدى المؤسسة المانحة نفسها .
وبضغط من بعض الخيرين داخل مجلس إدارة القرض، شكلت لجنة تحقيق ، تتبعت مسار الأموال في الحسابات ، واستجوبت كل من تعتقد أنه يحتمل أن تكون له علاقة بتلك التحويلات . لكن الجميع أنكر ، ولم يعد لدي مؤسسة القرض وثائق إثبات .
وانتهت اللجنة في تقريرها ، الذي نحتفظ بصورة منه ، إلي أن << الأمر يتعلق ببساطة بعملية احتيال لنهب المال العام >> . لكن لم تتم محاسبة أحد حتى الآن ، بل إن المسار قد لا يخلو من ترقيات بعد ذلك ! ..
وبما أن ديون القرض الزراعي تم إلغاؤها، فقد تم تبييض المبلغ المنهوب ، ليتمتع الناهبون بالحصانة من المطالبة بالتعويض . وهذا ما يجعلنا نخشى أن تكون المكافحة قد تحولت إلي مكافأة .
يحدث هذا في بلد نحو نصف شعبه محروم ، من المياه الصالحة للشرب، بسبب عجز ميزانيات الدولة عن تأمينه . فكم يستطيع هذا المبلغ الضخم ، أن يؤمن من آبار ارتوازية لآدوابة المحرومين ؟ ! وكم يستطيع أن يبني من مدرسة في مثل أدباي كًُلاكًة ، البالغ عدده نحو 1600 شخص ، والذي لم ينه أي طفل منه المرحلة الابتدائية حتى اليوم ، بسبب انعدام البني التحتية المدرسية الملائمة ؟ وأنى لأبناء أدباي كًُلاكًة ، أن يطمعوا بترف التعليم ، وهم لم يعرفوا منذ الاستقلال ، حتى ما قبل أشهر ، إلا مياه السد الآسنة ، التي قضت علي أعداد منهم ، في موجات أمراض متتالية ، لأنها تحتوي علي أربعة مواد ضارة ، تجعلها غير صالحة للاستهلاك الآدمي ، حسب معايير منظمة الصحة العالمية ، طبقا لما أثبته فحص بمختبر وزارة الصحة ، أجري بناء علي طلب منا ؟
أما الملف الثاني ، الذي نراه جديرا بوقفة فاحصة ، فهو ملف حاصدات وجرارات FOTON . فقد تم بموجب صفقة حكومية ، قبل سنوات ، استيراد عشرين حاصدة صينية من نوع FOTON ، مع عشرين جرارا من نفس الماركة ، بتكلفة باهظة بلغت نحو 1.200.000.000 أوقية ، أي بتكلفة 60.000.000 أوقية للحاصدة مع جرارها ، هذا مع العلم بان التكلفة الفعلية للحاصدة مع جرارها من هذه الماركة ، لا تتجاوز نحو 14.000.000 أوقية ،

1
حسب بعض العارفين بالسوق الصينية (استورد مزارع ثلاثا منها مع جراراتها بنحو هذه التكلفة الأخيرة . وقد تعطلت جميع هذه الحاصدات لتخرج من الخدمة في موسمها الثاني ) . وقد كانت هذه الماركة أردأ ما وصل إلي السوق الموريتانية من الحاصدات ، وبدأت أعطالها، التي لا تنتهي من أول حملة تدخل فيها الخدمة، ليتحول هذا السرب المشئوم عند المزارعين، الي جثث متناثرة في أرض شمامة ، برغم أنها آخر دفعة وصلت الي شركة الآليات الحكومية ( اسنات ) .
هذا مع العلم بان أعلي ماركات الحاصدات العالمية، مثل ( انيوهولاند ) ، لا يتجاوز ثمنها مسلمة في السنغال نحو 42.000.000 أوقية. وهي ماركات تتميز بسرعة الحصاد ، وجودته ،مع ندرة الأعطال ، وتستمر في الخدمة نحو ثلاثين عاما .
وكانت من أبرز نتائج صفقة ( FOTON) ، بالإضافة إلي خسارة دافعي الضرائب لمبلغها ، استمرار خسارة نسبة مرتفعة ، من محصول الأرز، بسبب تأخر الحصاد، الناتج عن النقص الحاد في الحاصدات .
