معركة التعريب في موريتانيا

الخميس 18-02-2010| 08:22

بقلم: المختار السالم

في هذا الأسبوع تمر الذكرى ال 44 لسفك أول دم يريقه الشعب الموريتاني في تاريخ الدولة الموريتانية (دولة الاستقلال)، الحصيلة الرسمية 6 قتلى و70 جريحا. لكن من سفك هذا الدم؟ ولماذا سفك؟ إن وراء الأمر حكاية عظيمة اسمها “ملف التعريب”.

يهيمن ملف التعريب في موريتانيا بشكل رئيسي على الرأي العام والطبقة السياسية في البلد، في كل الظروف، وتحت كل الأنظمة، ويشكل “قنبلة موقوتة” تعاود الانفجار من حين لآخر.

ولم تستطع موريتانيا بعد مرور خمسين سنة على استقلالها حسم هذا الملف، بالرغم من كل المحاولات والضغوط.. فما السبب؟

“الخليج” تفتح هذا الملف الساخن وتسلط الضوء على “معركة التعريب” في موريتانيا، راسمة الواقع، ومذكرة ب”التاريخ” ومشخصة نذر “أفق داكن” قد يتحول إلى اللون الأحمر في ظرف وجيز.

لقد حول الاستعمار وأتباعه اللغة العربية في موريتانيا، بلد المحظرة الشنقيطية العريقة، من لغة جامعة لشعب إلى موضوع فتنة أراقت الدماء، ومجال لمعركة بين النخبة، وكوارث للوحدة الوطنية، وتهديد بوضع هوية البلد على كف عفريت.. فلماذا؟

بداية، من الطبيعي التذكير هنا بالواقع الديمغرافي للبلد المتعدد الأعراق.. فموريتانيا تتكون من 4 عرقيات هي: العرب ويمثلون 84% من تعداد سكان البلاد، وثلاث قوميات إفريقية هي: الولف، التكارير، السنونكي.. وتمثل مجتمعة نسبة 16% من السكان.

وإذا كانت نسبة 84% من سكان البلد تشكل اللغة العربية لغتهم الأم المنطوقة من الولادة إلى اللحد، وجميع السكان مسلمون 100%، فإن السؤال يبرز بقوة حول أسباب معاناة “اللغة العربية” اليوم في بلد هكذا سكانه، تعايش موطنوه لقرون طويلة وكانت اللغة العربية هي لغة معاملاتهم وخزانهم الروحي والحضاري . قبل أن يأتي المستعمر ليجعل مجرد دراستها مجالا لنسف أسس التعايش السلمي.

عودة إلى التاريخ

لا بد من العودة للتاريخ ليفهم هذا الطلسم بالنسبة لأولئك الذين لم يعايشوا هذا المشكل .

ففرنسا التي نجحت في بسط سيطرتها العسكرية الاستعمارية على موريتانيا أوائل القرن الماضي لظروف معروفة، فشلت فشلا ذريعا أمام المقاومة الثقافية التي أبداها الموريتانيون للمدرسة الاستعمارية لغة ونمطا حضاريا .

ومع حصول موريتانيا على الاستقلال، كان أكثر من 95% من سكان البلد يعيشون في الريف، (كان سكان العاصمة الوليدة نواكشوط عند الاستقلال ألفي نسمة فقط) وكانت الإدارة الاستعمارية قد اعتمدت كليا في تكوين النواة الأولى لدولة الاستقلال على نخبة تعلمت بالكامل في المدرسة الكولونيالية.

والنتيجة وضع الدستور للغة الفرنسية لغة رسمية للبلاد، وطبعا لغة عمل، وكان النظام التعليمي الناشئ في البلد فرنسيا بالكامل باستثناء 6 ساعات أسبوعيا من اللغة العربية (اختياريا) .

ومع النزوح السريع للمواطنين صوب المدن هربا من الجفاف، وجدت الدولة نفسها أمام ضغط شديد من السكان الرافضين لتدريس أبنائهم في المدارس الفرنسية، ومن جهة الضغوط القوية التي بدأت تشكلها النخبة العربية، التي تكونت من البعثات الطلابية العائدة من الخارج، والتي رأت في وجود اللغة الفرنسية كلغة رسمية ولغة عمل تدميرا لحضارة البلد وهويته، ونجاحا للمستعمر عبر العامل الثقافي في تحقيق ما عجز عنه بالسلاح .

