رئيس الجمهورية القادم



موريتانيا: رئاسيات سابقة لأوانها؟



موريتانيا .. إلى أين؟



صفحة الاستفتاء



التقارير السرية للسفارة الفرنسية فى نواكشوط (4)



جنرال فرنسي يكتب عن تجارة الصمغ العربي فى موريتانيا سنة 1853



التقارير السرية للسفارة الفرنسية فى نواكشوط (3)



ارشيف: تفاصيل اول عملية عسكرية فرنسية لدعم موريتانيا ضد البوليساريو



التعليم النظامي في برنامج الرئيس المنتخب



الاتحاد المغاربي... وضريبة اللّا اتحاد..



موريتانيا وأذربيجان... آفاق تعاون واسعة



محمد ولد محمد أحمد الغزواني مرشح المرحلة



رسالة تهنئة مفتوحة/ محمد الكوري ولد العربي

الثلاثاء 9-07-2019| 18:00

بقلم محمد الكوري ولد العربي

إلى السيد رئيس الجمهورية المنتخب ، محمد ولد الشيخ محمد أحمد ولد الشيخ الغزواني..

انتهت الانتخابات الرئاسية ، و بدأ معها التداول السلمي على السلطة للمرة الثانية في بلدنا، بغض النظر عن الثغرات و المنغصات و حتى الخروقات و العيوب الشكلية و المعنوية في عملية التداول، و لكن العملية بحد ذاتها مكسب عظيم الدلالة في بلد لم يذق طعم تداول السلطة سلميا إلا قليلا من تاريخه السياسي..
و إنه لمن دواعي الغبطة أن أتوجه إليكم بخطاب تهنئتي لكم بمناسبة فوزكم في الانتخابات راجيا من الله العلي القدير لكم التوفيق في تأدية مسؤوليتكم العظيمة و الخطيرة على النحو الذي يرضاه الله ، و على الوجه الذي يسعد الشعب الموريتاني المنهوك .
و إنه كذلك لمن أسباب الراحة النفسية أن يكون رئيس الجمهورية مؤهلا لاستيعاب معاني الخطاب و مضامين الكلام ؛ الأمر الذي لا تتيحه أية لغة لمن يحتقرها ، و إنما تهبه لمن تعلمها و تذوق آدابها.
سيدي الرئيس، لقد كان أبرز عوامل دعمنا لكم - في حزب الوطن و تحملنا لحملة حزبية لصالحكم على نفقة تبرعات رفاقنا دون السعي للمقايضة السياسية من وراء ذلك ، و حتى دون التمكن من لقائكم، بسبب من عناصر العشرية المتنفذين في إدارة حملتكم، بحسب ما علمنا ، الذي حظي به مبادرات أسرية و قبلية- هو اطلاعنا على طيبة التربة الاجتماعية التي نبتم فيها و التنشئة القيمية التي حظيتم بها في طفولتكم ؛ فعلمنا من ذلك أن طيب الفرع من طيب المنبت ؛ فكان ذلك مدعاة لأن يعلق عليكم الموريتانيون، و نحن منهم، أملا طالما بقي عالقا تتقاذفه حقب سوداء عسكرتارية يلج بعضها في بعض كطع الليل المظلم . و الآن و قد نجحتم في منافسة قيادة البلاد بإرادة شعبية أفصحت عن نفسها بعفوية و جلاء في إقبال الشعب عليكم يوم تقدمتم بالترشح لقيادة سفينة البلاد الجانحة على رصيف الحياة و التطور منذ عقود ، فإني، كمواطن موريتاني، من حقي و من واجبي إزاءكم أن أذكركم ، و قد أحسنا بكم الظن برغم ماضيكم العسكري، بأنكم اليوم رئيس للجمهورية الإسلامية الموريتانية بكل مكوناتها القومية و الاجتماعية و المهنية و الحزبية ، و