البنوك الموريتانية : قطاع مصرفي مستقر لكنه لا يمول الاقتصاد

في تقييمه للنظام المالي في موريتانيا، يلفت تقرير البنك الدولي إلى أن البنوك التجارية، التي تمثل العمود الفقري للوساطة المالية في البلاد، تتمتع بدرجة معتبرة من الاستقرار. غير أن هذا الاستقرار لا يوازيه دور مماثل في تمويل النشاط الاقتصادي، إذ يظل تأثير القطاع المصرفي محدوداً في دعم الاستثمار والإنتاج.

ففي غياب أسواق مالية متطورة، يُفترض أن تضطلع البنوك بدور رئيسي في تعبئة المدخرات وتوجيهها نحو القطاعات المنتجة. إلا أن التقرير يشير إلى أن البنوك الموريتانية ما تزال تمارس دورها بحذر كبير، مع تركيز واضح على الأنشطة الأقل مخاطرة والأكثر ربحية على المدى القصير.

 

 

هيمنة عدد محدود من البنوك

 

يشير التقرير إلى أن النظام المصرفي في موريتانيا يتسم بدرجة من التركّز، حيث يهيمن عدد محدود من البنوك على الحصة الأكبر من النشاط المالي. ويؤدي هذا الوضع إلى تقليص المنافسة داخل القطاع، وهو ما قد ينعكس على شروط التمويل المتاحة للشركات والأفراد.

كما أن هيمنة عدد محدود من المؤسسات المصرفية تجعل السوق أقل ديناميكية، وتحد من تنوع المنتجات المالية المتاحة.

 

 

تركّز القروض لدى عدد محدود من الشركات

 

من أبرز الملاحظات التي يوردها التقرير أن القروض المصرفية تتسم بدرجة عالية من التركّز، إذ تحصل شركات كبرى أو مجموعات محددة على جزء كبير من التمويل المصرفي.

ويحذر التقرير من أن هذا النمط من التمويل قد يزيد من المخاطر النظامية في حال تعثر أحد كبار المقترضين، كما أنه يحد من قدرة البنوك على توسيع قاعدة التمويل لتشمل قطاعات اقتصادية أكثر تنوعاً.

 

 

تفضيل التمويل قصير الأجل

 

 

تُظهر البيانات التي يستعرضها التقرير أن البنوك تميل إلى تمويل الأنشطة التجارية والعمليات قصيرة الأجل، مثل تمويل الاستيراد والتجارة، وهي أنشطة تحقق عوائد سريعة وتُعد أقل مخاطرة مقارنة بالاستثمارات طويلة الأجل.

غير أن هذا التوجه يحد من قدرة النظام المصرفي على دعم المشاريع الإنتاجية التي تحتاج إلى تمويل طويل الأمد، مثل المشاريع الصناعية أو الزراعية.

 

 

ضعف تمويل القطاعات الإنتاجية

 

يشير التقرير إلى أن قطاعات رئيسية في الاقتصاد، مثل الزراعة والصناعة والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ما تزال تواجه صعوبة في الحصول على التمويل المصرفي.

ويرتبط ذلك بعدة عوامل، من بينها ارتفاع مستوى المخاطر المتصورة لدى البنوك، وضعف الضمانات التي تستطيع هذه المؤسسات تقديمها، إضافة إلى محدودية المعلومات المالية المتاحة عنها.

ويؤدي هذا الوضع إلى إبقاء جزء مهم من النشاط الاقتصادي خارج دائرة التمويل الرسمي.

 

 

ارتفاع الضمانات وأسعار الفائدة

 

من بين العوائق التي يبرزها التقرير أيضاً ارتفاع متطلبات الضمانات التي تفرضها البنوك للحصول على القروض، فضلاً عن مستويات أسعار الفائدة التي تعتبر مرتفعة نسبياً.

وتجعل هذه الشروط التمويلية الوصول إلى الائتمان أكثر صعوبة بالنسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تمثل في العديد من الاقتصادات محركاً رئيسياً للنمو وخلق فرص العمل.

 

 

بين الحذر المصرفي ومتطلبات التنمية

 

في المحصلة، يقدم تقرير البنك الدولي صورة لقطاع مصرفي يتمتع بقدر من الاستقرار المالي، لكنه يعمل وفق مقاربة محافظة تحد من قدرته على لعب دور أكثر فاعلية في تمويل التنمية الاقتصادية.

 

ويشير التقرير إلى أن تعزيز دور البنوك في تمويل الاقتصاد يتطلب مجموعة من الإصلاحات، من بينها تحسين بيئة الأعمال، وتطوير نظم المعلومات الائتمانية، وتوسيع أدوات تقاسم المخاطر، إضافة إلى تشجيع البنوك على توجيه جزء أكبر من التمويل نحو القطاعات الإنتاجية.

 

ففي اقتصاد يسعى إلى تنويع مصادر نموه والاستفادة من عائدات الموارد الطبيعية، يصبح دور البنوك الوسيطة حاسماً في تحويل المدخرات إلى استثمارات منتجة قادرة على خلق القيمة وفرص العمل

سبت, 07/03/2026 - 00:08