رئيس الجمهورية القادم



موريتانيا: رئاسيات سابقة لأوانها؟



موريتانيا .. إلى أين؟



صفحة الاستفتاء



الوثائق السرية للسفارة الفرنسية فى نواكشوط (6)



ارشيف المفاوضات السرية بين موريتانيا والبوليساريو (2)



التقارير السرية للسفارة الفرنسية فى نواكشوط (5)



المفاوضات السرية بين موريتانيا والبوليساريو (1)



التعليم النظامي في برنامج الرئيس المنتخب



الاتحاد المغاربي... وضريبة اللّا اتحاد..



موريتانيا وأذربيجان... آفاق تعاون واسعة



محمد ولد محمد أحمد الغزواني مرشح المرحلة



النفط الموريتاني: عائدات ضئيلة.. ودمار للبيئة والثروة السمكية

تنبيه: نرجو من كافة الزملاء في المواقع والصحف الالتزام بأخلاقيات المهنة واحترام حقوق النشر وعدم إعادة نشر المواد المنشورة في "أقلام" دون نسبتها لمصدرها أو الحصول علي ترخيص مسبق..

الأحد 13-12-2009| 01:04

تحقيق: احمد ولد المامون

بعد ثلاث سنوات من البدء في استخراج وتصدير النفط الموريتاني من حقل شنقيط، وما تخللها من تراجع كبير في مستوي الإنتاج اليومي (8000 الي 10.000 برميل يوميا) مقابل 75 ألف برميل يوميا كانت هي توقعات شركات التنقيب وروجت لها الدعاية الرسمية بكثير من الزخم والصخب.. يبدو اليوم ذهبنا الأسود شبيها بالكبريت الأحمر الذي يذكر ولا يري.. فباستثناء البيانات التي يتم نشرها علي شكل تقطير والتي لا تتحدث في الغالب إلا عن العموميات (التقرير الشهري للجنة الوطنية لمراقبة عائدات النفط) والوعود بغد أفضل من حكامنا.. تبدو اللوحة قاتمة، فتراجع الإنتاج يرافقه تخريب ممنهج لنظامنا البيئي، وتدمير لثروتنا البحرية، وتتزايد مخاطر الاحتباس الحراري.. ويزداد قلق الخبراء والمهتمون بالبيئة من أن يتحول هذا النفط في نهاية المطاف الي غول كبير يجرف كل شيئ في طريقه.

لقد بدأ هذا الاعتقاد في الترسخ عندما قبل صناع القرار عندنا بالتوقيع (مقابل ماذا؟) علي عقود لتقاسم الإنتاج تضر تماما بمصالح بلدهم. ففيما يخص حقل شنقيط الذي انطلق إنتاجه في ابريل 2006 (الحقل الوحيد المستغل حتى الآن) ستذهب 65% من عائداته للشركات الأجنبية لتعويض تكاليف التنقيب والاستغلال منذ بداية رحلة البحث عن النفط في مياهنا، ولموريتانيا من هذه النسبة 12% وقمنا ببيع 9% منها عام 2004 بثمن بخس لشركة بريطانية تدعي "استرلينغ أنرجي" في ظروف أقل ما توصف به أنها غير شفافة ومشبوهة. ونسبة 35% المتبقية من العائدات وتسمي "الأرباح" لا تتجاوز حصة الدولة الموريتانية فيها 25% وبعملية حسابية بسيطة يتبين ان مجموع ما تحصل عليه موريتانيا فعليا من ريع نفطها هو نسبة 10% فقط.

الأخطاء الجسيمة

يذهب الكثير من الخبراء الي تحميل المسؤولية عن الاتفاقيات المجحفة لمرونة وتساهل المفاوض الموريتاني مقابل شريك أجنبي جشع لا يتورع عن استخدام مختلف أشكال الإغراء والضغوط.

أول نقطة غير صحيحة تمثلت في تقدير التكلفة الحقيقية لعمليات التنقيب والاستغلال، فالشركات الأجنبية (ممثلة في وودسايد حينها) أصرت علي اعتماد مبلغ 750 مليون دولار ككلفة لتطوير حقل شنقيط و200 مليون دولار كنفقات لعمليات الاستكشاف، وهو ما يناهز مليار دولار سيكون من اللازم اقتطاعه من العائدات دون ان يحق لموريتانيا إثارة أي اعتراض، علما أن الأخيرة لا تتوفر علي فنيين ولم تطلب أبدا دراسة مضادة لتقييم الكلفة من مكتب أجنبي متخصص في هذا المجال.

ومع أن الأمر يطرح مشكلة حقيقة لم يتقدم حينها لا الوزير ولا مسؤول مشروع شنقيط بأبسط اعتراض علي هذه التكاليف التي ظلت ترتفع باضطراد. فقد كان بإمكانهما، علي الأقل، أن يفاوضا بشان تكاليف البحث والاستكشاف في منطقة حقل شنقيط (المقطع رقم 6) لكي لا تكون علي حساب حصتنا من الإنتاج، وأن لا يتم إدراج كلفة التنقيب السلبي (الآبار الجافة مثل كوربين في المقطع 6) الي الكلفة القابلة للاسترجاع، ذلك ان المسألة تتعلق عادة باستثمارات تطبعها المجازفة، وتقبل بها الشركات وهي لا تضمن نتيجة ولا يجب ان تكون معوضة، اللهم إلا إذا وجد شريك متساهل مثلنا.

