
إنَّ “الدُّكَّان” (البُوتيك) قد أفرز ما يمكن أن يُسمى ثقافة “دُكَّانية” أصبحت في انتشار متزايد، فلم يعد الدكان محلًّا للبيع والشراء فحسب، بل أصبح أيضًا مركزًا لحياة اجتماعية وثقافية وحتى سياسية عند الموريتانيين. فكلمة العَرّاف -من العُرف أي التبادل- التي كانت مستعملة، تم استبدالها بكلمة صاحب الدكان (مول البوتيك)، ومن ثم أصبحت تُستعمل مكانها في بعض الأحيان كلمة تاجر، ولا يُحبَّذ استعمال هذه الكلمة لكونها تقترن في الأذهان بكلمة فاجر.
وعندما ينشئ الدُّكَّاني محله وتزدهر الأمور (مجازًا)، أي لمجرد أن يحصل مثلًا على 2 كيلو من الحبال، ونصف كأس من الشاي، وكيس من البسكويت، يتخذ مساعدًا له. هذا المساعد يُدعى وكّاف لأنه في أغلب الأحيان واقف. وبالإضافة إلى دوره في مساعدة الدُّكَّاني، فإنه يقوم كذلك بمهمة حساسة، وهي أن يمتنع عن إعطاء “الدَّين” أو التسلف للجيران أو الأقارب الفقراء، خصوصًا وأن الدُّكَّاني الرئيسي ليس من اللائق به أن يرفض إعطاء الدَّين لهم. ولتلافي إعطاء الدَّين، يكتب صاحب الدكان عبارات من هذا القبيل على الجدران، ويقوم المساعد بلفت أنظار الناس إليها كلما دعت الضرورة، ويحلف كذلك بأيمان مثل: بحق سُرَّتك، وبحق سُرَّتي عن سُرَّتك، صدقني هذا ليس ضدك أنت، وإنما هو شيء شامل على الجميع، ونحن الآن عندنا عملية الجرد والحساب، إلخ… كل هذه الأعذار تبرر اكتتاب مساعد يكون محل سخط وتهجم الزبناء، الذين ينشرون في كل مكان بأن صاحب الدكان ليس على اطلاع بالممارسات اللاإنسانية لمساعده.
وبقيت هذه العقلية الدُّكَّانية مرافقة للموريتانيين، الذين لا يحمِّلون أبدًا المسؤولية للمسؤول الأول في البلد، وكانوا يرون أن “الأعوان” دائمًا هم الأشرار، وأن المسؤول الأول ليس هو المسؤول لأنه “ليس على علم بكل ما يحدث، حتى لو كان على علم بكل هذا”، وأن الرئيس دائمًا طيب وأخلاقي وإنساني، بينما المساعد دائمًا شرير وخشبي ومصاص دائمًا لدماء الفقراء.
بعد ملفنا عن الوزراء في الحلقات السابقة، ننشر هذا الأسبوع كتاب “دليل الوزير الجديد” للمساعدة عند الحاجة. فكما تعلمون، كل الموريتانيين الأصحاء (وحتى الآخرين) يمكن أن يصبحوا وزراء… وبالتالي نقدم فيما يلي بعض المبادئ الأساسية لكي تصبح وزيرًا في خمسة أيام بدون معلم.
أولى النصائح لأول مجلس وزراء تحضره هي أن تكون حذرًا، وهذا هو المهم. ويقولون إن أهم لحظات تمر على الإنسان في عمره هي خمس: ميلاده وختانه، وشهادة الباكلوريا، وزواجه، وأول مجلس وزراء يحضره. أما لحظة موته فهي مهمة، إلا أنه للأسف لا يحضرها. أما في مجلس الوزراء، فمن المهم الاعتناء بالهندام، فليس من اللائق أن ترتدي قميصًا يحمل رسومًا للزهور أو مخططًا كما يفعل عملاء المافيا، أو ترتدي بدلة ذات خطوط متقاطعة كما يفعل عتاة المجرمين في الغرب الأمريكي. احذر من الأحذية العالية أو العريضة، بل الأحسن أحذية رمادية لأنها توحي بالجدية. حافظ على ربطة عنق، واربطها بعناية. ولتكن لديك جوارب جديدة، لأنها إذا كانت وسخة فإن رائحتها ستزعج الرئيس، وسوف يطرد مباشرة صاحبها. اصحب كذلك معك منديلًا، فالوزير الجديد يتصبب منه الكثير من العرق، خاصة في أول مجلس وزراء يحضره.
