قناة " لبراكنه " لزراعة الأرز والأعلاف

الأربعاء 16-05-2018| 10:29

محمدو ولد البخاري عابدين

بعد أن أصبحت قناة " أفطوط الساحلي " حقيقة، وتدفقت عبرها المياه على طول عشرات الكيلومترات، وأصبحت الأراضي القاحلة التي شقتها حقولا ومزارع خضراء، مع ما يميز هذه القناة من قابلية معظم مساحاتها للرأي الإنسيابي ( irrigation gravitaire ) وما يوفره ذلك على المزارع من تكاليف المضخات والمحروقات التي تمثل جزءا معتبرا من تكاليف الإنتاج، إضافة إلى ما ستوفره هذه القناة أيضا من إمكانية قيام انشطة إنتاجية أخرى حيوانية وصناعية وسياحية لم يكن بالإمكان قيامها في غياب الماء..

بعد أن أصبحت تلك القناة حقيقة إذن، أصبحا اليوم نتطلع لشق قناة أخرى في غاية الأهمية سمعنا الحكومة تتحدث عنها وهي قناة " لبراكنه " التي ستربط النهر ببحيرة " ألاك "، حيث ستشق هذه القناة عشرات، إن لم نقل مئات آلاف الهكتارات من الأراضي الخصبة الصالحة للزراعة، فعادة عندما يم الحديث عن مساحة الأراضي الزراعية في بلادنا يتم الاقتصار على سهل " شمامه " المحاذي للنهر، في حين أنه تكون هناك أراض صالحة للزراعة لكنها غير قابلة للري بسبب غياب المياه أو استحالة جرها إليها، وأحيانا تكون هناك أراض قابلة للري ولكنها غير صالحة للزراعة بسبب خصائصها الفيزيائية كالأراضي الصخرية والسباخ.. لكن هناك أراض تكون صالحة للزراعة وقابلة للرأي حتى ولو لم تكن على ضفة نهر عندما تتوفر الإرادة والرؤية والإمكانات لتزويدها بمياه الري عبر شق القنوات كما حدث وحُفرت قناة آفطوط الساحلي.

ومن هذه الأراضي كل السهول الموجودة بولاية لبراكنه، وتلك السهول الأخرى الموجودة بجنوب ولاية لعصابة والممتدة من مدينة القايره باتجاه آفطوط الشرقي ومثلث الأمل، فكلها أراض زراعية خصبة وقابلة للري باعتماد سياسة شق القنوات لجلب المياه للأراضي غير الواقعة بمحاذاة النهر، وما سيوفره ذلك من فرص العيش للآلاف من سكان هذه المناطق المعتمدين تقليديا على ممارسة الزراعة وتربية المواشي، وبشكل مستديم لا يتقطع أو يتذبذب بفعل التفاوت في التساقطات المطرية من سنة إلى أخرى، مما يضطرنا للتدخل في كل مرة لتوفير الغذاء لهؤلاء السكان ولمواشيهم.

ولكون منطقة لبركانة وأرضيها الزراعية تتوسط البلاد، فسيكون استثمارها في زراعة الأرز والأعلاف مهما وذلك إنتاج الأرز في هذه المنطقة سيمكن من سهولة تموين معمل النعمة لتقشير الأرز بالأرز الخام، وكذلك مصنع الأعلاف في نفس المدينة الذي سيقوم على مخلفات التقشير من نخالة ورجيع الأرز ( Riz pas ) أو ( رباص ) كما يسميه المنون.. حيث ستنخفض مسافة نقل الأرز الخام من هذه المنطقة إلى النعمه شرقا ب 300 كيلومتر عن مسافة نقله من منطقة اترارزه.

كما سيمكن تخصيص هذه الأراضي لزراعة الأرز والأعلاف بالتبادل بين المواسم من تعظيم الإنتاج والمردودية وذلك عند زراعة الأرز خلال موسم الخريف لتتبعه زراعه الأعلاف الخضراء في موسم الشتاء، مما سيحقق المزايا التالية:

(1) ـ زيادة إنتاج البلاد من الأرز خريفا، وفي نفس الوقت توفير كميات كبيرة من الأعلاف الخضراء في وجه فصل الصيف المعروف بندرة المراعي خصوصا في سنوات تذبذب التساقطات المطرية، إلى جانب توفير كميات كبيرة من تبن الأرز ( paille de riz ) ليكون ذلك التبن والأعلاف الخضراء في متناول حيوانات المنطقة والمناطق المجاورة لها.

(2) ـ إدخال تقنية الدورة الزراعية ( Rotation Culturale ) لنظامنا الزراعي لأهميتها في المحافظة على استدامة الخصائص الزراعية للتربة وزيادة خصوبتها والحد من تدهورها، والدورة الزراعية هي نظام زراعي معروف وقديم يقوم على تبادل زراعة محاصيل من عائلات نباتية متنوعة ومختلفة من حيث موسم الزراعة واستهلاك الماء والحاجة للسماد.. وذلك لتجنب تكرار زراعة محصول واحد في نفس التربة بما يسببه لها ذلك من انجراف وإجهاد واستنزاف للمواد العضوية والعناصر المعدنية، وستؤدي زراعة الأرز، الذي هو كنباتات القمح والشعير والذرة يتبع للعائلة النجيلية ( Graminaceae ) وكلها نباتات مجهدة ومفقرة للتربة بسبب استهلاكها الكبير من الآزوت، بالتبادل مع زراعة الأعلاف الخضراء كالبرسيم الحجازي ( الفصة ) ولوبيا العلف وهما نباتان يتبعان للعائلة البقولية ( Leguminosae ) التي عند معاملة بذورها قبل الزراعة بالبكتيريا العقدية تُكون ما يعرف بالعقد الجذرية التي تعمل على تثبيت النيتروجين من الجو في صورة نترات تغني عن تسميدها بالسماد النيروجيني، وتحد كثيرا من حاجة المحصول الذي سيزرع بعدها من هذا السماد أيضا لأنها ستترك الفائض عن حاجتها منه في التربة ليكون سمادا للمحصول اللاحق.

(3) ـ من المآخذ التي يتم أخذها عادة على التوسع في استصلاح الأراضي بغرض الاستغلال الزراعي أو العمراني أو الصناعي، هو أن ذلك التوسع يكون على حساب المراعي الطبيعية والأحراش والغابات، وكما هو الحال عند شق قناة " لبراكنه " لاستغلال وري الأراضي الزراعية التي ستمر منها القناة، فإن ذلك سيكون على حساب مساحات رعوية واسعة في هذه المنطقة المعروفة بثروتها الحيوانية المعتبرة، إلا أن استغلال هذه الأراضي أو جزء منها في زراعة الأعلاف سيعوض المراعي الطبيعية، وسيغير من النمط التقليدي لتربية المواشي، ويسرع من وتيرة الانتقال إلى التربية المركزة والعصرية لهذه المواشي والقائمة على الحظائر المستقرة والمعتمدة أساسا على زراعة الأعلاف الخضراء مع سهولة رعاية وإدارة القطعان.

هذا بالطبع فضلا عن القيمة الكبرى لهذه القناة في حال استخدام مياهها في توفير مياه الشرب لساكنة هذه المنطقة الفقيرة في الموارد المائية الجوفية، بل وتوفير مياه الشرب لمناطق أخرى من ولاية تكانت تعاني هي كذلك من ندرة المياه الصالحة للشرب.

محمدو ولد البخاري عابدين 
36224642

عودة للصفحة الرئيسية