رئيس الجمهورية القادم



موريتانيا: رئاسيات سابقة لأوانها؟



موريتانيا .. إلى أين؟



صفحة الاستفتاء



الوثائق السرية للسفارة الفرنسية فى نواكشوط (6)



ارشيف المفاوضات السرية بين موريتانيا والبوليساريو (2)



التقارير السرية للسفارة الفرنسية فى نواكشوط (5)



المفاوضات السرية بين موريتانيا والبوليساريو (1)



التعليم النظامي في برنامج الرئيس المنتخب



الاتحاد المغاربي... وضريبة اللّا اتحاد..



موريتانيا وأذربيجان... آفاق تعاون واسعة



محمد ولد محمد أحمد الغزواني مرشح المرحلة



كيف ينظر المغاربة لعلاقاتهم مع موريتانيا؟

المغرب الدولة الوحيدة القادرة علي إخراج موريتانيا من الأزمة

الجمعة 30-10-2009| 09:59

د.عبد الرحمن مكاوي*

سوف نلقي نظرة على الأسباب التاريخية و الإنسانية و الدينية التي تضع المغرب في موقع يسمح له بلعب دور الوسيط المحايد في الخلاف الداخلي الموريتاني، إن طلب منه ذلك من طرف الفرقاء المتخاصمين في بلاد المليون شاعر. ولنفهم مكانة المغرب والعاهل المغربي في قلوب الموريتانيين موالاة و معارضة كأمير للمؤمنين، لابد من الرجوع إلى تاريخ العلاقات العضوية بين البلدين التي تدحرجت بين مرحلة التوتر والنفور و الشك إلى مرحلة الانفراج و التحالف و التعاون. و في هذا السياق سوف لن أتعرض في هذا التحليل إلى الأحداث الجارية في هذا البلد الشقيق منذ 6 غشت 2008.

أعود إلى موضوعي حول الأسس التاريخية للعلاقات بين المغرب و موريتانيا، لأقول أن هذه العلاقات القديمة جدا عرفت عدة محطات في تطورها شملت عدة عناصر ذات أبعاد إما تصارعية أو سلمية بين البلدين الجارين. فطبيعة العلاقات بينهما كانت دائما هي المحرك الأساسي إما للحرب أو للسلام أو للتوتر أو للانفراج في منطقة المغرب العربي.

إن الحراك السياسي الموريتاني المغربي كانت تمليه معطيات سياسية، دبلوماسية، إيديولوجية، جغرافية، اقتصادية، ثقافية و دينية إقليمية او دولية بين الجارين. فالعلاقات التاريخية بين المغرب و جنوبه الصحراوي، والأمر هنا يتعلق بالصحراء الكبرى عامة، وولاية شنقيط (موريتانيا الحالية) خاصة، أمر ثابت تاريخيا ولا يحتاج للكثير من المراجع أو العديد من الشرح و التفسير.

قبل دخول الإسلام إلى شمال إفريقيا، المخطوطات القديمة كانت تطلق اسم موريتانيا على منطقة "المور" و "الأمازيغ" (البربر)، أي المنطقة الممتدة من طنجة (تانجيس) في الشمال إلى السنغال و مالي في الجنوب، و محدودة في الشرق بمملكة نوميديا (لمساغا) وفي الغرب بالمحيط الأطلسي.

و خلافا لما جاء في مقال للدكتور عثمان السعدي "أن الجزائر كانت موجودة منذ 5 آلاف سنة"، فإنني أؤكد أن العهد الروماني عرف عدة تقسيمات لمنطقة موريتانيا الكبرى: موريتانيا القيصرية، موريتانيا تنجتان، موريتانيا الصطيفية، و موريتانيا الصحراوية، و قد و صفها الملك جوبا الثاني الذي رسم حدود مملكته الواسعة التي كانت تضم المغرب الأقصى و موريتانيا و الصحراء الشرقية الجزائرية حاليا، وسماها ب’’مماليك امازيغين’’، الذين حكموا المنطقة طيلة عدة قرون خلت.

أما الجمهورية الإسلامية الموريتانية الحالية، فكانت تسمى ببلاد شنقيط قبل استعمارها من طرف فرنسا سنة 1899. فعند استقلالها سنة 1960، أصبحت هذه الدولة العربية الإفريقية ممتدة على مساحة مليون و ثمانين ألف كلم2، بلاد صحراوية قاحلة في معظمها، و لكن غنية بالنفط و الحديد و الذهب و الأسماك، إضافة إلى موقعها الجيو استراتيجي الهام. فنعمتها التي اكتشفت مؤخرا، تحولت في الوقت الحاضر إلى نقمة، بسبب الأطماع المختلفة القادمة من الجيران، و من طرف الشركات العابرة للقارات، وهذا عامل مهم في فهم عدم استقرار البلد الشقيق في الوقت الحاضر.

