دَعُوها فإنها مُنتِنَة

الأربعاء 2-01-2019| 14:49

العلامة الشيخ إبراهيم بن يوسف بن الشيخ سيدي

يتردد الآن فى بعض المواقع، وعلى بعض الصفحات حديث سيِّئٌ عن شرْخ اجتماعىّ كبير فى النسيج الاجتماعىّ الوطنىّ، وربما سُمع عنه همْس فى بعض المجالس، وما أدرى ما الحامل على التحريش بين أبناء هذا الشعب المسكين فى هذا الظرف العصيب بالذات؟
إننا شعب مسلم مسالم تتعايش مكوّناته تعايشا سلميا، يوحّدها الدين والدم والأرض والمصير المشترك.
شعب ضعيف يعيش أغلبُه تحت خط الفقر، يمْسى ويصبح لاهثا وراء خبز يحصّله، أو دواء يحصّنه، أو كِنٍّ يُؤويه. وقلما يجد فراغا لغير ذلك.
شعب يقاسى الحر بلا مكيفات، والقرّ بلا مَدافئ، ويسكن جُله فى الخيام وبيوت الصفيح، ويشرب الماء رَنقا غيرَ صاف،
شعب مغيَّب فى الأحياء الشعبية، والبوادى والأرياف عن القرار والمال والجاه والأضواء،
لكنه صبور على شظف العيش، وقلة الحيلة، والتهميش، ومعاناة الشدائد، ومقاساة الحياة، رغم ما تزخر به أرضه من ثروات وخيرات.
شعب وديعٌ خيِّرٌ يحب الأمن والعافية والطّمَأنينة والسلام،
شعب لا يفكر فى إحداث الصراعات والفتن، ولا يرغب فى تأجيج الحروب والمِحن، رغم كثرة الأهواء المتشاكسة، والسياسات المتعاكسة.
ألا فلا تكدّروا صَفْوه ـ أيها السياسيون والإعلاميون ـ بالأراجيف والدعايات والأكاذيب والوشايات.
كُفّوا عن هذه الحملات السخيفة، وذَرُونا شعبا متآخيا متجانسا متراحما، ولْيبحث كل منكم عن مصالحه الشخيصة دون أن يؤذيَنا، أو يبُثّ فينا الكراهيَة والشحناء، ويملأ صدورنا بالحقد والبغضاء.
كفى ما نحن فيه، فلا تزيدوا الطين بلّة.
ألا لا يحسبنّ أولئك الذين يُؤَرِّثون منكم نار الفتنة فى الظلام، ويشحنون صدور الأبرياء بالضغائن والإِحَن أنهم سوف يسْلَمون من سعيرها وأُوَارها.
إنهم سيكونون أول متلطخ بعارها وشَنارها، وأوّلَ مُكْتوٍ بسعيرها ونارها.
وما أحسنَ قولَ سعد بن مالك بن ضبيعة بن ثعلبة أحد سادات بكر بن وائل وفرسانها فى الجاهلية :
يا بؤسَ للحرب التى/ وَضعت أراهطَ فاستراحوا
والحرب لا يبقى لجا حمها التخيلُ والمـــــراح...
وقولَ عمرو بن معد يكرب الزبيدىّ، وهو فى مدونات الأدب، بل وفى صحيح البخارىّ معزوا لامرئ القيس، والمراد به ابن عابس الكندىّ، وكان فى زمن النبىّ صلى الله عليه وسلم :
الحرب أول ما تكون فَتِيّة/ تسعى بزينتها لكل جهـــــــــول
حتى إذا اشتعَلت وشَبّ ضِرامُها/ ولّت عجوزا غيرَ ذات حليل
شمطاءَ يُنكَر لونُها وتغيرت/ مكروهةً للشم والتقبيــــــــــــل
وفوق ذلك كله، فإن عليهم وزرَهم كاملا، وأوزارَ أتباعهم ممن استخَفُّوهم فأطاعوهم فى الغىّ والفساد فى الأرض. (ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون).
(ولَيحْمِلنّ أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليُسألنّ يوم القيامة عما كانوا يفترون).
قال الإمام البخارىّ فى صحيحه : "بَابُ إِثْمِ مَن دَعَا إِلَى ضَلاَلَةٍ، أَوْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً لِقَوْلِ الله تَعَالَى : (وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ) :
ثم أسند عَنْ عَبْدِ الله بن مسعود رضى الله عنه، قَالَ : قَالَ النَّبِىُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « لَيْسَ مِن نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا، إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا - وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ : مِن دَمِهَا - لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ أَوَّلًا ».
وفى صحيح مسلم وغيره عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : "مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِن الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَن تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِن أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَن دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِن الإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَن تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِن آثَامِهِمْ شَيْئًا".

