رئيس الجمهورية القادم



موريتانيا: رئاسيات سابقة لأوانها؟



موريتانيا .. إلى أين؟



صفحة الاستفتاء



الوثائق السرية للسفارة الفرنسية فى نواكشوط (6)



ارشيف المفاوضات السرية بين موريتانيا والبوليساريو (2)



التقارير السرية للسفارة الفرنسية فى نواكشوط (5)



المفاوضات السرية بين موريتانيا والبوليساريو (1)



التعليم النظامي في برنامج الرئيس المنتخب



الاتحاد المغاربي... وضريبة اللّا اتحاد..



موريتانيا وأذربيجان... آفاق تعاون واسعة



محمد ولد محمد أحمد الغزواني مرشح المرحلة



طفح الكيل فعلا

الأربعاء 28-09-2011| 21:02

مرة أخرى تكشف السلطة أنها غريبة عن مجتمعها ومتعالية على انشغالاته وآماله. ومرة أخرى تظهر ولعها بالعنف وجاهزيتها المرضية لتفتيش نوايا مواطنيها ووصمهم بالخيانة بدل البحث في مطالبهم وإيجاد الحلول المناسبة لها. فمنذ اتضحت معالم مشروعها الجديد للحالة المدنية قبل أكثر من سنة وقطاع واسع من الرأي العام، يعبر لها بمناسبة وبدون مناسبة عن شكوكه واستيائه ورفضه لعملية جد مشبوهة في وسائلها وأهدافها.

وحتى الآن لم يسفر هذا المشروع –التي تعتبره السلطة أعظم إنجازاتها- سوى عن تعطيل الآليات السابقة للحالة المدنية ومضاعفة متاعب المواطنين الباحثين عن أوراقهم، وترك البلاد عاجزة عن تنظيم أية استحقاقات انتخابية وإثارة استياء جزء عريض من الرأي العام الوطني وجد في الإحصاء أكثر من محاولة إذلال، بل وسعيا مكشوفا لتنفيذ مخطط جهنمي يهدف إلى سرقة وطنهم، مما تسبب في احتجاجات واسعة النطاق طبعت الأشهر القليلة الماضية.

وسواء جرت تلك الاحتجاجات في نواكشوط أو في كيهيدي أو مقامه، فإن الرد يأتي جاهزا في شكل أمطار من الغازات المسيلة للدموع وهراوات قوات الأمن ومخافرها، ثم في شكل سيل من الاتهامات من قبيل خدمة "أهداف سياسية أو أجندة خارجية تستهدف النيل من استقرار البلاد"! وكأنه ليس هناك مواطنون لديهم الحق في تنظيم احتجاجات لتحقيق مطالب خاصة بهم وذات أهمية بالغة لديهم؟ أو كأن كل من يحتج على السلطة الحالية لا بد أن يكون خادما لأغراض تخريبية هدامة؟

ولم يتوقف الأمر عند ذلك الحد، فكان على الرصاص الغادر أن ينطلق في "مقامه" ليستقر في صدور مواطنين فيقتل أحدهم، كتطور طبيعي للمسار الذي أريد للأحداث أن تسلكه، حين تم تفضيل مقاربة التعنت والقمع والدفع بالأوضاع إلى الأسوأ. وفي خطوة غير مفاجئة يطلع وزير الداخلية على المواطنين من برج الاعلام الرسمي، لا ليقول أكثر من أن "عملية تقييدهم مستمرة"! ثم تلجأ السلطة إلى خدمات الوجهاء المرتشين وموظفي الدولة المنحدرين من الضفة، لاستخدامهم في تهدئة المحتجين، مستنسخة أسوأ تجارب العهد الدكتاتوري الغاشم!

هل يتعلق الأمر بسلوك نظام ديمقراطي يحترم حريات المواطنين وحقوقهم، ويعير أدنى احترام لانشغالات الرأي العام؟ وأكثر من ذلك هل يتعلق الأمر بسلطة تسهر على حماية الوحدة الوطنية للشعب وتجنيب البلاد الانزلاق في متاهات خبرتها كثير عبر تاريخها المشحون بالتوترات والانحرافات المدمرة؟ أم أننا أمام من يلعبون بالنار بحثا عن "خلق" خطر يشغل الشعب عن مطالبه الحيوية المتعلقة بتحسين ظروف حياته وإشراكه في صنع مصيره؟

من الواضح أننا أمام لحظة مفصلية طالما انتظرها عتاة العنصريين من حركة "افلام" وتفريعاتها الخارجية والمحلية، ومن يستمع إلى تصريحاتهم هذه وطبول الحرب التي يدقونها هنا وهناك، يكتشف حجم الانفعالات والعواطف التي يستقبلون بها أخبار المواجهات وكأن حلمهم القديم بات قاب قوسين أو أدنى من التحقق، بعد أن شعروا بعزلة خانقة وكاد اليأس أن يقتلهم. لكن من الواضح أيضا أننا أمام سلطة لا تدرك خطورة رمي آلاف الشباب في شباك ألئك الحالمين بشق وحدة صف الشعب الموريتاني وتمزيقه، بل لا تدرك حتى حرمة الدم الوطني ومخاطر البحث عن مكاسب سياسية ضيقة من وراء ترويع الشعب ببعضه البعض وتعميق الشكوك بين مكوناته!

وما لا تريد أن تفهمه هذه السلطة هو أن الأمر لا يتعلق بعمل فني يمكن لمهندسين بارعين تصميمه في غرف مكيفة، ولا بإجراءات وأوامر يتخذها بيروقراطيون قليلو الخبرة والتجربة، بل بتاريخ من التوجس والريبة بين مكونات الشعب طالما أججته منظمات ضيقة وغذته دول معروفة بعدائها لاستقلال البلاد ووحدة شعبها. يمكن أن يكون الاحصاء المثير للجدل يلبي حاجة ملحة للدولة ويمكن أن يكون القائمون عليه أكثر الموريتانيين وطنية ونزاهة، غير أن مستوى الثقة الراهن بين مكونات الشعب لا يسمح بتنظيم إحصاء بالمواصفات المعلن عنها! وبالتالي ليس من الإنصاف أن نجعل مجموعة من مواطنينا يشعرون بأن هناك من يتفضل عليهم بمنحهم جنسيهم، أو أن هناك من يستطيع أن يسلبهم حقهم في المواطنة!

ما نحتاجه اليوم هو تضميد الجراح السابقة واستعادة الثقة المفقودة أولا وقبل كل شيء، وهو ما يتطلب جهودا أكثر إلحاحا من تشديد إجراءات الحصول على الجنسية وعقد الصفقات مع هذا الممول أو ذاك ومحاولة محو الخطوط التي رسمتها العلاقات الدولية! فأية فائدة لجنسية وطن يتعاون الجميع على دفعه إلى الهاوية وتدميره؟ ومن ذا الذي سيكون بحاجة لجنسية لا تضمن الأمن والطمأنينة والثقة في المستقبل؟

عودة للصفحة الرئيسية