فموريتانيا قبل 1899 كانت تحت نفوذ و سيطرة جميع الإمبراطوريات التي حكمت المغرب الأقصى على مدى التاريخ. و كانت تسمى "بعمالة شنقيط" التي ينبغي تمييزها عن مدينة شنقيطي الموجودة في شمال أطار. فكزافي كوبولاني (Xavier Coppoloni)، الحاكم الفعلي الأول الفرنسي لموريتانيا، كثيرا ما كان يستعمل الصحراء الفرنسية في مراسلاته و مذكراته، لتمييزها عن الصحراء الإسبانية، اللتان كانتا تعتبران الامتداد الجغرافي و الطبيعي و التاريخي و الإنساني للمملكة المغربية.

فموريتانيا استعمرت انطلاقا من السنغال لأسباب تجارية، منها على وجه الخصوص احتكار تجارة مادة العلك (la gomme)، ففرنسا كانت تحاول إخراج الهولنديين و الانجليز الذين كانوا يتاجرون مع سكان شنقيط في هذه المادة الحيوية للأوروبيين. فقامت حروب كثيرة بين الدول الأوربية الاستعمارية على من يمتلك بلاد شنقيط، إلى أن جاءت معاهدة فرساي التي قسمت الكعكة بين الدول الأوربية، فقبائل اترارزة و لبراكنة و شنقيط و أدرار لم يستسلموا إلى فرنسا إلا بعد معارك طاحنة و مشاورات مكثفة مع المخزن المغربي، الوصي الفعلي على هذه القبائل التي كانت تعترف لسلاطين المغرب إما بسلطتهم الدينية أو الدنيوية (قبائل المخزن أو السيبة). فمقاومة الشيخ فاضل الجلامي والد الشيخ ماء العينين، زعيم قبيلة الترارزة، لفرنسا تمت بقوات وأسلحة و قيادة مغربية وبأوامر من سلطان المغرب آنذاك، الذي أعلن الجهاد على الصليبين في الصحراء الكبرى، و هذه الانتفاضة الصحراوية للقبائل المغربية كانت تواجه في ذات الوقت أطماع ومصالح إمبراطوريات أوروبية أخرى كانجلترا و هولندا، اللتان كانتا تبيعان السلاح إلى المغرب قصد طرد الفرنسيين من شنقيط. أما الزاوية التيجانية التي كان مقرها الديني و السياسي بفاس، فقد لعبت هي الأخرى دورا مفصليا في معارضة الوجود الاستعماري في الصحراء الكبرى نظرا لنفوذها الواسع في المنطقة، خاصة بعد استسلام الأمير عبد القادر الجزائري، المنتمي إلى هذه الزاوية المغربية، فتاريخ المنطقة يؤكد طلب قبيلة ترارزة من السلطان المولى إسماعيل العلوي بإرسال 9000 جندي مسلح لمساندة قبائل شنقيط لصد الاستعمار الفرنسي، فالتداخل الاجتماعي و السياسي بين القبائل في موريتانيا و المغرب الأقصى أكدته الهجرات المتعددة من الشمال إلى الجنوب و العكس صحيح، حركة عرفتها المنطقة قبل التصحر واستمرت إلى الآن (موريتانيا كانت تعني اصطلاحا باللغة الفينيقية موري MAURI).

فبعد نجاح الاستعمار الفرنسي وحليفه الاسباني في الاستيطان في الصحراء الغربية الاسبانية و الصحراء الجنوبية الفرنسية، هاجرت الكثير من القبائل الموريتانية قسرا إلى المغرب، وهكذا أخمدت بالحديد و النار كل المقاومات الموريتانية و ضربت كل الزوايا و فكت كل طرق التواصل التجارية و الدينية في هذه المنطقة التي كانت ولايات مغربية حسب كل المراجع التاريخية و خاصة الفرنسية و الاسبانية و العثمانية.

