مجموعة احمد سالك ولد ابوه تنظم اُمسية احياء للمولد النبوي الشريف (تقرير مصور) تعيين مستشار للرئيس .. مقدمة للتغييرات المنتظرة؟ فوز زعيم المعارضة في غانا بانتخابات الرئاسة توضيح من "البث الإذاعي والتلفزي الموريتاني" تعيين مثقف وإعلامي بارز في رئاسة الجمهورية دولة عربية تعيش على تأجير القواعد العسكرية مساع لتنشيط العلاقات السنغالية الموريتانية تازيازت توزع قيمة 90 مليون أوقية من المعدات الطبية الرئيس الغامبي المنتخب يستقبل ممثلين عن الجالية الموريتانية هل أزعج ميناء انجاكو بعض دول الجوار؟

لكي لا "يستعبطنا" أحد!

الجمعة 18-11-2016| 17:20

محمدو ولد البخاري عابدين


لمن لم يسمع هذه العبارة من قبل، فهي تعبير دارجي مصري مشتق من المفردة الفصيحة "عبيط" وهو اللحم غير الناضج أو الرجل الأهبل.. و "يستعبطك" من يعتبرك عبيطا، أي أهبل قاصر العقل والإدراك وتُمكن "الخزعبلة" على إدراكك وعقلك وتفكيرك وتحليلك وفهمك لما يجري من حولك، لتكون مجرد متلق متقبل لما يحاك ضد ذاكرتك.


منذ أن بدأ الحديث عن تعديل العلم والنشيد الوطنيين، والحملة مستعرة ضد هذه الفكرة من جهات استخدمت في ذلك كل الأسلحة ( البيضاء، والتقليدية، والنووية، والجرثومية.. ) محاولة منها للوقوف دون ذلك التعديل بتسويق مبررات تاريخية تارة، وثقافية تارة وسياسية تارات أخرى لجعل هذه الرموز خلف قلاع محصنة لا يجوز الاقتراب منها، حتى أنه طلب " المدد " في الحرب على هذه الفكرة من الاحتياطي الديني والروحي ليصبح اللون الأخضر لونا للإسلام، وإدخال لون آخر عليه رد بإحداث في أمر الدين ما ليس منه، وإدخال أبيات لكلمات النشيد إعلان للعلمانية والإلحاد!!


أحد جوانب حملة " استعباط " واستغباء الناس هذه كانت إخراج فكرة تعديل العلم والنشيد الوطنيين من مجرد إضافة لمسة وطنية عليهما، إلى كونها تعطش من النظام لأمجاد أفتقد مقوماتها ويريد طمس أمجاد وآثار من سبقوه، وبناء أمجاد له من خلال تغيير رموز الدولة التي هي أمجاد وآثار لألئك السابقين المؤسسين.. وأنا أرتب أفكار هذا الكلام، أطلق رئيس الجمهورية من حاضرة الرشيد التاريخية صفارة النداء بحتمية إعادة كتابة تاريخ البلاد بموضوعية وإنصاف، إنزالا لمن دفعوا أرواحهم فداء لأرضهم وعرضهم اللذيْن ليسا سوى جزء من أرض وعرض الوطن، إنزالهم منزلتهم المستحقة، والأكيد أن هؤلاء قاوموا واستبسلوا واستشهدوا قبل خروج الرئيس للوجود.. فكيف يطمس أمجاد وآثار الآخرين، ويُنشد الأمجاد لنفسه دون غيره من يستذكر ويُحي أمجاد من سبقت أمجادهم وتضحياتهم خروجه للوجود؟!


لا مزايدة كذلك على الحكم القائم بموريتانيا اليوم ورئيسه محمد ولد عبد العزيز في إعادة الاعتبار لحقبة تأسيس الجمهورية الإسلامية الموريتانية ولرموز تلك الحقبة، ومن حسن الحظ أن ما سنقدمه على ذلك من أدلة شهوده حاضرون وشواهده قائمة. ولا أحد، حتى ممن يحملهم الموقف السياسي على كتم الشهادة، يستطيع أن ينكر أنه منذ الإطاحة بنظام الرئيس الراحل المختار ولد داداه رحمه الله، ضُرب حصار إعلامي وسياسي على كل ما يتعلق بحقبة الاستقلال وما تلاها، وأن آخر عهد لنا بالحديث عن تلك الحقبة أو تناولها علنا كان يوم 10 يوليو 1978، وأن أول مرة نسمع ونشاهد فيها خطاب الرئيس المختار ولد داداه لإعلان الاستقلال في وسائل الإعلام الرسمية كان في الذكرى الخامسة والأربعين لعيد الاستقلال الوطني سنة 2005، أي أربعة أشهر بعد إزاحة النظام الذي كان قائما كامتداد لما بعد العاشر من يوليو 1978، ومنذ ذلك التاريخ وإلى اليوم أصحبت ذكرى عيد الاستقلال شهرا كاملا من العودة، إعلاميا، إلى تلك الحقبة ورموزها وأحداثها، فسمعنا وشاهدنا لأول مرة مقابلات مع رجال ونساء التأسيس من سياسيين ومناضلين، واطلعنا على برامج وثائقية عن كل مراحل إعلان الاستقلال، وعن وضع الحجر الأساس لمنشآت الدولة إبان التأسيس..