ويمكن أن ندرك فداحة الخسارة ، إذا عرفنا أن الاكادمية الأمريكية للعلوم، تقدر نسبة الخسارة خلال عمليات الحصاد في إفريقيا بنحو 36 % ، وأن إنتاج موريتانيا من الأرز الخام، بلغ في السنة الزراعية 2014-2015 نحو 293.000 طن من الأرز الخام ، قيمتها نحو 30.000.000.000 أوقية . فهل هدى الله المفسدين أم افسد المصلحين ؟
ويحتاج ملف صفقة الأسمدة للموسم الزراعي 2011-2012 إلى الإجابة علي حزمة من الأسئلة الوجيهة . فقد حرمت الشركة التي تقدمت بأقل عرض في مناقصة الشراء من الصفقة ، وعهد بها إلي جهات أخرى أعلى تكلفة . وقد وجهت الشركة ( المحرومة ) رسالة احتجاج إلي جهات عليا ، لم تحظ بالتجاوب .
وبرغم استعداد مسئول في الشركة المذكورة ، لتزويدنا بصورة من رسالة الاحتجاج ، إذا راجعنا مكاتبها في انواكشوط ، إلا أننا وجدنا صعوبة في تصديق الأمر ، إلي أن أكده لنا عرضا، الأمين العام لأحد القطاعات المعنية بالأمر .
والأمر الأخطر أن الأسمدة ، التي أدخلت من السنغال عبر روصو ، من ضمن هذه الصفقة ، تمت جمركتها ، بناء علي تعليمات من انواكشوط ، بمبلغ لا يتجاوز 7500 أوقية للطن، علما بان النسبة القانونية للرسوم الجمركية عليها تبلغ 9،24 % من ثمنها ، وأن تكلفة استيرادها تزيد على 240.000 أوقية للطن ( من ضمنها النقل والتخزين .. الخ ) .
يضاف إلي هذا ، أن الأسمدة لم تصل إلا بعد نهاية الحملة الصيفية، مما سبب خسارة كبيرة للمزارعين، وهي الخسارة التي دفعت كاتب المقال إلي رفع قضية في محكمة ولاية اترارزة ، صيف عام 2012 ، باسم رابطة التطوير مطالبا وزارة الزراعة بدفع تعويضات للمزارعين تبلغ ما يقرب من 12.000.000.000 أوقية، تعويضا عن الخسائر التي تكبدوها بسبب تأخر الأسمدة . وقد قبلت المحكمة الدعوى ، وشكلت لجنة للتحقيق فيها . كما استعانت الرابطة بالبرلمان الذي قدم مساءلة ، وأجري مناقشات حول الموضوع .
وآخر الفضائح المرتبطة بهذه الأسمدة ، ما أظهرته نتائج فحص أجراه مزارعون مستقلون ، على عينتين من هذه الأسمدة النتروجينية ( اليوريا ) ، في معهد البحوث الزراعية السنغالي ، حيث أظهر الفحص، أن نسبة النتروجين في إحدى العينتين، لا تتجاوز نحو 14 % ، بينما تبلغ في الثانية نحو 19 % ،بدلا من 46 % التي هي النسبة الصحيحة للنتروجين في اليوريا .
وما زلنا نحتفظ بصورة من نتائج هذا الفحص ، الذي اطلعت عليه الجهات الرسمية ، لكن أي تحقيق لم يجر حوله علي الإطلاق .. !
الملف الرابع ،هو ملف الأرز ، و ما أدراك ما الأرز ؟ إنه أكثر من 50.000 طن من الأرز نصف المقشر، الذي تسلمته سونمكس، من أصحاب المصانع ، بتكلفة تبلغ نحو 10.000.000.000 أوقية ، و دفعت ببعضه إلى دكاكين أمل، في أكبر حملة لتشويه المحصول الوطني ، بينما ما يزال أغلبه حتى الآن ، مكدسا في مخازن سونمكس ،حيث لا تستطيع الحكومة أن تقدمه حتى للحيوانات ، قبل التأكد من أنه آمن عليها . هذا مع العلم بأن الاتفاق الذي تركت لسونمكس أمانة تطبيقه ،ينص على ألا تستلم من أصحاب المصانع، إلا أرزا مقشرا بطريقة ممتازة . و مع ذلك فإن هذه الجريمة الاقتصادية، التي ارتكبت بحق هذا المحصول الوطني الاستراتجي ، وأدت إلي رفع الحكومة يدها عن شرائه ، مرت بردا وسلاما علي مرتكبيها ، دون أي تحقيق أو مساءلة .