المشكلة الثانية هي أن المفاوضين الموريتانيين لم تكن لديهم في السابق فكرة عن نوعية مخزون شنقيط ولا عن التركيبة الكيميائية للسائل الذي سيبيعونه ويتفاوضون في حصتهم منه. علما أن الفوترة تتم وفقا لهذه التركيبة، فمثلا إذا أعلنت الشركات الأجنبية ان كثافة المنتوج 0.9% في حين أنها 0.85% فسيعني ذلك أن عدة دولارات ستعود إليها عن كل برميل مجانا ودون ان يدرك الطرف الموريتاني ذلك.

تدمير البيئة

وفضلا عن هذه المشاكل المتعلقة بالفوترة، هناك جانب آخر يثير قلقا أكثر من غيره، وهو الجانب المتعلق بالبيئة، ذلك ان الباخرة النرويجية (بيرج هيلين) المستخدمة كمنصة للاستخراج والتخزين (مؤجرة بمبلغ 5 ملايين شهريا) ذات قاعدة بسيطة وحوض واحد الأمر الذي يحمل مخاطر جمة علي البيئة، وهنا أيضا لا تملك موريتانيا وسائل لرقابة ما يقذف في البحر ولا لمعرفة الانعكاس الحقيقي علي البيئة بشكل دقيق.

يستخرج النفط من عمق البئر في شكل مزيج من الماء والغاز والنفط والأتربة وبعض المواد العضوية المتحللة، بعد ذلك تتم معالجة الخليط علي سطح المنصة العائمة "بيرج هيلين" باستخدام أجهزة ضاغطة لفصل النفط الخام عن الماء والغاز ليتم تخزينه في محطة التخزين العائمة FPSO حتى تجميع كميات كافية لتصديرها.

الماء والغاز والأتربة المتبقية من عملية فصل النفط تحتوي علي كميات من النفط الخام لم تفصل وغازات سامة ومواد عضوية ملوثة، وبحسب خطة حماية البيئة المتفق عليها بين ممثل الشركات الأجنبية (بتروناس حاليا) والحكومة الموريتانية فان الأولي ملزمة إما بإعادة معالجة المياه والغازات حتى التأكد من عدم احتوائها علي النفط والمواد الملوثة قبل التخلص منها في منطقة محددة ومتفق عليها داخل المياه الوطنية، أو أن تقوم "بتروناس" بتجميع تلك النفايات في حاويات والتخلص منها خارج المياه الموريتانية.

الخطير أن بتروناس، وقبلها وودسايد، لا تحترم تلك الضوابط البيئية وتعمد الي إعادة إرجاع نفايات المياه والغازات الملوثة مباشرة الي قاع البحر. وحسب تقرير للشركة الموريتانية للمحروقات فقد قامت وودسايد خلال عام 2006 بإعادة 4 ملايين برميل من الماء الملوث المتبقي عن عمليات الفصل مباشرة إلي مياه البحر دون معالجته للتخلص من النفط الممتزج معه، كميات المياه تلك تحتوي علي النفط بمعدل 21.25 برميل لكل مليون برميل من الماء، أي انه تم سكب 86 برميل من النفط مباشرة في مياهنا، مع أن اتفاقية "ماربول" الدولية لحماية البيئة البحرية تحظر تجاوز نسبة النفط في النفايات المرمية في البحر معدل 3 براميل في كل مليون برميل من النفايات السائلة، أما ما تم قذفه في مياهنا فيمثل سبعة أضعاف المعدل الأقصى المسموح به دوليا، وهو ما يشكل خطرا كبيرا علي ثروتنا السمكية والأحياء البحرية.

بالإضافة إلي المياه الملوثة يؤكد التقرير أيضا حرق 30 مليون متر مكعب من الغاز الملوث المتبقي عن عمليات فصل النفط في أجوائنا مع احتوائها علي غازات ثاني أكسيد الكربون والنتروجين والأكاسيد العضوية السامة والتي تسبب الانحباس الحراري والاضطرابات المناخية الخطيرة.

وفي تقرير أعدته الباحثة الدولية وعالمة الأحياء البحرية، ساندرا اكًلوف، لحساب الإتحاد الدولي للطبيعة حول الانعكاسات البيئية والاقتصادية للنفط المستخرج من حقل شنقيط وأيضا لعمليات التنقيب الجارية في عدد من المقاطع علي الشواطئ الموريتانية، أشارت الباحثة الي ان منطقة النشاط النفطي تحت أعماق المحيط في موريتانيا تتميز بكثافة أنشطة الصيد بها، وهي أنشطة ستكون "منطقة مخاطر معتبرة علي صعيد التداخل الجلي بين الكميات المصدرة من الأسماك والبني التحتية النفطية"، وزيادة علي ذلك "يصعب تقييم انعكاسات التلوث الذي تحدثه صناعات النفط علي منطقة الصيد بدقة، كما انه من المستحيل فعلا القيام بتقييم اقتصادي دقيق للتلوث المزمن الذي تتعرض له مخزونات الأسماك" كما ورد في التقرير.

