ثغرات جلية في قرار محكمة العدل الدولية بشأن الإبادة الجماعية في غزة

أصدرت محكمة العدل الدولية قرارها بشأن دعوى جنوب إفريقيا ضد دولة الاحتلال وتضمن الحكم جملة من التدابير. ومع أن تقييم هذا القرار من اختصاص القانونيين فإنه القرار  ثغرات جلية يدركها الإنسان العادي.
وهذا ما سنحاول إثارته في هذه الفقرات.  
تقدمت جنوب أفريقيا بدعوى في 84 صفحة، عرضت خلالها دلائل على انتهاك  دولة الاحتلال لالتزاماتها بموجب ميثاق الأمم المتحدة، وتورطها بـارتكاب أعمال إبادة جماعية ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.
وطلبت جنوب إفريقيا، من ضمن ما طلبت، من المحكمة إعلان إجراءات عاجلة "لحماية الشعب الفلسطيني في غزة"، ولا سيما من خلال إصدار أمر لإسرائيل "بالوقف الفوري لجميع الهجمات العسكرية".

 

المسار الزمني

- قدمت جنوب إفريقيا الدعوى يوم في 29 ديسمبر 2023 
- استمعت المحكمة خلال الجلسة الأولى يوم الخميس11 يناير 2024 لمرافعة الفريق القانوني لجنوب إفريقيا.
واستمعت لمرافعة دولة الاحتلال يوم 12 يناير 2024
- أعلنت المحكمة قرارها يوم الجمعة 26 يناير 2024
 وهذا يعني أن الفترة ما بين تقديم الدعوى وإصدار الحكم استغرقت حوالي 27 يوما، وقد يقول قائل إن هذه فترة قصيرة نظرا لما تتطلبه المحاكم عادة من وقت طويل لإصدار الأحكام.
قد يفهم هذا لو كان الأمر يتعلق بنزاع بين بلدين على أرض أو مشاكل حدودية لكن عندما يتعلق الأمر بإزهاق الأرواح وإراقة الدماء وتهجير المدنيين من بيوتهم بعد تدميرها فهذه الفترة تعد طويلة جدا ، فقد سقط خلال هذه المدة التي تقارب الشهر آلاف الشهداء أي ما يقارب ثلث الشهداء الذين سقطوا منذ بداية العدوان.
فإذا كان الأمر واضحا للناس العاديين من خلال متابعة النقل المباشر بالصورة والصوت للمجازر في غزة فلماذا انتظرت المحكمة كل هذه المدة لإصدار حكمها؟

 

 فقرات من القرار 

ذكرت رئيسة المحكمة أن المحكمة تشعر أنه من الضروري لها "الإشارة إلى تدابير معينة" من أجل حماية الحقوق التي تطالب بها جنوب أفريقيا، لافتة إلى أهمية وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة وجميع الأنشطة التي تتسبب في القتل والدمار والتحريض وعرقلة المساعدات.
وأردفت رئيسة المحكمة: "ترى المحكمة أنه فيما يتعلق بالوضع الحالي، يجب على إسرائيل، وفقا لالتزاماتها بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية فيما يتعلق بالفلسطينيين في غزة، أن تتخذ جميع التدابير التي في وسعها لمنع ارتكاب جميع الأعمال التي تدخل في نطاق المادة الثانية من الاتفاقية"، وأنه يتعين على إسرائيل أيضاً أن تتخذ إجراءات لمنع "فرض ظروف معيشية متعمدة بهدف التدمير المادي الكلي أو الجزئي، وفرض تدابير تهدف إلى منع الولادات داخل المجموعة .
وشددت الرئيسة على أن المحكمة ترى كذلك أنه يجب على إسرائيل أن تضمن، على الفور، عدم قيام قواتها العسكرية بارتكاب أي من الأفعال المذكورة، كما ترى المحكمة أيضًا أنه يجب على إسرائيل أن تتخذ الإجراءات التي في حدود سلطتها لمنع ومعاقبة التحريض المباشر والعلني على ارتكاب الإبادة الجماعية في قطاع غزة. 
وتابعت الرئيسة أن "المحكمة ترى كذلك أنه يجب على إسرائيل أن تتخذ تدابير فورية وفعالة لتمكينها من توفير الخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية التي تشتد الحاجة إليها لمعالجة الظروف المعيشية المعاكسة التي يواجهها الفلسطينيون في قطاع غزة ..".
تضمنت هذه الفقرات بعض العبارات ذات الطابع غير المحدد التي ربما تقترب من اللغة السياسية أكثر منها إلى اللغة القانونية.