ألا فاعلموا أن الفوضى شرّ خالص، لما يترتب عليها من الظلم والبغى والعدوان، وسفك الدم الحرام، وتقطيع الأرحام، وانتهاك الأعراض، ونهب الأموال، والإضرار الكارثىّ بالحياة والأحياء على كل صعيد.
ولو ظلت المواقع ووسائل الاتصال الاجتماعىّ تنفُث السموم، وتُثير الفتن، وتتحدث عن صراع عنصرىّ وشيك، وعن حرب عِرقية تُقرع طبولها، وتُسْرج خيولها، لأوشكت الأمواج أن تلتطم، والنيرانُ أن تضطرم.
على أننى واثق ـ والحمد لله ـ بوجود كثير من ذوى الضمائر الحية، وأهل الحكمة والبصيرة والعدل والإنصاف والتجرد والإخلاص، فى جميع شرائح شعبنا، ومكونات مجتمعنا، ممن بإمكانهم ـ بإذن الله ـ أن يتداركوا الوضع، ويتلافَوا السفينة قبل الغرق، ويأخذوا على أيدى السفهاء من كل طرف.
إننا جميعا ندرك ـ بداهة ـ أن الاختلاف والتنوع من السنن الكونية، وأن التنازع بين الأشِقّاء من طبيعة البشر، لكن لا يجوز أن يصل بأولى الأرحام إلى حد الصِّدام ما لم يكن له من الشرع الإلهىّ مسوّغ لائح، وبرهان واضح.
لذلك نقول علَنا بمِلء أفواهنا :
إننا أمة سلام وحب وخير ورشاد، لا أمة بغْى وكراهية وشر وفساد،

أمة تعى مصالحها، ولن تترك مجالا للتلاعب بأمنها، والعبث بمصالحها العليا ووحدة أبنائها،

أمة ترفض الفتنة الجاهلية الصمّاء العمياء التى تحركها من خلف الستار أيدٍ آثمةٌ تتربص بنا الدوائر، وتريد لبلدنا أن ينزلق ـ كما انزلقت بلدان إلى الهاوية،
وتتمنى أن تمزقنا الحروب كل مُمَزَّق، كما مزَّقت أمما وشعوبا وقبائلَ هنا وهناك.