وهكذا لم تجد الحكومة وقتها سوى القبول بالأمر الواقع، وأصدرت على ضوء “محاولة لتقريب المدرسة من الوسط الاجتماعي والثقافي المحيط بها” و”استجابة للتطلعات الثقافية لأغلبية السكان”، أصدرت القانون رقم 26 لسنة ،1965 والقاضي بفرض ساعات فقط من اللغة العربية في التعليم الثانوي، وكان هذا القانون إيذاناً لأول مرة في تاريخ البلد بفتح فوهة المشكل العرقي .

فقد دفعت فرنسا والسنغال بالطاقم الإداري الإفريقي إلى التحرك بسرعة لمواجهة القرار الموريتاني بالتعريب، وهكذا قام الموظفون الأفارقة السامون في جهاز الدولة بتحريض الأقلية الإفريقية لمعاداة التعريب وطالبوا باستقلال فدرالي .

وبدأ ذلك بشن التلاميذ الأفارقة إضرابا يوم 4 يناير 1966 رافضين جعل اللغة العربية مادة إلزامية في التعليم الثانوي .

كما قام هؤلاء الأطر بإصدار البيان الشهير باسم “بيان التسعة عشر” حيث وقعه 19 إطارا ساميا في الدولة واعتبر قرار التعريب مجرد “خدعة وخيانة تستهدف اضطهاد السود ثقافيا وإقصاءهم من أجهزة الدولة” .

وقام هؤلاء بالتعبئة في صفوف الأقلية الإفريقية والتجييش العاطفي الذي يروج لكون: العربية ليست لغة الأفارقة، وأن التلاميذ الأفارقة سيجدون غبنا كبيرا بدراسة لغة لا يعرفونها إلى جانب العرب الذين يتكلمونها، وأن فرض التعريب مقدمة لتغيير هوية الأفارقة .

وجاء في بين “التسعة عشر” ما نصه: “يعرف البيظان (العرب) أن التعريب القسري سيقود البلد إلى الفشل، لكنهم مصرون على المضي في ذلك الاتجاه، تدفعهم عقدة النقص أمام التفوق النوعي للأطر السود، كما تدفعهم الرغبة الجامحة في اجتثاث المجموعة السوداء من محيطها الإفريقي وبالتالي احتوائها وإخضاعها لنمط حياتهم وتفكيرهم” .

وأضاف البيان “من الجلي أن الدراسة الإلزامية للغة العربية هي بالنسبة للسود اضطهاد ثقافي . كما أنها تمثل عائقا أمام النجاح في جميع الامتحانات للتلاميذ السود الذين، وبشكل واع، كانوا دائما يرفضون دراسة اللغة العربية لمعرفتهم أنها تكبح تطورهم الثقافي والعلمي وأنها ليست في مصلحتهم” .

لم يقف بيان “التسعة عشر” عند هذه الوقاحة اتجاه اللغة العربية، وهذا الدفاع المستميت عن لغة المستعمر الأجنبية، بل إن البيان أورد بالحرف “ننظر إلى هذه اللحظة باعتبارها بداية إعادة النظر في بعض أسس التعايش بين المجموعة السوداء والمجموعة البيضاء” .

وأبدى البيان نقده لحرص رئيس الدولة شخصيا على الإشارة إلى “أن موريتانيا، بأغلبية عربية، تحوي أقلية من أصول إفريقية”، مضيفا “كما لو أن وجود الأقلية المزعومة كان بسبب حادث في التاريخ بينما حادث التاريخ هي الغزوات البربرية” .

واعتبر البيان أن إقرار ترسيم اللغة العربية في الإعداديات “سيقود حتما إلى الفوضى والحرب الأهلية”.

وشجبت المجموعة “كل محاولة انتهازية تهدف لطرح مشكلة ذات طابع سياسي (العربية) تحت ستار ديني (الإسلام)” .

بيان “التسعة عشر” وضع موريتانيا على فوهة المشاكل العرقية بدعم من فرنسا والسنغال بحسب مذكرات الرئيس الراحل المختار ولد داداه .

ففي 6 فبراير 1966 نشبت مشاجرة في أقسام الثانوية الوطنية بنواكشوط بين التلاميذ العرب والأفارقة، وكانت الحصيلة عدة جرحى .