 

ثغرات جوهرية

- خلو القرار من دعوة صريحة لوقف إطلاق النار
أهم ثغرة في الحكم، حسب تصوري، هي خلوه من دعوة صريحة لدولة الاحتلال لوقف إطلاق النار. صحيح أن القانونيين والمختصين  اختلفوا حول بعض مضامين القرار، فمنهم من ذهب إلى أن التدابير التي طلبتها المحكمة لا يمكن أن تتحقق دون وقف إطلاق النار كما ذكرت وزيرة خارجية جنوب إفريقيا مع أنها قالت إنها كانت تتمنى أن يتضمن الحكم النص على طلب وقف إطلاق النار.
وغياب دعوة دولة الاحتلال لوقف إطلاق النار قد يفهم منه أن  المحكمة خلطت بين السياسي والقانوني ربما بسبب التعرض إلى ضغوط من الدول الكبرى الداعمة للاحتلال والا فما الذي يمنع المحكمة من ذلك ؟

ويكفي لمعرفة حجم هذه الثغرة أن قادة دولة الاحتلال مع أنهم هاجموا المحكمة لكنهم اعتبروا أنها لم تطلب منهم وقف إطلاق النار  لذلك واصل جيش الاحتلال عمليات القتل والتدمير في غزة بالوتيرة ذاتها وربما أكثر ، فخلال الثمان والأربعين ساعة الماضية سقط حوالي 350 شهيدا بهجمات الطائرات الحربية والمدفعية الإسرائلية في ترجمة فورية لفهمهم أن القرار لم يطالبهم بوقف إطلاق النار. 
وهذا أيضا ما ذهبت إليه الخارجية الأمريكية التي كررت موقفها بأن دعوى الإبادة الجماعية لا أساس لها من الصحة وان القرار لم يطلب وقف إطلاق النار. وهذه مسألة مفهومة لأن الولايات المتحدة إذا اعترفت بحصول إبادة جماعية في غزة فهي تدين نفسها  فما حدث ويحدث من قتل وتدمير إنما تم بالأسلحة الأمريكية.
ولتتضح الصورة أكثر لنقارن بين حكم المحكمة فيما يتعلق بدولة الاحتلال وبين حكمها بشأن أوكرانيا:
"يجب على الاتحاد الروسي أن يعلق على الفور العمليات العسكرية التي بدأت في 24 فبراير 2022، والتي يكون هدفها  المعلن منع ومعاقبة إبادة جماعية مزعومة في لوهانسك ودونيتسكوبلاست في أوكرانيا".
فالدعوة هنا صريحة لوقف الأعمال العسكرية..

 

- قضية الاحتلال
لم تتطرق المحكمة على ما يبدو إلى القضية الأساسية وهي قضية الاحتلال الذي يعاني منه الشعب الفلسطيني منذ عشرات السنين وكذلك الحصار الذي يعاني منه قطاع غزة منذ حوالي 18 سنة.
وكان بإمكان المحكمة أن تذكر بموضوع الاحتلال في ردها على مرافعة دولة الاحتلال التي ركزت فيها على ما اسمته "حقها في الدفاع عن النفس".  

 

 - إطلاق سراح "الرهائن"
دعت المحكمة إلى إطلاق سراح "رهائن" دولة الاحتلال وتجاهلت آلاف الفلسطينيين الذين تعتقلهم إسرائيل منذ عشرات السنين وآلاف الفلسطينيين الذين اعتقلتهم بعد السابع من أكتوبر وعرضتهم لأبشع أنواع التعذيب واعدمت بعضهم في سجون سرية.
وهذه الدعوة مشابهة للدعوة التي تكررها الولايات المتحدة والدول الغربية مع تجاهل تام للأسرى الفلسطينيين.

 

- عودة المبدعين إلى ديارهم 

لم يتضمن حكم المحكمة أيضا الدعوة إلى إعادة السكان المهجرين إلى ديارهم في شمال غزة وغيرها من المناطق. 