ومن المؤكد أن استغلال النفط يمكن ان يدر فوائد اقتصادية تحتاج اليها موريتانيا بشكل كبير، لكنها قد تسبب أضرارا تفوق الفوائد إذا لم يتخذ الحد الأقصي من الحيطة.

ويشير تقرير الباحثة الدولية إلي أن المخاطر البيئية علي الشواطئ الموريتانية لم تبدأ فقط من مرحلة استخراج النفط، فقبل الاستغلال كان الخطر يتمثل في الدراسات الزلزالية، مع أن شركة وودسايد تجنبت في تقاريرها الإشارة الي انعكاسات الدراسات الزلزالية علي البيئة البحرية في الفصل 25 (تحديد المخاطر البيئية). وتذهب الباحثة اكلوف الي أبعد من ذلك لتؤكد أنه في موريتانيا "تمت الدراسات الزلزالية في وقت لم تكن لدي الشركات النفطية معلومات كافية حول البيئة البحرية الموريتانية، ولم تكن تعرف إن كانت تطلق قذائف بنادقها الهوائية نحو طيور مهاجرة أو نحو أسماك في وضعية تكاثر".

ويعرض التقرير حالة شركة دانا بتروليوم البريطانية التي تقوم بالتنقيب في مقاطع بحرية في الساحل الموريتاني، والتي أجرت وبشكل متكرر عمليات مسح زلزالي ثلاثي الأبعاد في المقاطع 7 و1 أثناء فترة هجرة الأسماك نحو الجنوب للتكاثر.

الأسوأ قادم

يبدو أننا لم نر بعد شيئا، فمن بين التأثيرات الأكثر وضوحا ينتظر أن يظهر في المستقبل القريب ما يعرف ب"التيار الأمريكي" الذي تحمله مياه تفريغ السفن والذي يحدث تغييرا جذريا في البنية التكوينية لمناطق شاسعة. ففي البحر الأسود مثلا أدي التيار الي تقلص المصادر الغذائية للأسماك ذات القيمة التجارية، ومن ثم قضي علي مخزون هذه المنطقة من الأسماك. كما يهدد قذف مياه الاستخراج بدوره بخلق مشكلة حادة، ذلك ان الصيغة النهائية للدراسة تخلص الي أن "مياه المخزون المستخرج بعد عزل النفط عنها ستقذف من علي المنصة العائمة نحو البحر دون تحديد مدي ذلك". فماذا عن موريتانيا التي ليست لديها وسائل للرقابة علي ما سيقذف في بحرها؟ تتساءل معدة التقرير.

وتضيف الباحثة في تقريرها " الخرق الأكبر الذي قبله الموريتانيون دون أن ينبسوا بكلمة، هو تواجد الباخرة FPSO التي ستشكل منصة يتم فيها تخزين خامات النفط، مع أن وودسايد كانت قد تعهدت بتبني النظم الأسترالية فيما يتعلق بالبيئة وتطبيقها علي حقل شنقيط. ووفقا لهذا التعهد فان وودسايد ستلتزم بنفس التدابير التي طبقتها في حقل "إينفيلد" الأسترالي الذي تشرف عليه بالنسبة لحقل شنقيط، ومن تلك التدابير توفير منصة عائمة جديدة من حوضين حسب نظم "سويس وماكس"، مع طاقة تخزين محدودة ب 150 ألف متر مكعب، بينما منصة "بيرج هيلين" في حقل شنقيط لا تتوفر إلا علي حوض واحد وتصل طاقتها التخزينية الي 318 ألف متر مكعب من النفط". وبعد حلول الماليزية بتروناس محل وودسايد لم يتغير أي شيء في الاتجاه الإيجابي.

ويخلص التقرير الي أنه "من وجهة نظر موريتانية يمكن تفهم الاهتمام باستخراج النفط، لكن الأمر يتعلق بمشكلة حساسة، وفي نفس الوقت بخيار اقتصادي غير مأمون العواقب. وهو ما يجل موريتانيا ملزمة بفرض تشريعاتها علي الأنشطة النفطية، خاصة التشريعات الخاصة بالبيئة بشكل يساوي في صرامته ما هو مطبق علي المشروع الأسترالي".

يبقي أن نتمني، فقط، ان لا يكون الأوان قد فات، فيهدر نفطنا دون ان يكون نصيبنا منه أكثر من 10% وتدمر ثروتنا السمكية، ويرحل الأجانب تاركين مقبرة من النفايات في شواطئنا، وظواهر الاحتباس الحراري بعد ان يستنزفوا كل شيء...

عودة للصفحة الرئيسية