الضرائب في موريتانيا بين التاريخ والجدل المعاصر حول رسوم الهواتف

في خضم السجال الدائر الآن في الساحة الوطنية بخصوص الرسوم على الهواتف، أود تقديم نبذة عن تاريخ سكان البلد مع المغارم والمكوس.

 

ففي حيزٍ لم يعرف الدولة المركزية إلا لمامًا، وذلك في عهد الدولة المرابطية التي لم تدم طويلًا في الصحراء، أو جزئيًا تحت تأثير إمبراطوريتي غانا ومالي في بعض المناطق، شكّل قدوم بني حسان إلى المجال ابتداءً من القرن التاسع الهجري / الخامس عشر الميلادي، وتأسيس الإمارات والمشيخات، بداية توطين السُّلط القارة في جنوب غرب الصحراء الكبرى، التي وإن لم توحد البلد، فقد أسست نظامًا سياسيًا سعى للحفاظ على الأمن في محيط مضطرب.

 

وكأي سلطة، شكّلت المغارم / الجبايات ليس فقط موردًا اقتصاديًا لا غنى عنه لها، بل رمزًا من رموز الحكم وحقًا من حقوقه. وقد تعددت التسميات بحسب الحالات والسياقات: غفر، اغرامة، گبظ، آباخ (ضريبة استغلال الأرض)، آمكبل (المكوس التي كان الأوروبيون يدفعونها للأمراء والشيوخ)، إلخ.

 

وكانت سُلَطُ العرب من بني حسان من إمارات ومشيخات، ثم بعض المجموعات الصنهاجية التي استطاعت أن تؤسس سلطة أميرية أو مشيخات لاحقة، تفرض غرامات على من يحتمون بحماها، ويتفاوت في ذلك الناس حسب وظيفتهم الاجتماعية. فقد ظل معظم الزوايا مثلًا، ولأسباب عديدة، معفيين من تلك المكوس، فيما خضعت لها أغلب فئات المجتمع الأخرى.

 

ومع أن الغرامات ومحاولة فرضها بالقوة في عصر ما قبل الدولة قد أدت إلى صراعات مريرة بين المجموعات في بعض الأحيان، فإن الذاكرة الجمعية لم تخلُ من طرافة بعض المواقف المتعلقة بها، فابتدعت النكت والطرف وبعض الأمثال، من قبيل: “ال ما يعرف لغرامة اتوحلو”، وتعني هذه المقولة أن من ليست له تجربة بتدبير أمر ما قد يرتكب أخطاء تكون عواقبها وخيمة عليه لفقدانه الخبرة والكياسة المطلوبتين.

 

ومن المغارم التي احتفظت بها الذاكرة الجمعية قصة المكوس التي فرضها شنان العروسي، المتوفى حوالي 1045 للهجرة / 1636م، عندما استقر بمدينة ولاتة بمحَلَّته، وفرض غرامات على أهلها في الأشياء اللصيقة بحياتهم اليومية، كالحطب الذي يستخدمونه في الطهي، والماء الذي يشربون، وكذا الرمل الأبيض الذي يفترشونه في منازلهم والمسمى “مَامَ”، بحسب ما ذُكر في عديد المصادر التاريخية.

 

كما فرض المستعمر ضرائب قاسية، منها، علاوة على الضرائب على الأشخاص (ضريبة الرأس) و”العشور” على الممتلكات، السخرة (العمل اليدوي) لخدمته، وتسخير الدواب بمصادرتها من مالكيها لتؤدي مهام مؤقتة خدمة له، وضريبة “الدم” التي تعني حق الإدارة الاستعمارية في تجنيد من تشاء للقتال في صفوف قواتها داخل البلد أو خارجه.

 

أما في ظل الدولة الوطنية المستقلة، وهو أهم إنجاز حققناه كشعب على مر تاريخنا، فقد أصبحت الضرائب تكتسي شرعية لا مراء فيها، كما أصبح دفعها واجبًا وطنيًا تقتضيه المصلحة العامة والتضامن الاجتماعي، ويُعد التهرب منها انتهاكًا للقانون.

 

وقد حرصت الأنظمة المتعاقبة بشكل عام، وإن تفاوتت في ذلك، على ألا تتجاوز الضرائب الحدود التي تجعل تأثيرها مجحفًا بدافعيها من المواطنين.

 

وبخصوص الرسوم على الهواتف، موضوع حديث الساعة، فلا شك أن الجهات المعنية ستكون على مستوى التطلعات، وتقوم بالمراجعة الضرورية والمناسبة لها لتكون أكثر عدالة وإنصافًا

اثنين, 16/03/2026 - 22:16