ثلاثة مواويل في ذكرى حبيب

3. حين عطلوا القلم في ذكرى حبيب

الاثنين 14-11-2016| 15:00

بقلم الأستاذ محمدٌ ولد إشدو

... وتعود ذكرى حبيب، فيبكيه بعض من عرفوه ويتذَكَّروه "بأحرف فرنسية" في حفل باهت لا يناسب مقامه الكريم؛ ويروي بعضٌ ذكرياتٍ ما عنه.. وينساه ويتناساه آخرون.. ولا يقتفي أثره منهم أحد!
​من المؤبنين من حط من قدره الوطني فأنزله منازل "المناضلين الحقوقيين" (وهو أعلم بأنهم نخاسون من الطراز الأول، إلا من رحم ربك) ومنهم من أقسم على مواصلة كفاحه.. وقد حنث.
وما لم يدركوه جميعا هو أن حبيبا لا يمكن التعبير عنه بغير لغته، ولا تلخيصه أو حشره في اتجاه واحد؛ ومن المستحيل نسيانه أو تناسيه!
​وحده الفقيد اللامع محمد سعيد ولد همدي رحمه الله حاول بلوغ كنهه فقال: "كان حبيب بيظانيا يكتب الفرنسية بسليقة لغته العربية الأم. كانت نصوصه تقرأ في ثلاثة أبعاد: البعد الظاهر، وبعد التورية، وبعد الحوار الإگيدي المشفر... كان واحدا من متصوفة الإعلام، واحدا من بابواته، واحدا من شذي زهره، إنه يمتلك ريشة (وأية ريشة!) يستخدمها ويستغلها تماما كما تفعل المطربة فيروز بحنجرتها".
​صدق سعيد.. ولكن متى يكف الفلاسفة والكتاب عن وصف العالم، ويشرعون في تغييره؟

* * *
​متى ينفر المخلفون من الأعراب ويكفون عن البكاء؟:
​" ماميتو لا يبكي! بل ينتصب شامخا كالقلم!
​فتعلموا من ماميتو يا من تؤبنون حبيبا..
​لا تبكوا حبيبا.. بل تعلموا منه:
​تعلموا منه أن تتعلموا
​جردوا أقلامكم كما جرد قلمه في وجه الهمجية
​اعملوا شيئا، أي شيء، من أجل شعبه وأرضه
​ساهموا، كل على قدره، في خلق شروط نهضة ترفعنا، ولو إلى أدنى حد من الإنسانية
​بذلك توفونه قدره، وتجعلون موته حياة، وذكراه بداية ميلاد "الثقافة" هنا".

* * *
​في زمن حبيب كانت الهمجية بجميع أشكالها وألوانها البشعة: الاستبداد، والفساد، والقمع، والاضطهاد.. التصفية العرقية، والتسفير، ونهب الممتلكات، والسجون، والمنافي، والمادة 11، والمادة 104 سيئتا الذكر ..إلخ. ومع ذلك، لم يستسلم حبيب أو ينكص، بل ظل هو و"قلمـ"ـه وطاقمه في طليعة الزحف؛ حاملين رسالة وأصحاب قضية، متبتلين في محراب القناعة والعفاف، مرابطين في خندق النضال من أجل حرية وعزة الوطن ووحدة وكرامة الأمة.. حتى انتصرنا في انتفاضة أغسطس المجيدة!
​واليوم وقد أصبحت موريتانيا ترفل نسبيا في حلل الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وعاد الأمن وهزم الإرهاب، وتمت تسوية الإرث الإنساني، ورجع المشردون، وجرم الرق، ووفر الماء والكهرباء والتعليم والعلاج لأكبر عدد من الشعب الذي كان مقهورا ومهدورا، وقضي على الكبات ووزعت الأرض على الفقراء، وزرعت الطرق والبنى التحتية في كل مكان، وتم إصلاح الصيد والزراعة والمالية، وكرست السيادة الوطنية ببناء جيش قوي وامتلاك حرية القرار واكتساح الجرافات الموريتانية للوكر الصهيوني الآثم الجاثم على هوى الموريتانيين.. الخ، فلماذا لا تكون أقلام جيل حبيب في طليعة هذا الزحف تقاتل عنه أسوة بحبيب؟
سألت أحد أرباب "القلم" ما ذا يميز هذه الذكرى؟ فقال: يميزها أن لا شيء فينا يشبه حبيبا رغم اختلاف الفترتين!
فلماذا؟ ألأن الوطن والشعب هانا على ذلك الجيل، فقايضهما بمسخ ديمقراطي زائف كرس عودة ما ناضل ضده عقودا من الزمن؟
​قد أتفهم أن لا يكون جيل حبيب في طليعة معركة ترسيخ وتوطيد الحرية والإصلاح والبناء لسبب أو لآخر، ولكن ما لم أفهمه - ولن أفهمه أبدا- هو أن يكون ذلك الجيل ظهيرا لـ "الأحزاب"!
* * *
​نبأ لا بد أن أزفه أخيرا إلى حبيب فيفرح به: لقد أُمهرت المذرذرة - كغيرها من عواصم المقاطعات- بطريق معبد (گدروه) قادم من تگند، وسيربطها قريبا باركيز.. وولى عهد "طريق الوفاء" و"طينوه" وما يمت إليه بصلة إلى غير رجعة!
​تحية إلى روح حبيب الطاهرة، وإلى زوجته الفاضلة وكريمتيه، وإلى وطنه الحبيب المنتصر دائما بإذن الله!


 


عودة للصفحة الرئيسية