إننا أمة تقرأ قول الله تعلى : (فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين)، وتقرأ قوله جل وعلا : (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون)، وتقرأ قوله عز من قائل : (لا خير فى كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما)، وقولَه سبحانه : (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذابا عظيما)، وقولَه عز وجل : (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب)،
وتقرأ قولَ النبىّ صلى الله عليه وسلم : "مَا بَالُ دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ؟ قَالُوا : يَا رَسُولَ الله، كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الأَنصَارِ، فَقَالَ : "دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ". متفق عليه من حديث جابر بن عبد الله رضى الله عنهما.
ـ أمة تقرأ ما ثبت من حديث أبى بكرة نُفيْع بن الحارث رضى الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
"إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فى النار، قلت : يا رسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال : إنه كان حريصا على قتل صاحبه". متفق عليه، واللفظ للبخارىّ.
وتقرأ ما فى الصحيحين أيضا عن أسامة رضى الله عنه قَالَ : بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فى سَرِيَّةٍ، فَصَبَّحْنَا الحـُـرَقَاتِ مِن جُهَيْنَةَ، فَأَدْرَكْتُ رَجُلًا، فَقَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَطَعَنْتُهُ، فَوَقَعَ فِى نَفْسِى مِن ذَلِكَ، فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِىّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « أَقَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَقَتَلْتَهُ؟ » قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنَ السِّلَاحِ، قَالَ : « أَفَلَا شَقَقْتَ عَن قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا؟ » فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَىّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنّى أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ".
وفى لفظ عند مسلم فى الصحيح عن جندب بن عبد الله البَجَلىّ قال : إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ بَعْثًا مِنَ المسْلِمِينَ إِلَى قَوْمٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، وَإِنَّهُمُ التَقَوْا فَكَانَ رَجُلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ إِذَا شَاءَ أَنْ يَقْصِدَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ قَصَدَ لَهُ فَقَتَلَهُ، وَإِنَّ رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ قَصَدَ غَفْلَتَهُ، قَالَ : وَكُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَلَمَّا رَفَعَ عَلَيْهِ السَّيْفَ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَقَتَلَهُ، فَجَاءَ البَشِيرُ إِلَى النَّبىّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ، حَتَّى أَخْبَرَهُ خَبَرَ الرَّجُلِ كَيْفَ صَنَعَ، فَدَعَاهُ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ : « لِمَ قَتَلْتَهُ؟ » قَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ، أَوْجَعَ فى المسلمينَ، وَقَتَلَ فُلَانًا وَفُلَانًا، وَسَمَّى لَهُ نَفَرًا، وَإِنِّى حَمَلْتُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى السَّيْفَ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « أَقَتَلْتَهُ؟ » قَالَ : نَعَمْ، قَالَ : « فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ » قَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ، اسْتَغْفِرْ لى، قَالَ : « وَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ » قَالَ : فَجَعَلَ لَا يَزِيدُهُ عَلَى أَن يَقُولَ : « كَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ ».
أمةٌ تقرأ ما فى صحيح مسلم من حديث أبى هريرة رضى الله عنه عن النبىّ صلى الله عليه وسلم : "...ومن قاتل تحت راية عُمِّيَّةٍ، يَغضَبُ لِعَصَبَة، أو يَدْعُو إلى عَصَبةٍ، أو يَنْصُرُ عَصَبةً، فَقُتِل، فَقِتْلةٌ جاهليةٌ، ومن خرج على أمتى يضربُ بَرَّها وفاجرَها ولا يَتحاشى من مؤمنها, ولا يفى لذى عهدٍ عهدَه، فليس منى، ولستُ منه".
وعنده من حديث جندب بن عبد الله البجَلىّ رضى الله عنه عن النبىّ صلى الله عليه وسلم أنه قال : "من قُتِل تحت راية عِمِّيَّة يدعو عصَبية، أو ينصُر عصَبيةً، فقِتْلةٌ جاهلية".
والعِمِّيَّة بكسر العين وضمها، مع تشديد الميم المكسورة، بعدها ياءٌ مشددة مفتوحة : الفتنة العمياء التى لا يتبين وجهها، كما يقع فى التهارُج، وقتْلِ الناس بعضِهم بعضا خبطَ عشواء، فى غير حق، أخذا من التعمية والتلبيس.
وصحّ عند أبى داوود من حديث أبى الدرداء رضى الله عنه عن النبىّ صلى الله عليه وسلم قال : "كلُّ ذنبٍ عسى اللهُ أن يغفِرَهُ، إلا مَن ماتَ مُشرِكاً، أو من قَتَلَ مؤمناً مُتعَمداً"،
وفى لفظ عنه أيضا عن النبىّ صلى الله عليه وسلم قال : "لا يزالُ المؤمِنُ مُعنِقاً صالحاً ما لم يُصِب دماً حَرَاماً، فإذا أصابَ دماً حَرَاماً بَلَّح".
أى انقطع وأعيا.
وعنده من حديث عبادة بن الصامت رضى الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال : "مَن قَتَلَ مؤمناً، فاغتَبَطَ بقتله، لم يَقبلِ اللهُ منه صَرْفاً ولا عَدْلاً".

 

*
أيها الحكام والحكماء والعلماء والدعاة والمصلحون والعقلاء والكتّاب والخطباء والمفكّرون من جميع الأطياف والأطراف
البلد بلدكم، والشعب شعبكم، وكل واحد منكم مسؤول من موقعه، وحسبَ وُسعه وطاقته عن مصلحة بلده، وأمن شعبه واستقراره. فعالجوا الأمور بحكمة وصراحة وإخلاص، ولا تتوانوا فى الإصلاح، ولا تقصّروا فى ردم كل فجوات الخلاف، وعاجلوا الداء قبل استفحاله، واحذروا غوائلَ التفريط والتسويف والمخادعة والتدليس.
أطلقوا سراح كل مظلوم، وءاتوا كل ذى حق حقه، من توظيف وعلاج وتعليم وعناية واهتمام، وسووا بين الناس فى الفرص كلٌّ حسب كفاءته ومؤهلاته، فإنكم بين يدى الملِك الجبار غدا موقوفون، وعلى أعمالكم وأقوالكم محاسَبون، وعنها مسؤولون ومَجْزِيُّون، فحاسبوا أنفسكم حسابا، وأعدّوا لكل مسألة جوابا.
وما علينا إلا البلاغ المبين.
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلىّ العظيم.

عودة للصفحة الرئيسية