- تقديم تقرير إلى المحكمة خلال شهر
ورد في القرار أنه على إسرائيل تقديم تقرير إلى المحكمة حول التدابير خلال شهر.
وهذا الشهر سيضاف إلى الفترة التي اخذتها المحكمة لإصدار قرارها، فإسرائيل ستقتل الكثير من الفلسطينيين في غزة خلال هذه المهلة الممنوحة لها ولن تعوزها حيلة ولا حجة في تقديم تقرير إلى المحكمة تبرأ فيه نفسها ومن اهم ما يمكن أن تتحجج به هو أن المحكمة لم تطلب منها وقف القتال وانها تسمح بإدخال المساعدات بشكل يومي، هذا إذا ردت على المحكمة أصلا إذ أن بعض المحللين يرون أن دولة الاحتلال لن تقدم تقريرا إلى المحكمة في إطار منهجها المعروف برفض وتجاهل القوانين والقرارات الدولية. 
  

ردود أفعال

رحبت بعض الدول العربية بالقرار مثل فلسطين والمملكة العربية السعودية، فقد أعربت وزارة الخارجية السعودية  عن ترحيب المملكة بالقرار الابتدائي الصادر عن محكمة العدل الدولية، والرامي إلى وقف أية ممارسات وتصريحات تهدف إلى الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة المحاصر، مع رفض رد الدعوى المقدمة من جنوب إفريقيا.
وعبَّرت الوزارة عن تأييد السعودية لما صدر عن محكمة العدل الدولية، وأكدت الرفض القاطع لممارسات الاحتلال الإسرائيلي وللانتهاكات لاتفاقية الأمم المتحدة بشأن الإبادة الجماعية.
كما أشادت الخارجية بجهود جمهورية جنوب إفريقيا برفع دعوى ضد الانتهاكات المتواصلة للاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة، مشددة على أهمية اتخاذ المجتمع الدولي المزيد من التدابير لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتوفير الحماية للشعب الفلسطيني، ومحاسبة قوات الاحتلال الإسرائيلي على جميع انتهاكاتها الممنهجة للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني.

 

مواقف غربية
قالت فرنسا إن قرار محكمة العدل الدولية بشأن غزة "يعزز تصميمها" على العمل من أجل وقف إطلاق النار، وأضافت أن جريمة الإبادة الجماعية، التي تتهم بعض الدول إسرائيل بارتكابها، تتطلب "إثبات النية".
فالمحكمة استعرضت نماذج من  كلام كبار قادة دولة الاحتلال التي تثبت نيتهم الصريحة في الإبادة والتدمير والتهجير في غزة ومع ذلك تطلب فرنسا إثبات النية!

 

القلق البريطاني 
أعربت وزارة الخارجية البريطانية عن "قلقها البالغ" بعد صدور قرار محكمة العدل الدولية.
ورد في بيان الناطق باسم وزارة الخارجية البريطانية: "نحن نحترم دور محكمة العدل الدولية واستقلالها"، واعرب عن "قلق بالغ إزاء هذه القضية التي لا تساعد على إرساء وقف دائم لإطلاق النار". 
وجددت وزارة الخارجية البريطانية تأكيدها أن إسرائيل "لديها الحق في الدفاع عن نفسها ضد حماس"، مضيفة "نعتقد أنه لا يمكن وصف تصرفات إسرائيل في غزة بأنها إبادة جماعية، ولذلك نعتقد أن قرار جنوب إفريقيا بإحالة القضية على المحكمة كان خاطئا واستفزازيا".
ففي الوقت الذي يستمر فيه مئات آلاف البريطانيين في التظاهر ضد الحرب على غزة وفي الوقت الذي رحبت فيه كثير من الدول بالقرار تعرب الخارجية البريطانية عن القلق وكأنها تريد دولة الاحتلال أن تواصل قتل الأطفال والنساء في غزة، وتذكرنا الخارجية البريطانية ب"حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها" دون أن تمنح الحق ذاته للفلسطينيين.
ولم يفت بريطانيا أن تلوم جنوب إفريقيا لأنها انتصرت للأطفال والنساء في غزة الذين سقطوا بالأسلحة الأمريكية والبريطانية.
  