فالهجرة إلى الشمال لم تتوقف حتى بعد استقلال موريتانيا الإسلامية سنة 1960، حيث هاجرت عدة عائلات شنقيطية التي كانت تساند مغربية موريتانيا و ضرورة عودتها إلى المغرب، و من بينها بعض الزعامات الوازنة و خلفاء بعض الزوايا و زعماء قبائل قوية، فالمغرب لم يعترف بهذا المولود الجديد في شمال إفريقيا، والدي صنعته فرنسا الاستعمارية الساعية إلى فصل موريتانيا المستقلة عن فضاءها العربي و الإسلامي والمغاربي وإدماجها في الفضاء الإفريقي (إفريقيا الفرانكفونية AOF). فمنذ استقلال هذا البلد العربي لم يعرف استقرارا سياسيا نظرا لعدة أسباب منها: الأطماع الإقليمية و الدولية و الجفاف و الفقر و العصبية القبلية. فالرئيس و لد داده، رحمه الله، أطيح به في انقلاب عسكري تبعته عدة انقلابات عسكرية.

فالعصبية كانت دائما المحرك الأساسي في نمط التداول على السلطة. فللعلم، فموريتانيا كانت مقسمة سياسيا و اجتماعيا إلى أربعة مجموعات قبلية أساسية على رأس كل واحدة منها أميرا أو خليفة ينوب عن سلطان المغرب. هذه الإمارات ظهرت منذ عهد إمبراطورية السعديين إلى غاية 1900. مجاميع قبلية لم يحدث فيها أي تغيير جوهري إلى الآن، فهناك إمارة الترارزة، و إمارة لبراكنة، وإمارة شنقيط، و إمارة أدرار.

وتفرعت عن هذه القبائل عدة كيانات صغيرة تابعة إلى القبائل الكبرى المذكورة سلفا، فإمارة شنقيط كانت جزءا لا يتجزأ من المغرب إلى حدود سنة 1920، سبع سنوات قبل ضم فرنسا لتندوف و بشار إلى مقاطعة الجزائر الفرنسية. فأصبحت كل الإمارات تابعة إلى عاصمة السنغال الاقتصادية سان لوي(Saint Louis)، فنواكشوط لم تصبح عاصمة لجمهورية موريتانيا الإسلامية إلا في سنة 1960.

علاقات الدم و التاريخ لازالت قائمة إلى الآن بين الجمهورية الإسلامية الموريتانية و المملكة المغربية، بدليل أن احتفالات المغرب مؤخرا بميلاد الأميرة للا خديجة، بنت الملك محمد السادس قد احتفل بها كذلك في شنقيطي التي أعطت للمولودة الجديدة لقب مواطنة شرفية للمدينة الصحراوية الموريتانية. وهذا الإجراء الشعبي والديني الذي قد لا يفهم من طرف المؤرخين والمتتبعين الغربيين و السفسطائيين العرب، هو تعبير واضح و أخوي للعلاقات العائلية العميقة التي تجمع الدولة العلوية الشريفة و قبائل شنقيط، علاقات دفعت ببعض الموريتانيين سنة 1960 إلى المطالبة بضم المغرب الأقصى إلى الجمهورية الإسلامية الموريتانية (طلب المرحوم حمدي ولد مكناس وزير الخارجية الموريتاني و مندوبه بابا مسكي إلى الأمم المتحدة، هذا الأخير الذي تقلد فيما بعد مهام وزير خارجية الجمهورية الصحراوية الوهمية)!

لقد نوقش الموضوع في المنتظم الدولي بتشجيع جزائري و فرنسي، تحت ذريعة أن المرابطين هم موريتانيون (الملثمون)، و قد حكموا المغرب الأقصى و الأندلس لمدة قرون، إلا أن الطلب الموريتاني آنذاك انقلب إلى نكتة أو مسرحية دبلوماسية، لان إمبراطورية المرابطين كانت عاصمتها مراكش، وهذا خير دليل على التداخل بين الشعبين الموريتاني والمغربي، فالخلاف الموريتاني المغربي القصير في عمره كانت له أسباب موضوعية ترجع إلى التدخل الاستعماري والإقليمي السلبي في الارتباطات التاريخية والإنسانية و الدينية و الثقافية بين البلدين الجارين، فلقد كان يصور المغرب بمثابة الغول الذي سوف يبتلع موريتانيا، فاعتراف المغرب باستقلال هذا البلد الشقيق أعاد اللحمة إلى العلاقات الأخوية القديمة بين الشعبين وقطع الطريق أمام كل التدخلات الأجنبية التي كانت تدفع في اتجاه القطيعة التامة بين المغرب وموريتانيا.

