رئيس الجمهورية القادم



موريتانيا: رئاسيات سابقة لأوانها؟



موريتانيا .. إلى أين؟



صفحة الاستفتاء



الوثائق السرية للسفارة الفرنسية فى نواكشوط (6)



ارشيف المفاوضات السرية بين موريتانيا والبوليساريو (2)



التقارير السرية للسفارة الفرنسية فى نواكشوط (5)



المفاوضات السرية بين موريتانيا والبوليساريو (1)



التعليم النظامي في برنامج الرئيس المنتخب



الاتحاد المغاربي... وضريبة اللّا اتحاد..



موريتانيا وأذربيجان... آفاق تعاون واسعة



محمد ولد محمد أحمد الغزواني مرشح المرحلة



الحي الساكن: الفقراء ضحايا السخرية!

الجمعة 23-10-2009| 19:20

من ضمن الخطوات اللافتة التي أقدم عليها الحاكم العسكري سابقا، محمد ولد عبد العزيز فور الانقلاب الذي قاده يوم 6 أغسطس 2008 بهدف كسب ود الشرائح الاجتماعية الأكثر فقرا، تمثل زيارته الغير مسبوقة للحي الشعبي المعروف بتسمية "الحي الساكن" موقع الصدارة.

في هذا الحي وعد ولد عبد العزيز السكان الذين سئموا من الانتظار لأزيد من ثلاثين سنة داخل أكواخ لا تليق حتى "بالدجاج" حسب تعبيره.. وعدهم بتأهيل حيهم وتوزيع القطع الأرضية عليهم حيث يتواجدون.. وقد كانت تلك الخطوة الموجهة إلى الشرائح الأكثر هشاشة من السكان وراء تسمية الجنرال "رئيس الفقراء" مما كان له تأثير فاعل خلال الحملة الانتخابية للرئاسيات الأخيرة.

وبالفعل شرعت الجهات المعنية في الدولة غداة زيارة الجنرال الشهيرة للحي الساكن في تأهيل هذا الأخير، وتم تكليف وكالة التنمية الحضرية والمصالح الإدارية المختصة في مقاطعة دار النعيم بالإشراف على عمليات توزيع القطع الأرضية على السكان سعيا إلى إنهاء معاناة طويلة استمرت أكثر من ربع القرن من الزمن.. لكن، وكما العادة دائما، شكلت تلك العملية فرصة ذهبية للأغنياء من رجال الأعمال والتجار وكبار المسؤولين والشخصيات النافذة للاستفادة من هذه الأراضي الثمينة وتحقيق أرباح خيالية من ورائها، تاركين آلاف الفقراء في الحضيض ليجد أحسنهم حظا أنفسهم مرميين دون شفقة في منطقة "لغريكه" الغير قابلة للسكن بفعل المياه التي تغمرها بعد كل تساقط للأمطار، ولعل ذلك هو سر تسميتها بهذا الاسم.

وبعيدا عن أعين المراقبين، طفقت عصابة من المحتالين تلوي أعناق البؤساء تحت غطاء سلطة الدولة، وتمارس الأعمال الأكثر شبهة دون وازع ولا رادع من خلق أو قانون، وفي محيط من اللا عدالة والظلم، حسب ما يرويه الأيتام والأرامل والمعوقون عقليا وبدنيا، وأعينهم تفيض من الدمع وهم يعيشون تحت أشعة الشمس الحارقة منذ شهور عديدة داخل أعرشة أو خيم تعكس وضعيتها حالتهم المثيرة للشفقة.

قصة لا تصدق

م.ع.م. تاجر مسالم في الـ 50 من عمره، اشترى منزلا في الحي الساكن سنة 2002 بمبلغ 3 ملايين أوقية، وبطريقة قانونية تماما كما تؤكد ذلك الوثائق التي بحوزته (رخصة حيازة، إفادة بيع رقم 3342 بتاريخ 11 يونيو2002، رسالة منح)، وحين حصل الرجل على رخصة لبناء محطة للوقود قام بهدم المنزل الذي كانت أسقفه من "الزنك"، لكن تقدم عدة أشخاص بينهم (و.ب) يدعون ملكية نفس المنزل، فبعد معركة طويلة في أروقة القضاء أقرت لجنة رسمية شكلت بالمناسبة بعدم أحقية (و.ب) بالأرض على اعتبار أنه قام بتزوير رخصة حيازة، وحكمت لرجل الأعمال بتلك الأحقية، وفوق ذلك سلمته المحكمة قرارا بتنفيذ الحكم الصادر لصالحه.. لكن ما إن قرر مواصلة بناء مشروعه حتى تقدم شخص آخر بعد انقضاء أجل الاستئناف والطعن القانونيين، وادعى أنه مالك الأرض التي صدر بشأنها الحكم القضائي المذكور.

ومنذ سبع سنوات لم يتمكن م.ع.م من استثمار أرضه رغم كل الوثائق القانونية التي على أساسها حكمت المحاكم لصالحه، وذلك بسبب تواطئ السلطات الإدارية.. يحدث ذلك رغم أن مسؤولي وزارة الإسكان وبعض السلطات المعنية الأخرى يؤكدون أن ملفه لا يعاني من أية نواقص على الإطلاق.