الأحذية يجب أن تكون أكبر قليلًا من القدم، لأن الرجل تتورم عندما يبدأ وزير الداخلية بيانه عن الوضع في الداخل. كذلك لا تنس الوسادة، فهي ضرورية أثناء خطاب وزير التخطيط. أما بخصوص الشعر، فعليك أن تمر بالحلاق قبل كل مجلس وزراء، فيقال إن الرئيس كلما رأى شخصًا “منتفش” الشعر عيَّنه مباشرة كاتبًا لمحو الأمية (..)، وعندما يصلح هذا الشخص شعره فإنه يُحوَّل إلى منصب آخر. حافظ على ألّا تكون ملتحيًا أو أمرد، وليكن لك شارب متوسط، واحذر من “التحليقات” الغريبة من أمثال “زولو”، واحذر أن تحكَّ رأسك في مجلس الوزراء.
أما طريقة المشي فإنها تبدأ من الوزارة. امشِ بهدوء، واعرُج على رجلك اليسرى، وطأطئ رأسك حتى لا ترى البسمات الساخرة للسكرتيرات، وحتى لا تتعثر في أسلاك الهاتف والأجهزة الإلكترونية، فالناس لا يغفرون لوزير يسقط في يومه الأول. فالوقت مبكر على السقوط، وأمامك كل الوقت لتسقط كما تشاء، على الأقل في يومك الأول. انظر حيث تقودك رجلاك. وأول شيء تفعله: نادِ على الفَرّاش مباشرة وقل له أن يعمل لك شايًا، وأضف: لم أشربه منذ الأمس، هذه الحكومة تريد أن تقتلني. سيسعد ذلك الفَرّاش ويحكيه على رؤساء المصالح، وسيقولون: لا بأس، إنه ذكي ويشرب الشاي.
عندما تدخل المكتب لأول مرة، لا تذهب للجلوس مباشرة على المقعد، قم أولًا بجولة في المكتب، افتح بابًا أو اثنين أو أغلقهما، أو أدراجًا. اطلب علبة ثقاب أو قلمًا. قل شيئًا يتذكره الجميع فيما بعد من قبيل: أيها الأصدقاء، أنا هنا ليوم أو يومين، أو ربما عشر سنوات، لا يهم، ما أريد أن تعرفوه هو أنني سأبقى هنا ما دمت هنا، موافقون؟! قد لا يكون هذا يعني شيئًا، إلا أنه على الأقل يولد الانطباع بأنه يعنيه.
عندما تريد التوجه إلى أول مجلس للوزراء، نادِ على السائق واسأله إن كان جاهزًا، وليكن في بالك أن السائق يعرف أكثر منك مجلس الوزراء ومقر انعقاده. لا تجلس في المقعد الخلفي، بل إلى جانب السائق. اطرح عليه أسئلة صغيرة من قبيل: متى ينتهي هذا الشيء؟ هل يقدمون مأكولات أو مشروبات؟ هذه منذ كم هي عندك؟ أين تسكن؟ وهكذا تصل بدون أن تشعر إلى مجلس الوزراء.
حاذر أن تصافح الوزراء، لأن القدماء منهم سوف يضحكون منك. هزَّ رأسك من حين لآخر، وعبِّر عن ملاحظات لجارك من قبيل: هذا البرد غير طبيعي، ربما بسبب العواصف العنيفة في الولايات المتحدة، وكلما حيّاك أحدهم أو خاطبك قل له: أه.. أه.. نحن سنرى. عليك أن تبدو وكأنك لا تهتم بما يجري وما يمكن أن يحدث، فذلك هو من صنع الوزراء الكبار. لا تطرح أسئلة، فهناك سابقة يجب أن تعرفها: فأبوبكر ولد أحمد كان وزير الثقافة والتوجيه الإسلامي سنة 1992، وتم طرده لأنه كان يطرح الكثير من الأسئلة في مجلس الوزراء، وكان تعليقه المفضل: هذا ليس واضحًا. عليك أن تحذر من ذلك، وأن تولد الانطباع بأنك ترى كل شيء واضحًا وشفافًا وحتى عبقريًا، وحتى وإن كان -كما هو الحال دائمًا- غامضًا جدًا، غامضًا، إلا أنه لا يعنيك.