تسلية إسرائيل
لعل الدول الغربية ازدادت شفقتها على دولة الاحتلال بعد صدور قرار محكمة العدل الذي أخرج الكيان من ثوب الضحية إلى موقع تهمة الإبادة الجماعية فزعموا دون تبين مشاركة خمسة من موظفي الأونوروا في هجوم السابع من أكتوبر فأعلنت هذه الدول الغربية وقف دعمها المالي للأنوروا دعما للاحتلال وعقابا للفلسطينيين في غزة وخارجها ضمن سياسة العقاب الجماعي التي تمارسها إسرائيل وحلفاؤها.
ومن الدول التي لحقت بالركب الأمريكي في هذا العقاب الجماعي : بريطانيا وألمانيا وأستراليا وفرنسا وهولندا وكندا وفلندا. .. جاء موقف هذه الدول لإحكام تجويع أهل غزة في مخالفة صريحة لقرار محكمة العدل الدولية. وأكملت إسرائيل بإغلاق معبر كرم أبو سالم يوم أمس وفي اليوم ذاته لم يدخل من معبر رفح سوى خمس شاحنات من الوقود فقط. 
هذه الدول اعتبرت المشاركة المزعومة لبعضة موظفين فلسطينيين في الأنوروا في هجوم السابع من أكتوبر مسألة خطيرة تتطلب عقابا جماعيا ضد سكان غزة، أما مشاركة هذه الدول بأشكال مختلفة في العدوان على غزة وفي قتل وجرح أكثر من مائة ألف شخص في غزة فتلك مسألة فيها نظر. 

أخيرا  لا يمكن إغفال أو تجاهل  ما تضمنه القرار من نقاط إيجابية التي منها إخراج دولة الاحتلال من ثوب الضحية إلى صفة الاتهام بالإبادة الجماعية.
وهذا ما اعترفت به صحافة وبعض مسؤولي الاحتلال.
فقد قالت صحيفة "هآرتس" إنه لا يمكن التقليل من خطورة الوضع بعد قرار محكمة العدل الدولية، الذي طلبت فيه من إسرائيل اتخاذ إجراءات لمنع الإبادة الجماعية في غزة.
وأضافت أنه ينبغي للإسرائيليين ألا يتجاهلوا موافقة المحكمة على التحقق من "ادعاءات" الإبادة الجماعية، وشددت على ضرورة أن تنظر الحكومة، والكنيست ، والرئيس، والجيش والمواطنين في إسرائيل، إلى القرار على أنه تحذير شديد يستوجب الامتثال لتوجيهاته.
وقال قاضي المحكمة العليا الإسرائيلية المتقاعد حنان ميلتسر، إن "قرار محكمة لاهاي بمثابة بطاقة حمراء في وجه إسرائيل، وهو القرار الذي سيرافقها لسنوات طويلة، وسيكون له كثير من التداعيات على إسرائيل وقياداتها السياسية والعسكرية". وأوضح ميلتسر، خلال حوار معه في القناة 12 الإسرائيلية، أن القرار يعني أن على إسرائيل توخي الحذر مستقبلا في كل ما يتعلق بالتعامل مع الفلسطينيين، لافتا إلى أن جوهره يعني أن إسرائيل لا يمكنها أن تفعل ما يحلو لها في قطاع غزة والضفة الغربية أو الاستمرار في الحرب والقتال بشكل عنيف.
ويعتقد القضائي الإسرائيلي أن القرار رغم عدم كونه ملزما لإسرائيل بوقف الحرب، فإنه يضع الجيش الإسرائيلي أمام اختبار ومجهر القانون الدولي، ويؤسس لمرحلة جدية وجديدة في التعامل الدولي مع إسرائيل بكل ما يتعلق بالصراع مع الفلسطينيين."

 لكن الثغرات التي أشرنا إليها تضعف القرار إلى حد كبير  خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار  الجانب التنفيذي، فالفيتو الأمريكي سيكون بالمرصاد في مجلس الأمن لأي تحرك فعلي لمحاولة تنفيذ قرار المحكمة.
ختاما شكرا جزيلا لجنوب إفريقيا على هذه المبادرة النبيلة.
Many thanks South Africa for this noble initiative.

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

اثنين, 29/01/2024 - 20:40