وفي 9 فبراير جرت أحداث 1966 الدامية في أحياء نواكشوط بين العرب والأفارقة، وذلك في غياب الرئيس ولد داداه الذي عاد للبلاد واصدر أوامره بتدخل القوات المسلحة للسيطرة على الوضع، بعد أن بلغت الحصيلة ستة (6) قتلي و70 جريحا من بينهم 20 حالة خطيرة .

واتخذ ولد داداه قرارات سريعة من بينها “إغلاق المؤسسات التعليمية بقية تلك السنة” وإجراءات عقابية في حق بعض التلاميذ والموظفين، وتعديل في الجيش والحكومة لإبعاد المتطرفين من القوميتين .

وفي مايو 1967 جرت أحداث أخرى خلفت ستة (6) قتلى، حسب الإعلان الرسمي .

ويؤكد الدكتور سيد إبراهيم ولد محمد أحمد في تقديمه لرؤية أكاديمية لهذه الأحداث “أن كل المعطيات الموجودة تشجع على القول بأن حركة القوميين العرب كانت بعيدة عن الأحداث الدامية سنة ،1966 ذلك أن هذه الأحداث لم تتم عن سبق إصرار وتدبير في الجانب العربي على الأقل” .

في نهاية الستينات، دفعت هذه الأحداث رواد الحركة القومية العربية لتأسيس الحركة الوطنية ذات الطرح اليساري في محاولة، في أحد جوانبها، لخلق طرح عام يبعد البلد عن الصراع القومي . وفي نفس السياق ازدهرت الحركات القومية، العروبية والإفريقية، وبدأ كل خصم في الرهان على “إصلاح التعليم” ليكون فرنسيا أو عربيا .

ولأن صراع النخبتين اتخذ شكل “التسوية السياسية ذات القناع التربوي”، حسب رأي المفكر محمد ولد أحظانا، فقد دفع ذلك السلطات لإقرار “إصلاح 1979”، ومن المفارقة أن هذا الإصلاح أقر نظامين تعليميين لدولة واحدة، نظام تربوي عربي يرتاده 20 ألف طالب، ونظام تربوي فرنسي يرتاده 4 آلاف طالب .

إصلاح 1979

ويضيف “كرس إصلاح 1979 القطيعة بين القوى الحية في البلد، ورسخ النزاع القومي، وحول التعليم إلى بؤرة لإنتاج الأضداد والأجيال المتجاهلة فيما بينها” .

ويؤكد أن هذا الإصلاح أنجب أخطر مراحل النزاع القومي في البلاد، وأشنع درجات التناكر بين القوميات. ومن تبعات ذلك الأحداث الدامية سنة 1989 بين المواطنين العرب والأفارقة في موريتانيا والسنغال والتي خلفت آلاف القتلى والجرحى والمفقودين .1989 وغيرها من مآس لا تنتهي .

لكن مما لا شك فيه أن إصلاح ،1979 بالرغم من العيوب، هو الذي حقق مكاسب ملموسة للغة العربية في مجال التعليم، قبل أن يقرر نظام ولد الطايع، وفي ضوء التقارب مع فرنسا، “إصلاح 1999” بتوحيد النظام التربوي على أساس إعطاء الأولوية للغة الفرنسية .

لقد قضى هذا الإصلاح، والمعتمد حاليا، على الامتيازات التي حصلت عليها اللغة العربية وكرس هيمنة اللغة والثقافة الفرنسية على التعليم والتوظيف والدولة برمتها .

وبعيد القضاء عمليا على مستقبل اللغة العربية، تعليميا وتوظيفا، بدأ الموريتانيون يسمعون لأول مرة وبقوة متزايدة مطالبة القوميين الأفارقة بمراجعة الدستور وإلغاء اللغة العربية كلغة رسمية للبلاد .

فمنذ المنتديات العامة للديمقراطية سنة 2005 والملتقيات الوطنية الأخرى، والحوارات والأدبيات السياسية، عاود موضوع التعريب والتغريب الطرح بقوة، واصطفت القوى السياسية إلى ثلاثة مستويات:

نخبة عربية تطالب بالمصالحة مع الذات وفرض نظام تربوي موحد يعتمد لغة الأغلبية على غرار ما تعتمده كل دول العالم . وتسعى هذه النخبة لفرض اللغة العربية كلغة عمل بدل اللغة الفرنسية .