أثناء المجلس يمكن أن تطرح بعض المشاكل التالية:
هل ينبغي كتابة ما يقوله رئيس الجمهورية لنظرائك؟
الجواب: اختياري.. يمكن أن تشاهد التلفزيون لتعرف أهم ما دار في المجلس: سجادة خضراء، وجوه واجمة، وصمت كموكب دفن. ارفق معك دفترًا صغيرًا، واكتب عليه من حين لآخر أي شيء، جملًا أو كلمات، فذلك يولد انطباعًا جيدًا لدى الرئيس. اكتب تعليقات على هوامش التقارير التي أمامك.
هل ينبغي إجراء مداخلة في مجلس الوزراء؟
الجواب: لا، خصوصًا أنه ليس عندك ما تقوله، إلا إذا كنت تريد أن تحكي عليهم أخبار سهرتك.
هل يمكن أن نطلب حاجة أثناء انعقاد مجلس الوزراء؟
الجواب: في المرة الأولى من الأفضل لا، فأنت لم تعرف بعد أين تقع دورة المياه، كما أنه لا يحق لوزير التبول بجانب سيارته قبل مضي ثلاثة أيام من تعيينه.
هل يمكن أن يفوتنا مجلس الوزراء؟
الجواب: إن مجلس الوزراء شأنه شأن الامتحان الكتابي، يعاقب بـ”صفر” كل غياب بدون مبرر، والمبرر الوحيد هو مهمة خارج نواكشوط، أو أن تأتي بالوكيل: رئيس القبيلة، أو الوكيل السياسي ليبرر للرئيس، ولا تبكِ إذا ما تم طردك.
وإليكم بعض النصائح الأخرى:
- لا تُجرِ أي مقابلة صحفية في الخارج أو الداخل، فتلك ممارسة خطيرة على صحة الوزير (أليس كذلك يا حسني؟).
- عليك أن تبدو وكأنك منشرح، لأن الذين يظهرون بمظهر الحزن محسوبون على أنهم ضد “النظام”، وأنهم حاقدون، وأنهم متآمرون.
- زد وزنك بعدة كيلوغرامات، وستكون بذلك مدعاة للثقة أكثر.
- عليك أن تحضر كل زيارات الرئيس في الداخل، اجعل الجميع يراك ويسمعك، ولا تنس من عيَّنك وزيرًا، تظاهر ولكن لا تُفرط في التظاهر، ودع الطليعة والقيادة للرئيس.
لنكن متفائلين، في هذا البلد البائس كل شيء ممكن الحدوث، رغم ذلك يبقى دائمًا هناك مجال للتفاؤل، فعندما أرى الشمس تشرق وتغرب كل يوم وبانتظام، أقول في قرارة نفسي إن الوضع ليس ميئوسًا منه بالدرجة التي نتصورها، وأن هناك كائنًا ما في هذا البلد ما زال يقوم بعمله على أكمل وجه، وأن معاوية لن يعين أحد موظفيه مكان الكوكب الذي يقوم بمهمته الموكلة إليه بإتقان.
(..)
وأخيرًا، وبما أننا لم نصل إلى هذه الدرجة، وإن كنا قريبين منها، فستبقى عندنا دائمًا أسباب تجعلنا متفائلين، فالشمس ما زالت تشرق وتغرب كل يوم، وما الذي نطالب به أكثر من ذلك؟ وهل يمكننا أن نطلب أكثر؟
حبيب ولد محفوظ، موريتانيد، جريدة القلم، العدد 248



.jpeg)

.jpeg)