أزمة ديون السنغال: من التدهور المالي إلى اهتزاز الدولة.. درس لموريتانيا

لقد ظلّ السنغال، لفترة طويلة، يُقدَّم بوصفه واجهةً للاستقرار في غرب إفريقيا، لكنه يجد نفسه اليوم على أعتاب تحوّل تتجاوز طبيعته مجرد التدهور الماكرو-اقتصادي. فما يجري ليس أزمة ظرفية عابرة، بل قطيعة بنيوية في العلاقة بين الدولة والدين والزمن.

 

ذلك أن الدين، حين يتجاوز عتبات معينة، يتوقف عن كونه أداةً من أدوات السياسة الاقتصادية، ليغدو بنيةً للهيمنة. وعندما تتجاوز مديونية السنغال 130% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2026، فإن الأمر لم يعد يتعلق بمسار قابل للاستدامة، بل بظاهرة استحواذ الحاضر على المستقبل. أما التخفيض الأخير من طرف وكالة S&P Global Ratings إلى مستوى CCC+/C، فلا يمثل مجرد إشارة سوقية، بل هو بمثابة حكم؛ أي فقدان فعلي للسيادة. فالدولة، وهي محاصرة بضغوط الاستحقاقات، لم تعد تُحكِّم، بل تنفذ.

 

وفي الاقتصادات المعتمدة على التمويل الخارجي، فإن تعليق صرف التمويلات بسبب التعثر في السداد يعمل كشكل من أشكال الموت البطيء. فهو لا يقتل فورًا، لكنه يشلّ الحركة. تتوقف المشاريع، وتتفكك سلاسل الدفع، ويبدأ النسيج الاقتصادي في التآكل.

 

والقاعدة الصارمة معروفة: تكفي ثلاثة أشهر من المتأخرات لتعليق مشروع، وستة أشهر لتجميد محفظة كاملة. وهذه الآلية، التي صُممت أصلًا كأداة انضباط، تتحول في سياق الأزمة إلى وسيلة للتفكك.

 

لكن الأخطر من ذلك أن هذا التعليق لا يطال المقترض وحده. فالممولون أنفسهم، الخاضعون لتدقيق وكالات مثل Moody’s وFitch Ratings، يجدون مصداقيتهم مهددة بسبب تراكم المتأخرات.

 

وإلى جانب هذه الأزمة المالية، يبرز صدع سياسي داخلي. فوزير المالية شيخ ديبا يوجد عند تقاطع ولاءات متباينة: فهو قريب من الرئيس باسيرو ديوماي فاي، لكنه في حالة توتر مع الوزير الأول عثمان سونكو.

 

وهذا الاختلال في الاصطفاف الاستراتيجي يولد شللًا في اتخاذ القرار. غير أن الزمن السياسي، في أزمات الدين، يصبح ترفًا لا تملكه الدول. فكل يوم تردد يزيد من كلفة التكيف في المستقبل. وهكذا تتحول الدولة إلى فضاء من التنافر، غير قادر على إنتاج استجابة منسجمة أمام الإلحاح.

 

وعندما ينفجر عبء خدمة الدين، فإن الأمر لا يتعلق فقط بارتفاع بند في الميزانية، بل بفرض تحكيم أخلاقي: هل ينبغي دفع مستحقات الدائنين أم الحفاظ على العقد الاجتماعي؟

 

وفي الحالة السنغالية، يبدو الجواب وكأنه يُفرض بنفسه: يصبح الاجتماعي هو متغير التكيف. تنكمش النفقات العمومية، وتتوقف المشاريع المهيكلة، وتجد الفئات التي كان يفترض أن تستفيد من هذه الاستثمارات نفسها أمام أفق أكثر ضيقًا.

 

والأمثلة كثيرة: بنى تحتية مجمدة، ومؤسسات محلية مختنقة، وأوراش مهجورة. فكل تأخر في السداد يتحول إلى موجة صدمة تنتشر داخل الاقتصاد الحقيقي. تضخم التكاليف، وتدهور الأصول، وفقدان الثقة، كلها عوامل تسهم في تحويل تأخر إداري إلى كارثة نسقية.

 

وقد يتحدث البعض عن الحلول التقليدية: إعادة الجدولة، أو إعادة الهيكلة، أو حتى مبادرات من نوع البلدان الفقيرة المثقلة بالديون (PPTE) التي استفاد منها السنغال سابقًا. غير أن هذه الآليات، بدل أن تكون حلولًا نهائية، لا تفعل في كثير من الأحيان سوى ترحيل المشكلة في الزمن.

 

أما صندوق النقد الدولي، ففي إطار مشاورات المادة الرابعة، فإنه يفرض انضباطًا صارمًا: تسوية المتأخرات قبل أي تمويل جديد. وهذا الشرط، الذي يُنظر إليه أحيانًا بوصفه تقنيًا بيروقراطيًا، هو في الحقيقة شرط للمصداقية.

 

لكن حين تتآكل هذه المصداقية، تدخل البلاد منطقة رمادية يصبح فيها التمويل نادرًا، ومكلفًا، ومشروطًا بإجراءات تصحيحية مؤلمة.

 

وتغدو القروض المتعثرة (NPL)، المؤلفة أساسًا من متأخرات تتجاوز ستة أشهر، مرآةً للأزمة. فتركمها يقلص عرض الائتمان، ويشوّه توزيعه، ويكبح النمو.

 

وتوجد أمام الممولين ثلاثة خيارات: خفض هذه القروض بنشاط، ولو بثمن خسائر فورية؛ أو تذويبها عبر توسيع الائتمان؛ أو تجاهلها.

 

ولا يتيح استعادة دائمة إلا الخيار الأول، رغم كلفته، لكنه يفترض إرادة سياسية وقدرة مؤسسية لا تتوفر إلا لعدد محدود من الدول في سياق الأزمة.

 

إن ما يجري في السنغال ليس حالة معزولة، بل نموذجًا دالًا. وعلى موريتانيا، المنخرطة في مسار تنموي طموح، أن تنظر إلى هذه الأزمة لا بوصفها استثناءً، بل مرآة.

 

فاستدامة الدين لا يمكن أن تكون تمرينًا بعديًا. بل ينبغي إدماجها منذ مرحلة تصميم المشاريع، باعتبارها قيدًا بنيويًا. فلم يعد المطلوب مجرد التمويل، بل التفكير في التمويل ذاته.

 

ذلك أن الدين ليس محايدًا: إنه وعد يُقدَّم للمستقبل. وعندما يُخان هذا الوعد، فإن من يدفع الثمن ليس الأسواق، بل الأجيال القادمة.

 

ويقف السنغال اليوم داخل منطقة حرجة، حيث تتحول الأزمة المالية إلى أزمة ثقة، ثم إلى أزمة معنى. لكن كل أزمة تحمل في داخلها أيضًا إمكانية لإعادة التأسيس.

 

غير أن ذلك مشروط بالقطع مع منطق الهروب إلى الأمام، وإعادة إدراج الدين ضمن رؤية بعيدة المدى، واستعادة الانسجام بين السياسة الاقتصادية والحكامة.

 

ومن دون ذلك، سيتوقف الدين عن كونه أداةً، ليصبح ما يهدد بأن يكونه بالفعل: قدرًا محتومًا.

 

وهذا بالتحديد هو المصير الذي ينبغي على موريتانيا أن تتفاداه، مهما كان الثمن.

 

محمد ولد الشريف

جمعة, 24/04/2026 - 14:34