مسؤولون موريتانيون وسوريون يبحثون تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية ترتيب جواز السفر الموريتاني عربيا وعالميا موانئ دبي تستثمر 35 مليون دولار في السنغال التمديد لولد الشيخ أحمد بعد تعيين نائب له مسؤول موريتاني: المعبر الحدودي مع الجزائر يشكل نقلة نوعية "خطة أممية" لتحويل إفريقيا إلى دول صناعية اختفاء سيارة لشركة " توتال" محجوزة لدى العدالة تضامن مع الطلبة الموريتانيين في مصر ثاني تغييرات فى شركة المياه خلال 24 ساعة الخطوط المغربية تعلق الخدمات المقدمة لها بمطار نواكشوط

معركة الاستفتاء .. لم تنته بعد !!

افتتاحية "الدرب العربي"

الاثنين 4-09-2017| 00:41

ما تزال تداعيات الاستفتاء على "التعديلات"، غير التوافقية على الدستور الوطني، التي جرت قبل أسابيع تلقي بظلالها القاتمة على المشهد السياسي والاجتماعي؛ فقد أسفرت عن استقطاب شديد بين الطبقة السياسية والمدونين والمثقفين، عموما، والمعارضة والنظام بصورة خاصة. فهذا الاستقطاب يجلى في كل المقالات والتدوينات وقصائد الشعر الفصيح والشعبي التي يكتبها الموريتانيون على صفحات المواقع والجرائد وصفحات التواصل الاجتماعي. فالمواقف شديدة التباين؛ والميدان كذلك يشهد معركة حامية بين المعسكرين .
وإذا كان المراقبون يجمعون على أن الشعب الموريتاني قد عزف عن التوجه نحو صناديق الاقتراع على الاستفتاء ، وأن النظام قد تلاعب بتلك النتائج على نحو سمح لنفسه بالوصول إلى مبتغاه ، وخاصة إلغاء مجلس الشيوخ ، عدوه اللدود،- الذي سدد للنظام ضربة موجعة بحرمانه من تمرير تلك التعديلات بسلاسة- فاضطره لهذه العملية المكلفة ماديا وسياسيا وأخلاقيا، إلا أن هؤلاء المراقبين اختلفوا على أسباب امتناع الشعب عن التصويت على الاستفتاء : فالمعارضة والدوائر المقربة منها ترى في العزوف الشعبي أنها تمكنت ، هذه المرة ، من الوصول إلى الشعب وعبرت ، بلغة مفهومة وبسيطة، عن معاناته ومشاكله واهتماماته وأولوياته. فالتعديلات المقترحة لم تكن تتضمن ما يفيد المواطنين البسطاء المطحونين في حياتهم ، ولم تكن تعكس تطلعاتهم ؛ فكان لاستثمار المعارضة لهذا الابتعاد من جانب النظام عن معاناة الشعب أكبر الأثر في نجاح المقاطعة الشعبية للتعديلات.
بينما ذهب مراقبون مقربون من النظام إلى القول إن ضعف الإقبال لم يكن تعبيرا ، من الشعب، عن انسجامه مع خطاب المعارضة الذي ظل يلوك ذات المواقف من سنين. ومن هنا، فإن المعسكرين يدخلان في معركة شديدة الخطورة على مستقبل البلاد ، كما أنها شديدة التنافس على كسب الشعب واستمالة القوى الحية فيه ، وخصوصا القوى الشبابية التي ظهرت في تشكيلات وحركات مستقلة عن قنوات وشبكات النظام والدوائر شبه الحزبية التي تدور حوله. ولكن أيضا خارج أطر المعارضة ، التي لا تخفي هذه المجاميع الشبابية المستقلة استياءها من ترهلها وشيخوخة بعض رموزها وروتين أساليبها وتقليدية صيغ عملها؛ فيما ترى هذه التيارات أن الوضعية تتطلب ديناميكية جديدة وقواعد لعبة جديدة؛ الأمر الذي يقتضي خروج الشباب كليا من الأنساق الحزبية، لعدم فائدتها وتقييدها للفاعليات الشبابية.
ومع أن بعضا من هذا الطرح يتسم بالوجاهة، إلا أن الأمر قد لا يخلو من تخطيط ماكر من أجهزة النظام لتفريغ أحزاب المعارضة من قوتها الشبابية ، سبيلا لاختراقها لاحقا بسبب قلة خبرة هذا الشباب وغياب لحمة فكرية أو سياسية ناظمة له؛ وهو ما نجح فيه النظام في حركات سابقة، أشهرها حركة ( 25 ) فبراير التي تبخرت، بعد أن اصطادت أجهزة النظام أبرز قياداتها.
وعلى خلفية هذا الاستقطاب الشديد، وهذه المواجهة المفتوحة بين النظام والمعارضة ، أقدم النظام الحاكم قبل أيام على إدخال أوراق له جديدة في لعبة كسر العظم مع خصومه. فقد فتح تحقيقات أمنية مع بعض أعضاء مجلس الشيوخ الذين رفضوا تمرير التعديلات عبر غرفتهم؛ وهو ما أغضب السيد رئيس الدولة غضبا شديدا دفعه إلى التصريح بأنه ألغى مجلس الشيوخ قبل ظهور نتائج الاستفتاء.
ومع أن مشكلة إلغاء مجلس الشيوخ في حد ذاتها ليست بذات الأهمية عند مختلف الشركاء ؛ إلا أنها زادت المشهد السياسي تعقيدا ، خصوصا بعد إحالة بعض هؤلاء الشيوخ إلى السجن المدني ، و استجواب شخصيات سياسية و نقابية و صحفية مشهورة في البلد ، على خلفية التسريبات التي انتزعتها أجهزة الأمن من هاتف السيناتور المعارض ، محمد ولد غده ؛ حيث رأى النظام في تلك التسريبات أساسا لتهمة خصومه بأنهم كانوا يتلقون رشى من أحد رجال الأعمال المعارضين خارج البلد .
و تتهم دوائر النظام الحاكم مجموعة الشيوخ ، التي أفشلت تمرير التعديلات ، بأنها كانت تتلقى هذه الرشى مقابل إفشال الرئيس في تعديلاته للدستور .و إذا واصل النظام في هذا الطريق ـ بسحب هامش الحريات العامة ـ فإنه سيصل قريبا إلى مأزق سياسي حقيقي قد يصعب عليه الخروج منه ، خصوصا و أن الموريتانيين قد تذوقوا إلى حد ما طعم حرية التعبير خلال السنوات الأخيرة ؛و ستكون العودة من جديد إلى لغة الاعتقالات و السجون لغة مستهجنة و مرفوضة لن يتمكن معها أنصار النظام من مواجهة خصومه ، أو التأثير في الاتجاه الشعبي العام الرافض لها . هذا فضلا عن الاستثمار الذي قد تقوم به المعارضة بشيء من الجهد المنظم لإقناع الرأي العام الوطني و الدولي بأن النظام يتحول بوتيرة متسارعة نحو العنف ضد مواطنيه ، بعد أن وزع واقع الفقر بينهم بعدالة تامة ؛ عندها سيدخل النظام في مرحلة الشك في المقربين منه ؛ وقد يشك في أهل بيته ؛ و تلك هي بداية النهاية الحتمية لأي حاكم يندفع نحو الطيش و الغرور .

 

عدد 39 من جريدة الدرب العربي الصادرة بتاريخ 2017/09/01 عن حزب البعث العربي الاشتراكي - قطر موريتانيا

عودة للصفحة الرئيسية