
لا يموت المرء بمفرده، بل ترافقه أشياء من هذا العالم إلى قبره، فكيف بمن كان يبقي العالم ومعناه حيَّين فينا بأكثر من شكل؟
إن موت أحدنا هو تفكك دنيوي لشبكة خفية من العلاقات والأصوات والمشاريع المؤجلة. وبهذا المعنى الإنساني الذي لا فكاك منه يغدو رحيل المناضل الوطني بوبكر ولد مسعود ليس مجرد حدث بيولوجي يتكرر، وإنما هو خلخلة في بنية اجتماعية وإنسانية مترابطة، وثقب في جدار سردية طويلة من المقاومة، سردية كتبها رجل بدأ حياته مستعبَدًا، ثم أمضى عمره برمته وهو يطارد بقايا العبودية وظلال القهر الإنساني المتجذر في هذه الصحراء البوار، والتي حين لم يعثر ساكنوها على ماء ثقافي عذب يروي عطشهم الأخلاقي تحت الشمس الشوّاءة، شربوا دماء إخوتهم وجيرانهم ودماء أطفال المسلمين.
لم يكن ميلاده في جنوب موريتانيا في أربعينيات القرن الماضي معضلة فلسفية مجازية، بل نموذجًا لمفارقات الحياة وكشفًا لأحد وجوهها القميئة والأشد ضراوة. فما الذي اقترفه الطفل الذي كانه، ليولد في عالم كان الرق فيه حقيقة اجتماعية لا استعارة تاريخية؟
رعى الغنم في صغره، وخدم في الحقول، قبل أن يفتح التعليم نافذة صغيرة في جدار التراجيديا، ومن تلك النافذة تخرج مهندسًا معماريًا، لكنه عاد إلى بلده المنكوب ليعيد تصميم العدالة قبل أن يعيد تصميم المدن.
في أواخر السبعينيات كان بين مؤسسي حركة الحر، إحدى أولى الحركات التي كسرت الصمت الاجتماعي حول الرق ومخلفاته. ومن هناك بدأ فصل جديد من تاريخ طويل من الضغط المدني والحقوقي، شارك فيه مناضلون كثر، إلى غاية عام 1981، آن أُعلن إلغاء الرق رسميًا في موريتانيا، لتكون آخر دولة في العالم تلغي العبودية قانونيًا، متخلصة بذلك – ولو نظريًا – من أزنخ جثث الممارسات اللاأخلاقية واختراعات الجزء المريض من الكينونة الإنسانية عبر التاريخ.
لكن إلغاء الرق لم يكن نهاية القصة، بل بدايتها الفعلية. فالقانون ظل لسنوات بلا تجريم جذري للممارسة نفسها، إلى أن صادق البرلمان عام 2007 على أول قانون ينص بوضوح على تجريم الاسترقاق ويعاقب عليه بالسجن بين خمس وعشر سنوات. كانت خطوة توّجت نضالات رجال ونساء وبصمت مسارًا عظيمًا نحو الحرية والعدالة، ورحبت بها منظمة “نجدة العبيد” التي كان ولد مسعود يرأسها.
كنا على موعد مع تطور إيجابي آخر في عام 2015 حين عُدَّ الاسترقاق جريمة ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم، وتم إنشاء محاكم متخصصة للنظر في هذه الجرائم، وتشديد العقوبات، وتوسيع صلاحيات المنظمات الحقوقية في تحريك القضايا.
إننا حين نمر بهذا السرد التاريخي فإننا لا نقوم بذلك من باب الاستعراض اللغوي الفج أو التباهي الثقافي المحبب، وإنما لأنه ليس بالوسع قراءة حياة الراحل بوبكر ولد مسعود بوصفها سيرة فردية، بل كفصل من ملحمة مدنية طويلة. لقد كان يتوازى في طريقته الهادئة العنيدة مع مسارات شخصيات عظيمة في تاريخ الحقوق المدنية مثل مارتن لوثر كينغ ونلسون مانديلا. إنهم مناضلون فهموا أن الظلم ليس حادثة معزولة، بل نظام كامل من اللغة والعادات والخوف والخرافة. ولذلك قال كينغ يومًا: “إن الظلم في أي مكان تهديد للعدل في كل مكان”، ليجيبه في زاوية أخرى من العالم مانديلا بمقولته: “إن من يرى إنسانًا يُهان ولا يشعر هو نفسه بالإهانة، فإن عليه أن يراجع إنسانيته”.
هكذا كان فقيدنا مصابًا بالإنسانية، تلك الحمى النبيلة التي تخص أصحاب الضمائر الحية والوازع الأخلاقي الفخم.
إن الموت، بهذا المعنى، ليس نهاية رجل، بل اختبار لما تركه وراءه من إرث أخلاقي وقيمي وإنساني مرجعي.
حين يرحل مناضل بمكانة فقيدنا فإن الخسارة تكون مضاعفة بالمنظار الاجتماعي والحضاري، لكن المفارقة أن بعض الناس يربحون حياتهم الثانية لحظة موتهم، إذ يخلدون في الذاكرة العامة وفي السرديات التي تتناقلها الأجيال.
لقد رحل بوبكر ولد مسعود اليوم، سوى أن القضية التي حملها، مثل كل القضايا العادلة، لا تعرف كيف تموت، بل لعلها تبدأ، كل مرة، من موت أحد حراسها.
إن الطريقة المثلى لتثمين مسار ونضال المعلم الأكبر لا تتمثل بالضرورة في الرثائية الباردة والبكائيات الحزينة المضبوطة على ساعة الصحراء الرملية الخَرِبة. إن تمثل هذا الإرث الأخلاقي والإنساني النبيل يقتضي أولًا إنصاف أصدقاء وأبناء وأحفاد بوبكر ولد مسعود، وهم عامة ضحايا قيح التاريخ والواقع الطاحن والمستقبل المهدد بالرداءة؛ من الفقراء والمساكين والمستعبَدين والمستعبَدين السابقين، بل أكاد أقول إن كل فقير وفقيرة بالضرورة مستعبدان.
وأرى أنه يجب أن يُخصَّص يوم وطني للاحتفاء بهذا المعلم العظيم، وإطلاق اسمه على مرافق في بلده الذي أحبه رغم ما عاناه فيه من مرارة وجفاء وظلمة وظلم.
الشيخ نوح



.jpeg)

.jpeg)