في هذه الظروف، انتهزت الجزائر فرصة الفراغ الدبلوماسي بين موريتانيا و المغرب رغم استمرار التواصل الثقافي و الديني و الاقتصادي بينهما للتسرب إلى كل مفاصل الدولة الموريتانية (اقتصاد، جيش،تعليم، استخبارات...الخ) إلى درجة اعتبرت من طرف المرحوم هواري بومدين "ولاية من الولايات الجزائرية" و أن "المرحوم ولد داده ما هو إلا حاكم تحت الوصاية الجزائرية" (un vice-président)، حسب تصريح المرحوم الرئيس الموريتاني ولد داده لجريدة" لموند" الفرنسية سنة 1978، حالة دفعت بالعسكر إلى سلسلة من الانقلابات المتكررة، فانحياز موريتانيا إلى الجزائر في الفترة الممتدة بين 1960 إلى 1969 كانت و لازالت نتائجه و تأثيراته الجيو استراتيجية قائمة إلى الآن، تحالف بني على أساس مكره أخوك لا بطل !.

إن حرق المسجد الأقصى ودعوة المغرب إلى انعقاد قمة إسلامية للبحث في الموضوع، سهل عودة موريتانيا إلى أصولها الطبيعية والإنسانية أي موريتانيا الكبرى، فالاعتراف المغربي بدولة موريتانيا الإسلامية غير من التحالفات في المنطقة رأسا على عقب، فالدولتين قامتا بتحرير الصحراء الاسبانية معا واقتسمتا الإقليم بناء على الرأي السياسي لمحكمة العدل الدولية، وطبقا لاتفاقية مدريد التي بموجبها سلمت اسبانيا للمغرب وموريتانيا الوصاية على الصحراء باعتبارها امتدادا جغرافيا وإنسانيا وتاريخيا للبلدين.

فالمغرب لا يرى في موريتانيا حاجزا أو عائقا سياسيا أو دينيا أو أمنيا يقطعه عن جذوره الإفريقية، كما أن الموريتانيين بدورهم لا يرون في المغرب تهديدا مباشرا لهم. وبناء على هذا التحالف العضوي بين البلدين، نشأ محور باريس، مدريد، الرباط، نواكشوط ودكار. أمام هذا الوضع الجيوستراتيجي الجديد في شمال إفريقيا و بعد التهديد و الوعيد، قام المرحوم الرئيس بومدين بعدة محاولات عسكرية للإطاحة بالرئيس ولد داده مستعملا كتائب البوليساريو المؤطرة و المسلحة من طرف الجزائر، و بعد فشلها، قامت الجزائر بتحريك بعض الضباط الموالين لها، دافعة بهم في عمليات انقلابية متتالية للإطاحة بالشرعية الدستورية وهذا ما تم بالفعل. أما مصالح الجزائر و أهدافها في موريتانيا خلال تحالفها الغير الطبيعي من سنة 1960 إلى 1975، فيمكن تلخيصها في ثلاثة نقط أساسية هي: أولا الوصول إلى المحيط الأطلسي و محاصرة المغرب عدوها الإيديولوجي من الجنوب، وثانيا تصدير حديد مناجم غار الجبيلات عبر ميناء نواديبو، و ثالثا تكوين نخبة موريتانية تعمل لصالحها و لفائدتها في المنطقة.

فجمهورية موريتانيا الإسلامية هي بلد فقير و هش من الناحية السوسيو اقتصادية، و سكانها البالغ عددهم ثلاثة ملايين نسمة لم تقوى على الصمود أمام الحصار و الضربات الجزائرية، من 1976 إلى تاريخ استرداد وادي الذهب، الجزء الآخر من إقليم الصحراء الاسبانية الذي استرجعه المغرب تحت المطالبة الملحة لسكانه وقبائله، فمطالب موريتانيا في الصحراء الاسبانية كانت ضعيفة ولا تقوم على أية أرضية لا تاريخية و لا سياسية، ولم تكن هناك رغبة شعبية أو مصلحة مادية في الموقف الموريتاني، الذي لا يمكن تفسيره إلا بالتشجيعات الفرنسية والجزائرية السرية و العلنية بغية محاصرة المغرب.

لهذه الأسباب التاريخية و الإنسانية و الدينية و الجغرافية، يمكن القول أن العاهل المغربي الملك محمد السادس، هو الرجل الوحيد في المنطقة القادر على فك ألغاز الأزمة الموريتانية وإعادة اللحمة إليها، نظرا لتوفره على رصيد محترم عند الأطراف المتصارعة.

** أستاذ العلاقات الدولية ـ جامعة الحسن الثاني ـ المغرب

raamc@menara.ma

عودة للصفحة الرئيسية