وصل الرئيس محمد ولد عبد العزيز إلى سدة الحكم سنة 2008، وكان أول ما قام به في ذكرى عيد الاستقلال سنة وصوله للحكم، هو تسمية أكبر شارع بأرقى أحياء العاصمة باسم الرئيس المختار ولد داداه، ثم استدعاء أرملته في القصر الرئاسي وتسليمها مكتب زوجها الرئيس كخطوة بالغة الدلالة اعترافا بمكانته، وتم دعم هيئتها التي تحمل اسمه وتسعى إلى تخليد ذكره.. ومعروف كذلك أين كان أفراد أسرة الرئيس المختار ومقربيه قبل هذا الحكم، ومعروفة اليوم مكانتهم في الوظائف السامية للدولة. فأين هي أمارات أو تجليات طمس آثار وأمجاد وذكر المؤسسين، ولماذا لم يتم الانتباه لذلك والحديث عنه إلا عندما أصبحت حججه داحضة وقوله مردود؟!


نفس الحصار والتعتيم الذي كان مضروبا على حقبة التأسيس ورموزها كان أيضا مضروبا على حقبة المقاومة ورموزها، لا فرق في ذلك سوى أن الحصار على حقبة التأسيس ورموزها بدأ مع الإطاحة بنظام تلك الحقبة سنة 1978، والحصار على حقبة المقاومة ورموزها بدأ منذ الاستقلال واستمر لغاية سنة 2005، وما كنت أتصور أن ذلك الحصار كان ممنهجا قبل أن أسمع من فم الشاعر " كابر هاشم " قبل أيام قوله في برنامج أدبي مع الأديب " النامي ولد اتقانه " إنه تمت مصادرة حلقات من برنامج كان يقدمه في عهد سابق لأنه ذكر في تلك الحلقات رموز المقاومة الوطنية!


ومعروف تجاهل الحقب الماضية للمقاومة وتهميش رموزها، ومشهورة قصة المجاهد " أحمد ولد أبوه " رحمه الله أيام تخطيط حي " كارافور " مع الحاكم الذي انتزع منه قطعة أرضية فطعنه بسكين في الفك، فهذا الرجل كان من رجال معركة " أم التونسي " وتوفي بعد ذلك وآثار رصاص تلك المعركة في كتفه، فقيل له مرة أنت أحد رجال المقاومة فهل كرمتك الدولة يوما؟ فقال نعم كرمتني، فقد أرسلت لي حاكما ظالما انتزع مني قطعة أرضية تسكنها بناتي..! ومعروفة المكانة التي تتبوؤها المقاومة الوطنية اليوم من خلال رفع الحظر عن الخوض في تاريخها وإبراز وقائعها ومواقعها، و إشراك المهتمين بها، وتكريم من بقي حيا من رجالاتها في مناسبات عديدة، وتخليد معاركها في أسماء لمنشآت كبيرة.. وقد بدأ ذلك مع هذا الحكم في أول أيامه لمن يريد أن " يستعبطنا " أيضا بالقول إن الحديث اليوم عن المقاومة إنما جاء كردة فعل على توتر طارئ في العلاقات مع دولة المستعمر!


إذا كان اللون الأخضر لونا للباس أهل الجنة في الحياة الأخروية، فإن ذلك لا يجعل الألوان الأخرى لباسا لأهل النار، وليس اللون الأخضر لونا للإسلام، فالأيام كلها لله وكذلك الألوان.. ولأننا نتحدث هنا عن راية وعلم، فالرايات لم تُعرف في الإسلام إلا من خلال الغزوات، ومع اختلاف الروايات حول ألوان تلك الرايات إلا أن الراجح منها أن لواء الرسول صلى الله عليه وسلم كان أبيض ورايته سوداء. وإذا كان اللون الأخضر لونا للإسلام، فلماذا لا يكون هو المنصوص عليه شرعا في الإحرام والكفن، ولماذا نلبس كل الألوان الأبيض منها والأسود والأزرق والأحمر والأصفر والبني والرمادي.. ولا توجد في ملابسنا قطعة خضراء إلا ما ندر، ألسنا مسلمين، أم أنه يكفي أن يكون علمنا أخضر لندخل الجنة بلا حساب؟!