ويبدو أن انخفاض رواتب الموظفين تجعلهم يلجأ ون أحيانا إلى تقديم تسهيلات لا تصدق لمن يعرضون عليهم ما يمكن أن يسد العجز الناجم عن تدني تلك الرواتب وفي هذا السياق عرض أحد هؤلاء الموظفين على رجل الأعمال المسكين إنهاء محنته الطويلة مقابل مبلغ 5 ملايين أوقية "تساعده في علاج زوجته المريضة بالسرطان"، بينما عرض آخر أن يقدم له المعني اثنتين من القطع الأرضية التي يخصصها لمحطة الوقود مقابل تسوية المسألة.

وبدوره أوضح له مسؤول كبير في دار النعيم أن 3 ملايين أوقية كفيلة بمنحه القوة الكافية لفرض القانون، وأمام كل هذه العقبات الكأداء اضطر م.ع.م إلى الاستعانة بأحد معارفه الذي استعان بدوره بوزير سابق للتجهيز، وهذا الأخير طلب من السلطات المختصة دمج أرض الرجل ضمن المخطط العمراني الوطني، إلا أن ذلك الطلب بقي دون استجابة. واليوم جيء بنساء لا يعرف أحد من أين وتم وضعهن في أرضه على أساس أنها قطع أرضية وزعت عليهن في إطار عملية تأهيل الحي الساكن، في الوقت الذي يمنع فيه رجال الحرس مالك الأرض الشرعي حتى من مجرد نصب خيمته عليها.

وهكذا بقي رجل الأعمال المسكين تائها لا يعلم أي ذنب اقترفه بين مكاتب مقاطعات دار النعيم ووكالة التنمية الحضرية والمحكمة.. ويبدو أن خطأه الوحيد أنه اشترى أرضا ذات موقع مسيل للعاب وأطماع المتنفذين من جماعات الضغط المصرة على مقاومة أي إصلاح للحفاظ على مصالح مرتبطة بالفساد والظلم ومص دماء المواطنين.

يا له من ظلم!

تجلس فاطمة، وهي عجوز متجعدة الوجه، تحت الشمس الحارقة جاثية على ركبتيها.. وقريبا منها طفلان صغيران يمسك أحدهما بقطعة خبز بينما يبدو الثاني مريضا.. تقول هذه السيدة "إنهما ولدا ابنتي (آيه) المصابة بمرض نفسي، وزوجها محمد مريض أيضا، وهو موجود داخل الكوخ هناك.. نحن خمس عائلات هنا نتقاسم كوخا وخيمة.. المرأتان هناك ابنتاي وهما مطلقتان.. لدي ولد وحيد عمره أقل من 30 سنة، يعمل ميكانيكيا وهو الذي ينفق علينا جميعا.. نحن ما نزال ننتظر منذ أن جاء الرئيس وأخبر الخبر السعيد بتأهيل حينا.. أنا لم أحصل على شيء، ابنتاي لم تحصلا على شيئ كذلك.. مع أننا نعيش هنا منذ تسفيرنا من السينغال قبل عشرين سنة بالضبط.. جارنا الذي هو عقيد في الجيش جاء إلى هنا منذ أشهر فقط، حصل على ثلاث قطع أرضية وهو يهددنا كل يوم بنقلنا من هنا ليكمل قطعة أرضية رباعية (تحيط بها الشوارع من كل الجهات)".. كان وجه العجوز المسكين يعكس البؤس واليأس.

وغير بعيد من ذلك، على شارع محمد ولد عبد العزيز، تتجمع مجموعة من النساء والرجال والولدان حول بقايا أكواخ فككتها للتو فرق الحرس، وتقول إحدى النساء وهي تحمل رضيعا يحمل اسم "رئيس الفقراء"، إن وكالة التنمية الحضرية والحاكم "يريدان نقل الناس إلى "لغريكه" ليمنحوا أرضهم للتجار".. ويضيف أحد الرجال المتجمعين في المكان وهو يستشيط غضبا "لديهم طريقة بسيطة حيث يقولون لنا إننا نحتل ساحة عمومية، وبعد ذلك يمنحون نفس المكان لرجال أقوياء ونساء نافذات.. انظروا الي هذا المنزل من طابقين ففي مكانه كان يعيش بلال ومارية منذ أزيد من عشرين سنة.. ومالكه الحالي ليس من سكان الحي الساكن.. كثير من الذين حصلوا علي أفضل القطع الأرضية هم من تفرغ زينه وعرفات وتوجنين وغيرها من الأحياء الراقية في انواكشوط.. وتلك الأرض الشاسعة المسورة التي ترونها هناك يملكها رجل يعرفه الجميع.. ويملك أخوه خمسة قطع أرضية متجاورة.. وتلك المرأة صاحبة السيارة رباعية الدفع الفارهة لديها 15 قطعة متلاصقة.. وكل تلك الأرض تقع على شارع محمد ولد عبد العزيز.

يتحدث هؤلاء كذلك عن تجاوزات عديدة لا تصدق.. مثلا قصة مكفولة التي يقولون انها سيدة "فقيرة ومعوقة جسديا منحت أرضها لرجل ثري دون علمها وحين رفضت استبدالها بقطعة في "لغريكه" أصبحت تعيش في الشارع".. ويجمع المتضررون من عمليات التحايل على قطع الحي الساكن الأرضية على أن سيدة ذات سطوة تعمل في مقاطعة دار النعيم تتمالؤ مع موثق لاستصدار ما تشاء من وثائق للتحكم في القطع الأرضية وإجهاض قرارات رئيس الدولة.. وهم أيضا لا يترددون في اتهام السلطات الإدارية بمقاطعة دار النعيم من جهة ووكالة التنمية الحضرية من جهة ثانية بالوقوف وراء ما يعانون من ظلم وتحايل.

بن عبد الله

عودة للصفحة الرئيسية