أنكم في موقع شوكة الميزان بين كافة الآراء و الرؤى الوطنية فيها، و لستم رئيس جماعة سلطة و لا قائدا لعصابة تجار و تربح باستغلال النفوذ ، و لا أميرا في قبيلة أو جهة و لا آمرا في كتيبة عسكرية ... و لكن أيضا ليس مطلوبا منكم تطهير النفوس و لا تنظيف القلوب بالوعظ ، و لكن من واجبكم، كرجل دولة ، تصحيح الممارسات الخاطئة و تقويم السياسات المنحرفة خلال الفترات السابقة و بناء الدولة الوطنية و النبش في مجتمعنا عن رجالاتها، دون تحيز و لا تمييز ..
سيدي الرئيس، اسمحوا لي أن أحيط جنابكم الموقر، و أنتم صاحب اطلاع و دراية بحركة التاريخ ، أن إدارة الدولة تختلف عن إدارة مرآب الآلات الميكانيكية عموما؛ أقول أحيطكم علما أيضا أن بلدنا يفتقر لأشياء كثيرة في فلسة نظام الحكم السياسي ، ليس هنا مناسبة بسطها بالتفصيل، و لكن من أخطرها و أدومها هو غياب تحديد الاتجاه و رسم هدف واضح لنظام الحكم ؛ بحيث بات استنساخ الرداءة هدفا في ذاته .إننا إذا تتبعنا مسار الأنظمة التي حكمتنا، منذ 1978، فإننا لا نعثر على أي معنى للتاريخ في خط سير أي منها ، و لا نجد أيا منها اعتمد منطقا داخليا يوجه سياسته الداخلية و الخارجية و يضبط خطواته و سلوكه في ممارسة السلطة ؛ بل إن ما يجمع بين هذه الأنظمة المتناسخة بأسلوب عنيف هو غياب معالم الطريق التي يسير عليها كل منها ؛ حيث تنتهي كل سلطة ، مهما عمرت، إلى بلبلة و ركام من المواقف المتخبطة ، و التدابير الارتجالية و أكداس من السلوك الانفعالي الارتدادي و اتباع الأهواء ؛ و ذلك ما لا يخفى عليكم خطورته الثاوية في الأفعال المستخفة بالأخلاق إلى الحد الذي دفع كثيرين من أبناء هذا الشعب المخلصين و من ذوي الكفاءات و الخبرة إلى اليأس من إنسان هذه الأرض ، و إلى اعتكافهم في البيوت حتى يتوفاهم الله أو يجعل لهم سبيلا. فهل تكونون ذلك السبيل ?.
سيدي الرئيس، إنني أرى أن عودة الأخلاق إلى أهل هذه الأرض و البحث عن نصيب من العقلانية في تصرفات سكانها من أعظم ما يتوجب عليكم و من أبقى ما ينفع الناس . إن أسلافكم ، من حكام هذه البلاد العسكريين، قد فرطوا في الأخلاق و عبثوا بالقيم و الأعراف الفاضلة التي تواضع عليها هذا الشعب بعربه وزنوجه و فلانه لقرون خلت؛ فكانت حصيلة كل نظام أسوأ من الذي قبله حتى وصلنا إلى ما نعيشه اليوم من مشاهدة فضائيات موريتانية تروج للقبلية و الفئوية و العنصرية ؛ و حيث نساق قطيعا من الرعاع و الأغبياء ، نخبا و عوام سواء بسواء، لنتبادل مكايد الرذيلة و الاتضاع ضد بعضنا بعضا ، خاصة في العشرية الأخيرة..
سيدي الرئيس، إن مجيئكم جعل شعبنا يتنفس الصعداء ، و هو يحسب نفسه قد فلت بأعحوبة و عناية إلهية من قبضة الرداءة بشق الأنفس ، و إن كان الخطر ما زال جاثما، و ما زالت قلوب الموريتانيين تراوح بين خفقان الوجيف و اضطراب الرجيف ، بين ألم لم ينته بعد و أمل لم يتأكد !