لا دليل كذلك موثق وموثوق على أن اختيار اللون الأخضر للعلم الوطني أصلا تم على أساس ارتباط هذا اللون بالإسلام، لأن المرات النادرة جدا التي كان يتم الحديث فيها عن مغزى اختيار اللون الأخضر في العلم الوطني كان يقال لنا إنه لون النماء والرخاء، والدليل على ذلك اختيار اللون الذهبي للنجمة والهلال الذي كان يقال لنا أيضا إنه لون السنابل والحصاد، وكذلك اختيار النخلة ونبتة الذرة كختم للدولة، وكل ذلك انطلاقا من طبيعة عيش وحرف المجتمع الزراعية والرعوية آنذاك .. أما القول بأنه اختير لأنه لون الإسلام ولباس أهل الجنة فتلك " رواية طاريه " ما سمعنا بها في آبائنا الأولين ولا المؤسِسِين.. لجأ إليها مناوئوا التعديل بعد الفشل في تسويق المبررات ( الأسلحة ) الأخرى خربشة في مشاعر المواطنين وعزفا على مكانة الدين في حياتهم. والمفارقة أنه، وإلى وقت قريب، ما كان هناك من أحد يحفظ كلمات النشيد الوطني، أو يلقي بالا للعلم أو يدري شيئا عن دلالة ألوانه!


العلم والنشيد الوطنيين سيتم تعديلهما وتوطينهما لا تغييرهما، لا قفزا على مشاكل الصحة والتعليم والبطالة والفقر.. فلتلك المشاكل استراتيجياتها التي قطعت في سبيل معالجتها مراحل تتناسب مع الوقت والإمكانيات، وإنما لأن شكل العلم منصوص عليه في الدستور، وبما أننا أمام تعديل دستوري فمن الأنسب إدماج تعديل العلم في هذا التعديل بدل إفراده بتعديل دستوري خاص به. و لن يتم تعديل العلم والنشيد أيضا لأن هناك من يريد فرض ذلك، وإنما لأنه ليس هناك مواطن موريتاني " أعل بابو " سليم الصدر من المواقف السياسية المسبقة سيُشرح له المغزى الحقيقي من تعديل هذين الرمزين إلا وتحمس واندفع، أو في أقصى حالاته تفهم وتقبل.. وليرفع اليوم من يشاء العلم الوطني الحالي أينما شاء، في البرلمان أو على بيته أو على صدره لا مشكلة، ولا يظنن أنه بذلك بلغ رسالة احتجاج فهو لا زال، إلى حد الآن، علمنا الوطني وسيرفع بشكله الحالي بعد أيام في أكبر مناسبة وطنية هي عيد الاستقلال، وسيبقى علما وطنيا إلى أن يخرج من " غرفة العمليات " بعد أن يخضع لعملية تجميل سيجريها له أفراد الشعب، وبعدها فليتحمل من سيتمرد على إرادة الشعب تبعات تصرفاته.


اللون الأخضر والهلال والنجمة الذهبيين، بغض النظر عن دلالاتهم، باقون في العلم المقترح، والمضمون العقدي التذكيري في كلمات النشيد الوطني باق في النشيد المقترح كذلك، وإن كان لا خوف على عقيدة الدولة والمجتمع ما دام فيهما كتاب الله المحفوظ إلى يوم الدين، والذي يقول في نصرة الله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا إِنْ تنصروا الله ينصركمْ ويثبت أقدامكم )) ويقول (( ولينصرن الله من ينصره )) ويقول في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (( ولتكن منكمْ أمة يدعون إلى الخير ويامرون بِالمعروف وينهون عن المنكر وألئك هم المفلحون )) ويقول (( كنتم خير أمة أخرجت للناس تامرون بالمعروف وتنهون عن المنكر )) ويقول (( والمومنون والمومنات بعضهم أولياء بعض يامرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويوتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم )) والكثير من الآيات المشابهة.


ويقول في اتباع سبيل المصطفي صلى الله عليه وسلم (( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا )) ويقول (( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله )) ويقول (( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الاخر وذكر الله كثيرا )) ويقول في البدع والسبل (( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلم تتقون )) والكثير من الآيات المشابهة. ويقول في اعتقاد النفع والضر من غير الله (( وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يريدك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم )) ويقول (( ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك )) والكثير من الآيات المشابهة. كفى ذلك أولنا وسيكف الآخرا..


 


عودة للصفحة الرئيسية