وتحذر هذه النخبة من عواقب التغريب على البلد ووحدته الوطنية بل ومصيره ككيان، وقد ضغطت هذه النخبة بقوة على نظام الرئيس السابق ولد الشيخ عبد الله لجعل اللغة العربية لغة العمل، من دون جدوى.

وكان المرشح الرئاسي الوحيد الذي تبنى بند جعل اللغة العربية لغة عمل الإدارة هو مسعود ولد بلخير رئيس البرلمان .

النخبة الثانية هي النخبة الفرانكفونية التي لم تكتف بإفراغ التعليم عمليا من اللغة العربية، وإبقاء اللغة الفرنسية لغة الإدارة والعمل، بل بدأت تطالب وتسعى إلى إلغاء اللغة العربية من الدستور كلغة رسمية للبلاد .

ويبدو أن النخبة الفرانكفونية تحقق مكاسب متزايدة، ليس على حساب التعليم والتوظيف فحسب، بل أبعد من ذلك، إذ برزت مؤخرا قيادات سياسية من الأغلبية العربية تتبرأ من الهوية العربية وتعتبرها هوية تخلف واحتلال وقمع واستعباد مادي وروحي .

إن الواقع المر الذي تشعر به أغلبية الرأي العام الموريتاني إزاء فرض النظام الفرانكفوني على البلد، بل وضرب هويته في الصميم، لا يمكن معالجته بترويض العاطفة، وسياسة التهدئة، أو اللامبالاة حتى.

وما استخلصته “الخليج” من رصد الواقع، والكتابات المنشورة عن هذا الملف التي أوردنا بعضها هنا، والوثائق، وآراء الخبراء والمفكرين والناشطين، يضعنا أمام الخلاصة التالية إزاء سؤال: لماذا هذا الواقع؟

الجواب لن يكون مرضيا لأحد.. بل للحقيقة فقط.. فالطرح ذو الطبيعية “الشماعية” الرائج: لماذا تحولت نخبة من الأفارقة في موريتانيا إلى أعداء للعربية يمقتونها إلى هذا الحد؟ طرح لا مبرره له بالنظر في الجوهر، إذ إن أفارقة موريتانيا لا يمكن أن يحملوا مسؤولية هيمنة الفرانكفونية .

بل إن جرم “النخبة الفرانكفونية الإفريقية” أقل بكثير من جرم “النخبة العربية الفرانكفونية” التي خدمت المستعمر في عقر داره وفي عقر دارها ومجتمعها، ولا تسعى لغير موريتانيا مقاطعة فرنسية من حيث الهوية بعد أن استعصت على “الإلحاق” الجغرافي .

وهذه النخبة بالذات التي تتشكل من ضباط كبار في الجيش والأمن والاستخبارات، وإداريين سامين، وكبار رجال الأعمال، ومثقفين متغربين، وهلم جرا، هي التي تمسك بزمام قرار الدولة في ظل كل سلطة، وهي أحرص من الفرنسيين أنفسهم على مصالحهم الثقافية .

ويرى المصطفى ولد بدر الدين، أول النخب التاريخية التي تبنت ملف التعريب أن الفئة التي صنفناها بالثالثة، أي السلطة “هي رأس الحربة في محاربة الوطنيين والحسم في ملف التعريب، وأن هذه السلطة كلما كانت أقرب لفرنسا تحققت مكاسب أكبر للفرانكفونية”، مؤكداً “أن معالجة هذا الملف تتطلب تنظيم أيام حوارية للنخبة الموريتانية لكي تناقش الأمر بروية وتبت في مستقبل طبيعة المجتمع الذي نريده بعد عشرين سنة” .

خاتمة: إن الجهة الوحيدة في موريتانيا التي لم تغلق باب التوظيف والاكتتاب أمام الدارس باللغة العربية هي تنظيم “القاعدة”، وإذا استمر الازدهار الفرانكفوني في البلد على النحو الحالي فإن أمريكا ستصبح قريبا في غنى عن اشتراط إتقان العربية في سفرائها الذين تعينهم في موريتانيا.

الخليج الإماراتية

عودة للصفحة الرئيسية