إن الشعب الموريتاني و نخبه الوطنية المطمورة و المغمورة بأكوام الرداءة الطافية على كل السطوح ، و ليس مجاميع النفاق الاجتماعي و التملق السياسي العابرين للأنظمة، هو مستودع الطاقة الهائلة ، التي إن وفقتم في تحريرها من الجوع و الخوف و الجهل و المرض، فستفلحون بمشيئة الله و توفيقه و عونه إلى اكتساب ثقته جميعا ، بمن فيهم أولئك الذين عارضوا ترشحكم أو اضطروا لذلك لعدم تمكنهم من إلتقاط الإشارات المبثوثة في ثنايا و ما وراء السطور من خطاباتكم بأنكم لستم تواصلا لنهج طالما أوجعهم بأفعاله و أرعبهم بسلوكه. غير أن إصرار رموز النظام المنصرف على الربط و الخلط بينهم و بينكم أظلم على الجميع منصة المشهد و أعتم بصيص الأفق المرموق من بعيد ؛ فأظهروكم ، في أسلوب مكايد محبوك، كالمحامي ، ناقص الخبرة، الملتزم بالمرافعة عن طرف واحد ، هو نظامهم و عشريتهم و " نهجهم "... إلى الحد الذي أعمى كثيرين ممن كانوا أملوا خيرا فيكم و استجابوا لحدسهم الأولي في جديتكم و قدرتكم على تحمل لواء التغيير و استيعاب الظرف و تجاوز النظام المنصرف ، الذي قضم البلاد و العباد ، قضم التفاحة، بنهم باثالوجي مرعب و مهين؛ مما جعل عشريته، في أعين الموريتانيين، خميرة شؤم و طوق إهانة له بالتجويع و الترويع و دفعه للافتتان الفئوي و العنصري ، سبيلا لرميه في أتون الفوضى في ظرفية دولية شهدت تمزق دول عربية نتفا و رمت بها في مهب ريح عاصف !
سيدي الرئيس، إن الشعب الموريتاني لم يبن ثقته على ما ستطرتم في برنامجكم الانتخابي ، على تقديرنا العالي لمجمله، و لكنه بناها مع أمله فيكم على أساس ما تربيتم عليه من ثقافة السلمية الأصيلة في مجتمعكم ، و على أساس ما تحليتم به من خلق كريم و حكمة بالغة و رزانة و رجاحة عقل في وجه الإرجاف شديد الأذى لشخصكم خلال فترة الحملة الانتخابية ؛ الأمر الذي يقيم الدليل على استعصائكم على الخفة و الاستدراج ، فضلا عما زاده في رصيد ثباتكم الشخصي و في القيمة الوطنية لمواقفكم المترفعة عن الهبوط للدعاية المسفة، باتجاه تعزيز الأمل ، أيضا، في قدرتكم على ترجمة تلك الحكمة الشخصية و تحويل تلك التربية الاجتماعية إلى سياسات و برامج و أفعال وطنية تعيد العدل و الإنصاف للمظلومين و المغبونين الذين قصت الظروف التاريخية القاهرة ألسنتهم ، فسكتوا على الأذى و صبروا على ما أوذوا، كما سكتم و صبرتم مراعاة للظروف غير المناسبة؛ ذلك ما سيوجب احترامكم ممن عارضوكم قبل من دعموكم ؛ حيث يأمل الموريتانيون أن تصل البلاد في ظلكم إلى إرساء رؤية وطنية تشاركية لنظام الحكم و ممارسة السلطة على مبدأ سيادة القانون على الجميع ، و على مبدأ النظر للمعارضة الديموقراطية كطرف أساس و أصلي لا غنى عنه في النظام السياسي ، بمعناه الشامل، بدلا من النظر إليها كعدو و طرف أجنبي على الدولة و مؤسساتها ؛ بما يصب في نهاية الأمر في مصلحة السلطة الحاكمة من جهة، و المعارضة الوطنية الديموقراطية النزيهة، و يقطع دابر دعاة الردة إلى الغواية و العماية و العياية و الغطرسة، من جهة أخرى ...