وقد ترتب علي رفع الحكومة يدها عن شراء المحصول الوطني، انهيار الإنتاج المحلي إلي نحو ثلث ما كان عليه قبل عام واحد .
وما كشفته الأحداث الأخيرة من مستوى الفساد في سونمكس ، يدفعنا إلي التساؤل عما إذا كان الحريق الذي اندلع في مخازن هذا الأرز قبل أشهر ، متعمدا لإخفاء نقص في الكميات الموجودة ،يضاف إلي النقص في تقشيره ؟
ومن الملفات المشبوهة، ملف آلاف الهكتارات المستصلحة ،من قبل الدولة، والتي تم استلامها من الشركات المكلفة بها ، من دون أن تكون مطابقة للمواصفات الفنية المطلوبة ، وهو ما دفع بآلاف الأسر الزراعية المستفيدة إلي الإفلاس ، وتراكم الديون ، بسبب الخسارات الناتجة عن العيوب في الإستصلاحات . هذا مع العلم بان الدولة تدفع نحو 2.700.000 أوقية عن استصلاح الهكتار الواحد .
أما ملف التعاونيات الزراعية الوهمية ، التي نهب عن طريقها ما نقدر قيمته بنحو 12.000.000.000 أوقية من الأسمدة المجانية ، فذلك حديث ذو شجون ، تناولناه في حلقة من البرنامج التلفزيوني الذائع الصيت : في الصميم ، وهي منشورة علي صفحتنا علي الفيسبوك ، وما كنا مطيلين المقال بالحديث عنه هنا .
وآخر الملفات المشبوهة ، ملف زراعة القمح، الذي يمثل في نظرنا قنبلة هيدروجنية ، طالما توقعنا انفجارها علي مصنعيها . ذلك أن القمح جرت زراعته ، علي مدى سنوات ، بطريقة خاطئة ، لا يمكن أن تأتي بنتائج تذكر . فهو يزرع بنظام الري بالغمر ، أسوإ أنظمة الري، وأقدمها علي الإطلاق ، وهو نظام لا يصلح لمحاصيل الحبوب ، في أرض غير مسواة بالليزر ، باستثناء الأرز . كما انه يبذر نثرا باليد ، بدل استخدام البذارات الآلية .
ولم تفلح جهود كبيرة ، قمنا بها ، في حمل الوزارة علي تعديل هذا المسار ، فأدركنا قيمة مقولة الأحنف بن قيس : << من البلاء أن يكون الرأي لمن يملكه، لا لمن يبصره .>> .
وكانت النتيجة في العام الأول ، الحصول علي نتائج هزيلة ، جعلت المزارعين يعزفون عن زراعته في الأعوام التالية ، ما عدا أفرادا قلائل، ترتبط مصالحهم بمجاملة الوزارة ، خاصة أن المدخلات الزراعية تصرف مجانا . وبدلا من تعديل المسار ، جرى التغطية علي الأخطاء بإنفاق المزيد من أموال دافعي الضرائب ، واللجوء إلي زراعة الكذب ، عن طريق توزيع كميات كبيرة من البذور والأسمدة المجانية ، لزراعة مساحات وهمية . وينتهي الموسم بالحديث عن إنتاج آلاف الأطنان من القمح ، حتى وصلت بورصة الكذب إلي القول إننا ننتج 9،4 % من احتياجات البلاد من القمح .. ! كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا .
ولعلك ، عزيزي القارئ ، أدركت الآن، جانبا من الأسباب التي تجعل القطاع الزراعي لا يساهم إلا بقدر محدود، في تأمين احتياجات البلاد الغذائية ، حيث نقدر ما تستورده موريتانيا ، من المواد الغذائية ( بما فيها السكر والزيوت ) بما يعادل ثلث ميزانيتها السنوية .
فهل هذا النزيف النقدي في الواردات طريقة حكيمة لتنمية البلاد ؟ أم علي قلوب أقفالها ؟
وإلى أي محطة توصلنا هذه الطريق التنموية الموحشة ، التي تسلكها بنا صفوتنا ؟
نسأل الله ألا تكون محطة الصومال ولا مالي ... ! وليحفظ الله مجتمعنا ، فإنها لا تعمى الأبصار ، ولكن تعمي القلوب التي في الصدور . 
اللهم إنا لا نسألك رد القضاء، ولكنا نسألك اللطف فيه .


 


عودة للصفحة الرئيسية