سيدي الرئيس، إن بعض الخطوات ، ذات الأهمية القصوى، قد تمر، دون إثارة انتباه أحد في لحظتها، و لكن بعضها الآخر يكتسي أهميته بقدر ألمه على منوال ألم إصلاح المجتمع الذي لا مفر منه ، كما يقولون. و إن من تلك الخطوات ، ذات الأهمية المتناهية تاريخيا و حضاريا و قيميا و معرفيا، و التي لن تزعجكم بها نخبة فرنسا صاحبة الصوت العالي في قطرنا و الشعوبيون المتحالفون معها ، رغم وجاهتها و وضوح و نبل مقصدها، مع ما تنطوي عليه من تعقيد تاريخي منهجي متعمد ، هو الدفع باللغة العربية إلى تبوء مكانتها الدستورية فعلا و ليس شكلا في التداول الرسمي الإداري و في الترقية الوظيفية و السياسية ؛ فقد استهلكنا ستين سنة من عمر دولتنا الوطنية و نحن سائرون على طريق المستعمر الفرنسي في تغييب، غير مبرر، للغتنا و هويتنا العربية ، دون طائل. فلا نحن حصلنا على رضا أعداء اللغة العربية المحليين و لا نحن قطعنا التشكيك في هويتنا بيقين الانتماء لها في حياتنا العملية !
سدي الرئيس، إن المخلصين ، و هم أكثر من المتملقين، من هذا الشعب لن يتخلفوا عنكم ، في ما أرى، طالما أبديتم خط سير وطني يعتمد الوضوح و المعقولية و الأخلاق؛ و في ذلك إشارة تطمين كافية للمترددين خوفا من العشرية، بأنكم في قطيعة مع عهود من الغموض و الارتجال و الانفعالات ؛ بما سيعيد للعمل السياسي في بلادنا بعده الأخلاقي المنخلع عنه منذ عقود، و يضع مراسي للنظام السياسي الديموقراطي المرتكز على دعامتي الأغلبية الحاكمة الناصحة و المعارضة الوطنية الديموقراطية النزيهة، آملين بهذه المناسبة أن يرتقي إخوتنا في المعارضة ، بقبول نتائج الانتخابات و الاعتراف بالرئيس، عن تكرار أسلوب التسعينيات من القرن الماضي ، و أن يساعدوا الرئيس المنتخب، الذي شهدوا له بالطيبة و الوطنية، في التحرر من لوبيات الضغط التي لن تدخر جهدا في عزله و لف الحبل حول عنقه ، حتى لا يغادر بلدنا مرحلة التجاذب و الاحتقان السلبيين، بهدف إبقاء المناخ السياسي مناسبا لسلوكهم ..
أخيرا، سيدي الرئيس.
إن التردد و ضعف الإرادة و الطيبة المفرطة هو ما يعول عليه خصومكم ، في مولاة النظام المنصرف و في العناصر المتشددين من المعارضة ، بعدما نشروا عنكم، بكثافة، هذه الصورة النمطية شديدة السلبية ؛ و هي صورة ما تزال حاضرة بقوة في أذهان الموريتانيين عن الرئيس السابق الطيب ، سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله. فعليكم باستخلاص العبر من ذلك و الاستفادة من دروس الخبرة ... و لا تنسوا أنه لا أمان من سم الأفعى إلا بقطع رأسها عن جسدها، و دفنهما منفصلين !!

# و تبقى موريتانيا و شعبها فوق كل اعتبار..

وفقكم الله..

عودة للصفحة الرئيسية